الاثنين 2 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 20 نوفمبر 2017 م
أسامة اليتيم – قصة كفاح
الكاتب : أكرم الحميدي
الخميس 6 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 17 ديسمبر 2015 م
عدد الزيارات : 2335
أسامة اليتيم – قصة كفاح
عناصر المادة
1- جريمة قتل المصلحين:
2-أسامة اليتيم - قصة كفاح:
3- هل المقصود أسامة؟ أم ضرب دار العدل؟ (جريمة وراءها ما وراءها)
4-نداء: للدعاة - للمجتمع - للفصائل
5- فقدُ القادة:

أسامة اليتيم – قصة كفاح


مقدمة:
من عاش لدينه فسيعيش متعباً، لكنه سيحيى عظيماً ويموت عظيماً.
قليلٌ هم أصحاب المشاريع والمبادئ، ومن هذا القليل من يأكل بمشروعه ومبادئه، ومنهم - وهم قليلٌ - من يأكل منه مشروعُه ومبدؤه.
هكذا كان الشيخ أسامة اليتيم، رجلاً لا كالرجال، قصةُ مكافحٍ عاش لدينه، ترك لذائذَ الدنيا وكان قادراً عليها، لكنه آثر أن يعيش لله، ويحيى في سبيل الله، ليستشهد في سبيل الله،
نحسبه والله وحسبيه، ولا نزكيه على الله.


أبا عمَرٍ نبكيكَ يا أيّــــــها البــدرُ                   ولوعاتُنا نارٌ لها في الحشا جَمْرُ
نُعزَّى نُعزّي، كُــــلّنا ذو مصيبةٍ                    إلى بعضنا نرنو، وأحداقُنا حُمْرُ
رحلتَ فحورانُ العظيمةُ جلجلتْ                   ودمعُ أهالي الشام في فقدكم هَمْرُ
سقيتَ بدار العدلِ غرسًا فأثمرتْ                  جنًى طيبًا، والساقُ في عُمْقِها جذْرُ

وذُدتَ عن الدين الذي طالَ حُسنَهُ                 غُلاةٌ كأولاد الأفـــاعي لهم مكْـــرُ
فيجزيكَ مَن أرخصتَ روحًا لأجلِه                حواصلَ طيرٍ عند بارئــها خُضْرُ

 

1- جريمة قتل المصلحين:

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) آل عمران 21 - 22
نزلت هذه الآية في اليهود قتلة الأنبياء والمصلحين، أهل الخسة والدناءة وسوء الأدب، أهل المكر والخداع والحقد والكراهية والحسد، أهل الغرور والتكبر وبطر الحقِّ وغمط الناس،
ولا غرابة من هذه الصفات فقد ذكرها الله في كتابه، كيف لا وهم أعداء الحقِّ وأعداء العدل، وأعداء كلِّ فضيلة!
ولا يفتأُ قومٌ يبارون اليهود في خسةِ الطباع وسوءِ الطوية، لا يفترون في تتبع أهل الحق ومن يأمرون بالعدل والقسط من الناس، يشرِّدونهم أو يُثبتونهم أو يقتلونهم،
"هؤلاء لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: موجع مهين، (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)" ابن كثير 2/28
 "فهذه النفوس قد أحاطت بها خطاياها حتى لم يبق فيها منفذ لنور آيات الله التي بها يُبصَرُ الحق ويُهْتدى إلى إقامة القسط ; ولذلك قال فيهم: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا ينتفعون بشيء منها، لأن العمل الصالح إنما ينفع بحسن أثره في النفس، ونفوس هؤلاء قد أوغل فيها الفساد ففقدت الاستعداد والقبول لكل خير.." تفسير المنار 3/217
و "الحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتاً مسموماً، توطئة لهلاكها.. وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين. ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حامٍ!" في ظلال القرآن 1/381

 

2-أسامة اليتيم – قصة كفاح:

شُحِذت شفرةُ الشيخ رحمه الله على أجود مِسَنٍّ وهو مِسَنُّ العلم  بالدين و شريعة الاسلام، فهو خريج ثانوية الإمام النووي للعلوم الشرعية بدرعا، ثم سجل في كلية الشريعة بجامعة دمشق وترفع الى السنة  الثانية ووقتها كان قد تم قبوله في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة،

درس في الجامعة الاسلامية وتخرج منها ثم سجل في مرحلة الماجستير - قسم الفقه وأصوله – في جامعة أم درمان - وكانت رسالته في تحقيق مخطوط في مقاصد الشريعة للعز بن عبد السلام.
لكن الثورة السورية المباركة كانت حائلاً دون إتمام مسيرته العلمية، فالشيخ رحمه الله كان من مقدمة البارزين في هذه الثورة من أيامها الأولى، فقد شهدته في ساحاتها ومظاهراتها وهمومها فكان رجلاً في قلب الحدث بل من صناع الحدث والتاريخ.
 أعمال الشيخ أسامة في الأردن :
بعد خروجه من معتقلات النظام في مدة استمرت ثمانية أشهر غادر بعدها إلى الأردن،
وهو من أعضاء هيئة الشام الإسلامية، والتي تعتبر من أكبر المؤسسات العاملة في سوريا وتشمل جميع المناطق المحررة من أضنة حتى درعا، ويعد الشيخ من أعمدة المكتب العلمي فيها.
كما أنه من المؤسسين في رابطة أهل حوران، وهي أكبر منظمة اجتماعية تعمل في حوران، وكان مديرها التنفيذي في الأردن منذ تأسيسها.
أعمال الشيخ في الثورة في الداخل السوري:  
هو صاحب فكرة تأسيس الهيئة الاسلامية الموحدة في المنطقة الجنوبية، والتي هدفها جمع شتات الدعاة في بيت دعوي واحد،
هو من سعى في توحيد مشروع القضاء في حوران المتمثل حالياً في دار العدل بعد أن أصبح الأمن ضرورة ملحة في حوران ، فقام بجهود مبرورة في جمع ثلاث محاكم – محكمة الكوبرا، ومحكمة الجيش الحر، ومحكمة غرز – في محكمة واحدة، كما قام بجهود جبارة في إقناع كافة الفصائل في حوران بالتوقيع على الاعتراف بدار العدل، وحصل ذلك بعد جهد ستة أشهر من الجولات اليومية والمتكررة التي كان الشيخ يقوم بها مع رفاق دربه والتي أرهقته بدنياً، ونفسياً، وأسرياً، ومادياً، وكانت مصدر تعب له ولذويه، فإنه لم يرتح يوماً منذ قدم من الأردن، وقد لا تحالفه الأوقات لأن يأكل وجبتين في اليوم.
عملُه الدؤوب في خطىً ثابتةٍ، وفصله في كثير من القضايا الشائكة، ومواجهته لفكر الغلو الذي استشرى، وإقراره مؤخراً للقانون العربي الموحد كقانون مرحلي للمحكمة، كلُّ ذلك شكَّل له أعداءًا كثر يتربصون به ويرسلون له التهديدات.
كان يصر على العمل بصمت لكونه يعرف أنه سيكون مستهدفاً من أعداء الثورة والإصلاح ودعاة التخريب.
مشروع دار العدل الذي ضحى بحياته من أجله هو أفضل مشروع موحد للمحاكم في سوريا حيث حاز على المركز الأول في تقييم المحاكم لهذا العام رغم كلِّ الانتقادات الموجهة له.
كما كان للشيخ الدور الكبير في بناء علاقات متينة بين العديد من منظمات الداخل والداعمين في الخارج لكونه كان محل ثقة كبيرة عند الجميع.
وقبل كلِّ شيء كان داعية إلى الله تعالى، فهو خطيب الجامع الكبير في جاسم، لم يخن المنبر والدعوة في كتمان الحق وها هو قد دفع فاتورة البيان من دمه ودم إخوانه ورفاقه.
تكلَّم يوم أن صمتنا، وخرج يوم أن لذنا، وصدع بالحق وآ ثر التعب يوم آثرنا الراحة والدعة.


أشادَ الدارَ لِـعدلٍ ظلَّ يرقُبُهُ                          ثـم انـثنى يشتري بالروحِ أخراهُ
لـبّـى الـنـداءَ وكـان اللّه داعيَـــهُ                       وأرخـصَ العمرَ حين الحقُّ ناداهُ
إنّ الـشـهـيـد لحيٌّ عند بارئِـــــه                       إن الـحـيـاة لـمن ضحى بدنيـــــاهُ
هل يستوي هدفاً من كان مطلبُهُ                     دارَ الـخـلـود ومن أغوتْهُ دنيــــاهُ؟
لا تـيـأسُـنَّ فأسامةُ قد أضاء لكم                     دربَ الـقضاءِ وهذا من عطــــاياهُ
لا تـأْسَـونَ عـلى أسامةَ فإن لـه                      مـقـامَ صـدقٍ كريماً عند مــــــولاهُ

بإذن الله تعالى.
من الكلمات التي كان يكثر تردادها:
•  فاتورة  البيان أخف من فاتورة الكتمان.
•  الاسلام هو العلم بالحق ورحمة الخلق، وهذا كان عنوان خطبة جمعة هذا الاسبوع له.
•  ابن تيمية رحمه الله ترك معاركه العلمية والفكرية ضد مخالفيه عندما هجم التتار والمغول على الشام، وحاول أن يستعين بمخالفيه ويوحد صفهم ضد عدوهم المشترك من الغزاة الذين لا يفرقون بينهم.
•  النظام لا يفرق بيننا في حربه ونحن عنده صنف واحد،  فلماذا نفرق نحن أنفسنا وندمن لغة التصنيف الديني فيما بيننا، دعونا من التصنيف ولنجتمع على عدونا.
•  المجتمع الذي يشفع في حدود الله مجتمع ظالم.
•  المجتمع الذي لا يعين على تطبيق شرع الله مجتمع ظالم.
•  المجتمع الذي يرى الظالم والسارق والقاتل وقاطع الطريق ثم لا يأخذ على أيديهم مجتمع ظالم.
•  اكتشفت أن العالم لا يصلح للعيش، فإما أن يتغير العالمُ، أو أنني سأغادره غير مأسوفٍ عليه..
رحمه الله، كان صاحب كلام معتصر ونظرة في الرجال وخبرة بالمجتمع وصبر على الناس رغم أذاهم الذي كان يدفعه من أعصابه  المتلفة.
من أراد رؤية عالم عامل متواضع فله في سيرة فارسنا الذي ترجل اليوم قدوة حسنة، كان ذا علم وتواضع، لا يألو جُهداً في خدمة المسلمين والدفاع عن المستضعفين دون إحداث أي ضجيج على الإطلاق.
مرافقوه هم إخوته، ترجلوا معاً ورحلوا إلى الله معاً، عَمِلَ وقَدَّمَ وأّسَّسَ وما سمعنا يوماً أنه دعا لنصرة نفسه أو جماعة ينتمي إليها، بل كان شديد الحرص على كل ما من شأنه أن يجمع الكلمة ويَلُمَّ الشتات ويوحدَّ الصف، يتعب نفسه للتخفيف من آلام إخوانه المستضعفين.
لقد كان فقيه المرحلة بامتياز، وكان يعرف أنه وقودها، وكان كثيراً ما يردد: مع اليقين بأن الحياة في سبيل الله أفضل وأصعب من الموت في سبيل الله؛ فإننا وقود لهذه المرحلة، ولا بد ستطحنُنا برحاها طال الأجلُ أم قَصُرَ، ولكنَّ الشأنَ كل الشأنِ هو كيف ينبغي أن يكون طحنُنا وبذارُنا.
ولقد أشار عليه أقرانه ورفقاؤه بأخذ الحذر والتقليل من ذهابه ومجيئه، فكان يردد الدعاءَ ويقول: إذان تتعطلُ مصالح الناس.
لله درك من بطل


أبا عُمرٍ خيــــــولُ الشــــعرِ هائجةٌ                   صهيلُها يبعثُ الأشجانَ والفزعاْ
تبكي الصقورُ على عزِّ النفوسِ إذا                   رأت من الجوِّ ذاكَ البازَ قد وَقَعَاْ.

 

3- هل المقصود أسامة؟ أم ضرب دار العدل؟ (جريمة وراءها ما وراءها)

هذه الجرائم لا تستهدف أشخاصاً بأعيانهم إنما تريد اغتيال العدل ذاته، وتغذية الفتنة والفوضى والظلم، ولا تريد لحوران أن تستمتع بالأمن والاستقرار، ولا يحملُ وزرَها الأدواتُ القاتلةُ فحسب، بل يحملُ وزرَها أيضاً صمتُ الدعاة وأصحابِ الكلمةِ والجاهِ عن هذه الفئات المنحرفة، وتسترُ أبناءِ هذا المجتمع على المجرمين وقطاع الطرق والمفسدين.

لماذا دار العدل !؟.
لأن محكمة دار العدل تجربة رائدة تعتبر من أنجح التجارب القضائية التي عملت على توحيد القضاء المنقسم قبلها، كما أثبتت قدرتها على الفصل في قضايا شائكة بين فصائل المنطقة الجنوبية الحافلة بالعقد والمشاكل والانقسامات العشائرية والفصائلية، متوخية العدل وإحقاق الحق وإنصاف المظلوم، لا تخشى في الله لومة لائم .
 أضف إلى ذلك دورها البارز الذي يرفع رصيدها ويخلد اسمها في الوقوف في وجه الغلاة والخوارج الذين استفحل أمرُهم في ظل صمت غريب من قبل الدعاة والفصائل والوجهاء عن انتشار هذا الفكر الغالي، مما أدى لفتح باب الجرأة على الدماء والحرمات.
إن هذه الجريمة النكراء التي طالت اليتيم وإخوانه جاءت نتيجة طبيعية للتهديدات المتكررة لقضاة دار العدل، ووصفهم بأوصاف الكفر والردة من قبل الغلاة والخوارج؛ مما جرّأ المجرمين عليهم.
قَتلُ اليتيم شهادة له وفوز كبير بإذن الله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) [آل عمران : 145] ، وبالنسبة لنا ولحوران خسارة سنعضُّ عليها أصابع الندم إن لم نتدارك الأمر ونسدَّ المكان الذي سدَّ، لكن الرجاء بالله سبحانه أن يقيض من أهله وخاصته من يخلفه في مكانه ويسد مسده إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

4-نداء: للدعاة – للمجتمع – للفصائل

نداء للدعاة:

أيها الدعاة، يا ورثة الأنبياء، يا من حمّلكم الله أمانة التبليغ، يا من أنتم نجوم هذه الأمة،
إن الله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة 159- 160]
ويقول عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة 174]
إن كتمان الحقِّ جريمة عظمى، "يلعنهم عليها كل شيء، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء [الذين يكتمون]  بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضاً، عن أبي هريرة، وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" ابن كثير 1/472
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) أي: رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وأحوالهم وبينوا للناس ما كانوا كتموه (فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة  160]، ابن كثير 1/473
ألا فبينوا للناس منهج الحقِّ، وعرّوا أمامهم منهج أهل الغلو والإفساد، ولا تخشوا في الله لومة لائم،
إن جَبُنْتُمْ ولم تبيِّنوا فستنالكم أيدي الغلاة والمجرمين، أنتم أمل الأمة بعد الله، بكم يستدل الضائع، ويسترشدُ الحيران، ويهتدي الضالّ،
فأروا الله من أنفسكم قوةً، واعلموا أنَّ الأجل مكتوب ومحتوم لا يقدِّمُه إقدامٌ، ولا يؤخرُهُ إحجامٌ،
ولكم في أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام، ومن قبلهم رسول الله وصحابته أسوة وقدوة.


نداءٌ للمجتمع:
إن المجتمع الذي يشفع في حدود الله مجتمع ظالم، والمجتمع الذي لا يعين على تطبيق شرع الله مجتمع ظالم، والمجتمع الذي يرى الظالم والسارق والقاتل وقاطع الطريق ثم لا يأخذ على أيديهم مجتمع ظالم.
ما بال بعض الناس تثور ثائرتهم، وتنتفخ أوداجهم، ويؤلبون بعضهم عند تنفيذ حكمٍ على مجرمٍ أو مذنبٍ؟
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه" أحمد 1/30 وإسناده صحيح على شرط الشيخين
وإن عقاب الله بدأ ينزل بنا، أصبح الواحد منا لا يأمن على نفسه أن يخرج من بيته، ولا غرابة ما دمنا نتستر على المجرمين والمفسدين ونشفع فيهم!
لماذا؟
لأنه ابن عشيرة، لأنه غني، لأنه صاحب وجاهة، لأنه قائد فصيل، لأنه .. لأنه
(لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) البخاري /3475
صلى الله على مُرسي قواعد العدل ولو على نفسه وأهل بيته صلى الله عليه وسلم.
يقول رب العزة سبحانه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء 65]
لا يستقيم لك إيمانٌ إلا إذا حكَّمت شرع الله فيما شجر بينك وبين إخوانك، بل وحتى لا تجدَ حرجاً في نفسكَ مما قُضِيَ في حقك، ولو كان الحُكْمُ ضاراً بك في الدنيا، فإنه مطهِّرٌ لك يوم القيامة.
بل حريٌ بك أن تذهب أنت وتشهد على نفسك أمام القضاء فيما اقترفته يداك! نعم تذهب أنت وتشهد على نفسك وتُقِرُّ بجرمك، تطبيقاً لأمر الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء 135
وقوله : (فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم، على ترك العدل، لذلك هدّدهم في ختام الآية بقوله: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
ينبغي أن تكونوا أيها الناس عوناً لدار العدل في تنفيذ الأحكام، وهذا من إقامة شرع الله ونشر العدل بين الناس.
صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لما امتلأت قلوبهم بالإيمان وخافوا من عقاب الآخرة كان هذا دافعاً لبعضهم ممن وقع في ذنب وخطأ لأن يأتي بنفسه إلى رسول الله مقرّاً بخطئه معترفاً بذنبه ليقيم رسولُ الله عليه الحدّ ويطهره في الدنيا، وحتى لو كلفه ذلك حياتَه وروحَه، كما حصل مع المرأة الغامدية التي زنت، وكما حصل مع ماعز الذي زنى، وكما حصل مع أبي لبابة الذي نقل خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود.
والعجبُ كلُّ العجب من أناس يذهبون للمحكمة يشفعون للمجرمين والسارقين والمذنبين، ولا يعلمون أنهم بذلك يضرون الجاني بمنع تطهيره من ذنبه في الدنيا، ويضرون المجتمع بفسح المجال للمجرمين والمفسدين بالتمادي في إفسادهم، ويضرون محكمة دار العدل في فرض هيبتها على الناس.
أما علموا كيف غضب رسول الله يومَ أن شفع أسامة بن زيد في المرأة التي سرقت: (أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟!)البخاري /3475
ألا ليت الناس يعلمون أن عذاب الدنيا أهون من عذاب النار يوم القيامة.
دار العدل أمانة في أعناقكم يا عباد الله.. كونوا عوناً لها وسنداً.. ظهيرين لها ونصيرين.. مساعدين في تنفيذ الأحكام.. من قبل أن يأتي يومٌ تقادون فيه بالسلاسل إلى محاكم الغلاة والمجرمين، ولات ساعة حين مندمِ.

نداء إلى الفصائل:
ويا أيتها الفصائل المقاتلة: إن قوام هذا الدين قرآن يهدي وسيف يقوِّمُ وينصر، فسيوفكم وسلاحكم الذي خولكم الله إياه ينبغي أن يكون لنصرة الحقِّ والعدل، فمنذ زمن والقائمون على دار العدل ينادون ويطلبون دعمكم لهم، من أجل أن تتوفر القوة التنفيذية في الأحكام، وفرض هيبة القضاء، والضرب على أيدي الجناة والمفسدين، وإلى الآن كثير من الفصائل لا زالت تنأى بأنفسها..
فلتتق الله تعالى كافة الفصائل والجماعات، ولتقم بدورها في إقامة العدل وإحلال الأمن، من خلال التعاون التام مع المحكمة، والضرب على يد كل من تسوِّل له نفسه الخوض في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ناهيك عن حماية المحكمة نفسها ورجالاتها ورموزها من قبل أن يأتي يوم لا تجدون محكمة تلوذون إليها إلا محاكم الغلاة والخوارج.
مسؤوليتكم أمام الله عظيمة، لأنه ملّككم قوة، وهو ناظرٌ ما أنتم عاملون فيها، (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف 44]

 

5- فقدُ القادة:

إن هذا الطريق ليس مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما بالابتلاء والاختبار، والتعب والنصب في ذات الله، ولا شكَّ أن فقد الرجال وفقد القادة له أثره الكبير في نفوس الأتباع، ولكن لتعلموا أن هذه الأمة ولَّادةٌ ولا ينقطع نسلها من الأبطال والرجال إلى قيام الساعة..

ولتعلموا أيها العاملون كذلك، أنه في غزوةِ أحدٍ فقط اسْتُشْهِدَ كثيرٌ من قادةِ الصحابةِ وخِيارِهم وممن لهم مكانةٌ عند النبي صلّى الله عليه و سلّم كأمثالِ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ، ومصعبَ بن عميرٍ، وعبدَ الله بن جحشٍ، وحنظلةَ غسيل الملائكةِ، وعبدَ الله بن عمرو بن حرام أبو جابر الذي كلمه الله كفاحاً من غير حجابٍ، وخيثمةَ، وعمرو بن الجموح، وأبي حذيفةَ بن اليمان، ووهبٍ المزني، وابن أخيه..
وموتُ هؤلاء كان كالكارثة حلَّت بالنبي صلّى الله عليه و سلّم والمسلمين، ومع ذلك لم يقعد صلّى الله عليه و سلّم عن متابعة الطريق لحظةً.
وفي غزوة مؤتة استشهد القادة الثلاثة، جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وأسامة بن زيد، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام مكانة شهداء مؤتة عند الله تعالى بقوله: "ما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا"، أي: لما نالهم من عظيم التكريم.
فأنتم الأعلون أيها العاملون المخلصون فلا تهنوا ولا تحزنوا.

اللهم ارحم عبدك أسامة اليتيم ومن قضى معه، ومن ضحى بروحه في سبيلك وابتغاء رضاك، وافضح المجرمين والمفسدين وأرِنا فيهم يوماً تشفي فيه صدور قومٍ مؤمنين.

والله أعلم.. والحمد لله رب العالمين.

__________________________
** كتبه: أكرم الحميدي ، مستفيداً من بعض إخوانه في سيرة الشيخ رحمه الله


 

1 - ابن كثير 2/28
2 - تفسير المنار 3/217
3 - في ظلال القرآن 1/381
4 - أحمد 1/30 وإسناده صحيح على شرط الشيخين
5 - البخاري /3475
محمدالحريري | الاردن 17/12/2015
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…….. ان لله وان اليه راجعون… اللهم ارحم فقيدنا فقيد حوران ..الشيخ ابا عمر عرفناه عن قرب
ونشهد انه ادى الامانه… وكافح وناظل من اجل العدل على ارض الرباط… فكان شهيد العدل. رحمه الله وعوض عليه جنة النعيم
اابو عبادة | الكويت 01/02/2016
رحمه الله رحمة واسعة وغفر له نسأل الله ان يهيأ للامة أمثال هؤلاء الرجال
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 50) 67%
غير فعال (صوتأ 23) 31%
لا أدري (صوتأ 2) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 75