الاثنين 30 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 18 ديسمبر 2017 م
خطبة الجمعة : صراع الحق و الباطل
الكاتب : عصام الصبيحي
الخميس 23 رجب 1435 هـ الموافق 22 مايو 2014 م
عدد الزيارات : 9936
خطبة الجمعة : صراع الحق و الباطل

صراع الحق و الباطل

مقدمة :
إن لله سبحانه وتعالى في كونه سنناً لا تختلف ولا تتبدل , يجريها الله على العديد من الأمور والأشياء دلالة على مفهوم التماثلِ الواقعِ في النتائج إذا تشابهت المقدمات ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس، واطراد فعله وسنته؛ لم يصح الاعتبار بها. والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن وهي كثيرة .. ( كتاب جامع الرسائل والمسائل )
ومن هذه السنن الإلهية سنةً عظيمةً قديمةً هي ( صراع الحق والباطل )
هذه السنة من أهم السنن الربانية التي يجب الوقوف عندها، وعدم الغفلة عنها.
عناصر الخطبة :
1-    الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية ثابتة ودائمة .
2-     ميدان الصراع بين الحق والباطل ( النفس – المجتمع ) .
3-    تطبيقات هذا الصراع عبر التاريخ .
4-    العداء للإسلام بدا من أول لحظة.
5-    وسيستمر الصراع .
6-    الغلبة في ذلك الصراع للحق .

1- الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية ثابتة ودائمة :
فمنذ أن تكبر إبليس اللعين على أوامر الله تعالى, , ومنذ أن أنزل الله تعالى آدم إلى الأرض بمخالفته لأمر الله بالأكل من الشجرة المحرمة, وإمهال الله تعالى للشيطان إلى يوم القيامة, والصراع بين الحق والباطل لا يتوقف ولن يتوقف.
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم, والمدقق في إرساله لأنبيائه ورسله, وما لاقوه من تعنت وتكذيب وتعذيب من قبل أقوامهم , سيلاحظ دون عناء حتمية تلك السنة الإلهية ولزومها.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} محمد/3 , وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} الرعد/17 , وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} الكهف/56 .
إن المدقق في الآيات السابقة لا يعجزه أن يقف على حقيقة مفادها أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة أقام الله عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من الشر، كما أنها لا يمكن أن تعاني من الشر المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق, فمزيج الحق والباطل هو قضاء الله تعالى وقدره في هذه الدنيا, ولن تجد لسنة الله تبديلا, ولن تجد لسنة الله تحويلا.

2- ميدان الصراع بين الحق والباطل : الصراع بين الحق والباطل له ميدانان :
الميدان الأول :
هو ميدان النفس البشرية, فالإنسان قابل للهدى والضلال: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ){ سورة الشمس, } ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ){ سورة الإنسان،
 و الإنسان حين يكون خيِّراً لا يعنى أن عناصر الشر زالت منه بالكلية بل النفس الآمرة بالسوء موجودة, وكيد الشيطان موجود ولذلك قد يخطئ المستقيم, أو يضل, أو ينحرف عن هذا الطريق أو يتركه حيناً, ثم يعود إليه .
الميدان الثاني :
 هو الصراع عبر المجتمع , فالجهاد في ميدان النفس لا ينتهي, لكن الذين يجاهدون أنفسهم منهم : من ينجح في هذا الجهاد فيكون من أهل الخير, ودعاة الإسلام, ومنهم : من يفشل في هذا الجهاد, أو لا يجاهد أصلا؛ فيكون من أهل الشر الذين عرفوا الحق ورفضوه, أو لم يعرفوه أصلا, وهنا يوجد الصراع بين هؤلاء وهؤلاء في الميدان الكبير, ميدان المجتمع وهذا هو الميدان الأخير للمعركة بين الحق والباطل, وبين الشيطان وأتباعه وبين الرسل وأتباعهم .

3-     تطبيقات وأمثلة هذا الصراع .
لا يكاد يخلو عصر من العصور من ذلك الصراع, كما لا يمكن أن يستثنى زمان منه ومن آثاره.
-    فقد بدأ الصراع بين الحق والباطل بقتل قابيل لأخيه هابيل, وقد مثل أحدهما الحق –هابيل–  والآخر الباطل .
-     ثم توالت معارك الحق والباطل عبر التاريخ, فكان صراع إبراهيم عليه السلام مع النمرود .
-     وصراع موسى عليه السلام مع فرعون .
-    وصراع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه من قريش .

4-    العداء للإسلام بدأ من أول لحظة:
 وذلك فيما رواه البخاري ومسلم من أن خديجة ذهبت بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل فقالت:( فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ» فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ..) 1 .
فالعداء للإسلام بدأ قبل أن ينتشر.

5-    وسيستمر الصراع :
وسيستمر هذا الصراع في أيامنا هذه وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها جلياً واضحاً لا يخفى على ذي لبِّ .
    وذلك لأمر هام وحقيقة قد يغفل عنها بعض الناس ألا وهي :
( الحقد على الحق وأهله ) هذه الصفة الملازمة لأهل الباطل لذلك فإنهم لن يتركوا عداوتهم أبداً ..
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) أل عمران 69
(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة 120
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ )البقرة 109
(وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة/217
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ابراهيم 13
 قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : (ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين) .

و قال القرطبي : (خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَرِّ الْكَفَرَةِ) .
وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله: والله الذي لا إله إلا هو لو أن الحق ترك الباطل ما ترك الباطل الحق أبدا, ويؤكده قول الله تعالى في قصة قوم لوط عليه السلام, الذي لم يتجاوز النصح والإرشاد لقومه, فما كان جوابهم إلا أن قالوا: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) النمل/56


6-    الغلبة في ذلك الصراع للحق .
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) الأعراف 128
(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) النحل 128
:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) الأنبياء 105
:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) النور 55
:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) التوبة 32
:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) الصف 9
:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ..) الأنفال 36


عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ)  2 .
ويؤيده حديث خباب في البخاري، قال صلى الله عليه وسلم :( و الله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) 3 .

تقرر الآيات أن النصر حليف المؤمنين الصادقين, وذلك مهما حقق الباطل في البداية من انتصارات آنية, أو كسب معارك جانبية ..
-     قال تعالى: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} سبأ/49
-    قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} الأنبياء/18.
-    في قصة موسى عليه السلام مع فرعون خير مثال على انتصار الحق في النهاية, رغم مظاهر انتصار الباطل في البداية, قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} الأعراف/118
-    وكلنا يتذكر عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً وأخذ يكسر الأصنام وهو يردد قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} الإسراء/81

خاتمة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) 4 . 
لذلك على المسلم أن يعيَ هذه السنة الربانية ويفهمها حق فهمها ليواجه فيها مصاعب الأمور والأحداث التي تمر به فلا ييئس ولا يقنط , بل يبقى الأمل رفيقاً له , حليفاً له , يقارع فيه أهل الباطل والشر وخصوصاً مع يمكن أن تسمعه من الناس الذين ذهلوا عن هذه السنة العظيمة هذه الأيام وبسبب تكالب أهل الباطل والفجور عليهم فربما قال ما لا ينبغي قوله بل لابد أن يستحضر المسلم :
{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}


اللهم فرج عن أهل سورية فرجاً قريباً عاجلاً مولانا رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
وكتبه : عصام الصبيحي
22/5/2014م

 

==============================
1 - البخاري /6982، ومسلم /160
2- مسند أحمد / 1695 وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني، والبخاري في التاريخ، وغيرهم
3- البخاري / 3612
4- مسلم /1922

دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 50) 67%
غير فعال (صوتأ 23) 31%
لا أدري (صوتأ 2) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 75