الثلاثاء 3 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 21 نوفمبر 2017 م
افتح قلبك للقرآن
الأربعاء 12 رمضان 1438 هـ الموافق 7 يونيو 2017 م
عدد الزيارات : 440
افتح قلبك للقرآن
عناصر المادة
1- نزول القرآن في رمضان
2- حال السلف مع القرآن في رمضان
3- حالنا مع القرآن
4- رمضان شهر الجود والإحسان
مقدمة:
لقد وفقكم الله تعالى لبلوغ شهر رمضان، وإدراك خيراته، والتماس أنواره وبركاته، وإنها لفرحة عظيمة تغشى عباد الله المؤمنين، فتضيء لها محياهم، وتشرق حياتهم، وتستنير قلوبهم، وإن شهر رمضان هو شهر القرآن، ذلكم الكتاب الذي لا تكل الألسنة من تلاوته، ولا تمل الأسماع من حلاوته ولذته، ولا يشبع العلماء من تدبره، ولا يستطيع أي مخلوق أن يأتي بمثله {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب} [ص: 29]. 
نعم السمير كتاب الله إن له        حلاوة هي أحلى من جنى الرطب
به فنون المعاني قد جُمِعن فما          تفتر من عجب إلا إلى عجب
أمر ونهي وأمثال وموعظة        وحكمة أودعت في أفصح الكتب
1- نزول القرآن في رمضان
أمة القرآن أنتم تعيشون هذه الأيام شهرا عظيما كثرت ميزاته وبركاته، من أعظم تلك الميزات أن ربكم قد اختصه بإنزال كل كتبه السماوية فيه، فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) أحمد/16370
أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أُنْزِلَ عليه جملة واحدة، وأما القرآن فقد نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].
وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4]. 
ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا روي من غير وجه عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ابن كثير: "منهجكم ودستور حياتكم الذي بين أيديكم نزل في هذا الشهر أخبركم عن ذلك ربكم بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]".
ولذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتدارس مع جبريل عليه السلام القرآن في هذا الشهر مرتين، أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" البخاري/5.
فانظر أخي يا رعاك الله إلى تأثير القرآن في سلوكيات وأخلاق خير الورى صلوات ربي وسلامه عليه وهو أكمل الناس، فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس ولكن في رمضان يوم يتدارس القرآن يزيد ذلك الجود حتى يكون كالريح المرسلة، وما يتأثر السلوك إلا إذا تأثر القلب، فالقرآن ما نزل يا أمة القرآن ليكون أحرفاً تردد فقط، لا والله بل نزل ليخالط قلوب الرجال والنساء والأطفال فيصنع أجيالاً يقودوا البشرية ليخرجوها من الظلمات إلى النور، ولا تسل عما فعله القرآن في قلب خير الورى صلوات ربي وسلامه عليه فهو قمة الإيمان والتقى، ولكن سل عما فعله في قلوب أصحابه والأجيال التي من بعدهم، تلك الأجيال التي سادت البشرية، لا بقوتها العسكرية ولا بغيرها من العوامل المادية، وإنما سادتها بقوتها الإيمانية التي نمت وتغذت وترعرعت من نور هذا الكتاب العظيم، ملأ نور القرآن قلوبهم فأيقنوا أنهم أمة ذات هدف سام، أمة اصطفاها الله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فتعال معي أخي لننظر كيف كان حال السلف مع القرآن.
2- حال السلف مع القرآن في رمضان
لقد أدرك السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان سر عظمة القرآن فطاروا بعجائبه، وعاشوا مواعظه وحلاوته، وفي المواسم الفاضلة يزداد التعلق، ويشتد التسابق، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، ويحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون".
وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام". 
وقال ابن الحكيم: "كان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم". 
وقال عبد الرازق: "كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن".
وهذا الصديق رضي الله عنه كان إذا قرأ القرآن لا يكاد يتبين الناس قراءته من تأثره وبكائه، 
وهذا عمر بن الخطاب الرجل القوي الشديد كان يمر بالآية من القرآن فيمرض من التأثر بها حتى يعوده الناس.
وكان الأسود بن يزيد يختم القرآن في غير رمضان في كلّ ست ليال ويختمه في رمضان في كل ليلتين. 
وقال سلام بن أبي مطيع: "كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة".
قال أبو بكر بن الحداد: "أخذتُ نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثرُ ما قدرتُ عليه تسعا وخمسين ختمة، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة".
وعن يحيى بن نصر قال: "كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة". 
قال مُسبِّح بن سعيد: "كان محمد بن إسماعيل -البخاري- يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كلَّ ثلاثِ ليالٍ بختمةٍ".
وعن الوليد بن علي عن أَبِيه قال: "كَانَ سُوَيد بن غفلة يَؤمُّنا في شهر رمضان في القيام وقد أتى عليه عشرون ومئة سنة".
وهذا.. وهذا.. قائمة طويلة كانوا يطبقون القرآن في حياتهم حتى كأن كل واحد منهم قرآن يمشي على الأرض، ففتحوا الكثير من بلدان أفريقيا وشرق آسيا بخلق القرآن، نعم هكذا تكون ثمرات القرآن متى ما خالط القلوبَ نورُ كلمات رب العالمين جل جلاله.
3- حالنا مع القرآن
أخبروني إخوتي كيف هو حالنا مع القرآن في رمضان وقد مضى منه ثلاثة عشر يوما؟ هل تلونا كتاب الله حق تلاوته؟ هل تدبرنا آياته ومعانيه؟ هل تأثرت قلوبنا بسماع آياته؟ هل ازددنا إيمانا عندما كانت تتلى علينا آيات ربنا جل جلاله؟ هل بكى أحدنا وأقشعر جلده من تأثره بآية؟ هل هل.. أسئلة كثيرة ينبغي لكل مسلم أن يسألها لنفسه ويجيب عليها بصدق، وربنا يقول واصفاً كتاب: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23]. 
يا قوم: ما بال قلوبنا أصبحت أقسى من الحجارة الصماء فلم تعد تتأثر بالوعيد والتهديد؟ هذه الجبال الراسيات، هذه الصخور الصماء، لو أنزل عليها القرآن لخشعت وتصدعت من خشية الله، أخبرنا عن ذلك ربنا بقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]. 
فأي قلب هذا الذي في صدورنا لا يتأثر بكلمات رب العالمين؟! وأي عين هذه التي تَضِنُّ بالدمع من خشية الله؟! 
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت           سحائبُها بالدمع دِيْمَاً وهطَّلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطُها         فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهلالا
الله أكبر! هل تعاظمت ذنوبنا حتى بلغت قلوبنا من القسوة ما بلغت؟ إلهنا يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحماك رحماك بنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن نكون ممن وصفتهم بقولك: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74]. 
يا أمة القرآن.. يا أمة القرآن يا من منَّ ربكم عليكم بإدراك شهر القرآن أرعوا أسماعكم وقلوبكم لعتاب عظيم من ربكم إذ يحذركم بقوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 17].
بلى يا رب قد آن، فأعنا بحولك وقوتك على ذلك فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك.
تعالوا بنا إخوتي في الله لنعيش مع بعض آيات هذا الكتاب العظيم، والتي نحن بأمس الحاجة إلى تدبرها والعمل بمضمونها في كل وقتٍ عامة، وفي شهر رمضان خاصة، أتدرون ما هذه الآيات؟ إنها آيات الجود و الإنفاق، و البذل والعطاء، فكما علمتم أن رمضان هو شهر القرآن، فإنه أيضا شهر الجود والإحسان، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) مسلم/ 2308
قال ابن رجب رحمه الله: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفيه دليل على أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، مما يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال سبحانه: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6]. 
لابد لنا من خطوات عملية في هذا الشهر العظيم: أولها: أن نقف وقفة حازمة مع أنفسنا، وأن نضع برنامجاً صارماً لعلاج قلوبنا بكثرة الذكر والصلاة والصدقة، والعطف على اليتيم والأرملة والمسكين، وأن نستشعر ونحن نتناول المصحف بأنَّا مقبلون على أمر عظيم، على الحديث مع رب السموات والأرض، وإذا تلونا آياته أن نستشعر أن العظيم جل في علاه يخاطبنا بكل آية وحرف فيه، فنتلقاه بكل حواسنا وانتباهنا، فنحول التدبر النظري إلى سلوك عملي، فتعالوا لنتدبر بعض الآيات التي يخاطبنا الله عز وجل و يحثنا فيها على البذل و العطاء، و يحذرنا من الشح والإمساك. 
4- رمضان شهر الجود والإحسان
إن إسلامنا دين لا يقوم إلا على البذل والإنفاق ومحاربة الشح والبخل ولذلك لا بد إلا وأن تكون نفوس أهله سخية، وأكفهم ندية، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى الناس شغلهم الشاغل لا ينفكون عنه في صباح ولا مساء ولا ليل أو نهار، كما قال رب العباد جل جلاله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].
ولذلك كانت دعوته إلى الجود والإنفاق مستوية ومضطردة، و حربه على البخل والشح موصولة ومتقدة، و حض النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجاهدوا المشركين بكل أنواع الجهاد بما فيها جهاد المال فقال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) أحمد/ 12246 وغيره وصححه الألباني
وأخبر أن المسلم قد يستطيع أن يحوز على فضيلة الغزو في سبيل الله إن هو قام بمساعدات مالية فجهز بها غازياً في سبيل الله فقال: (من جهز غازياً فقد غزا) مسلم /1895
و بين رب العباد جل جلاله أن الجهاد يحتاج إلى بذل مال و نفس فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10-12].
ولذلك سار سلفنا الصالح رضوان الله عليهم على هذا المنوال، منوال البذل والعطاء في سبيل الدفاع عن الدين الأرض والعرض، وخير مثال على هذا سيدنا عثمان بن عفان الذي كان له السهم الأكبر في تجهيز جيش العسرة حتى دعا له النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا قَدَّمْتَ وَمَا أَخَّرْتَ، وَمَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ، وَمَا أَخْفَيْتَ وَمَا أَبْدَيْتَ، وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فضائل الصحابة /736
وهذا وردة من تلك الحديقة الغناء ممن قد ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وإن إنفاق الأموال في طاعة الله له أبواب كثيرة، وما ذكرناه هو أحد هذه الأبواب، ومنها إنفاق الأموال في الزكاة المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام، والإنفاق على النفس والعيال، والتصدق على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وهذا من أعظمها أجرا وأكثرها خيرا، فتفرج بهذا المال كربا عن إخوتك المحتاجين، وخصوصا في هذا الشهر المبارك العظيم فتجتمع لك فضيلتان: فضيلة صوم رمضان، وفضيلة السعي في قضاء حوائج المسلمين، وكن واثقا مطمئنا بأن كل نفقة تنفقها يعلمها الله وسيعوضها عليك ويخلفها أضعافا كثيرة {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُو خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].
وتذكر أن هذه الأموال التي في يدك هي ملك لله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 18]. 
جعلك أمينا عليها وستفقدها كلها في لحظة واحدة عندما يتوقف قلبك وتنتهي حياتك، فالليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، واعتبر بمنازل الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة، وكانوا في الدنيا من الموسرين، إلا أنهم أصبحوا الآن يتمنون أن يعودوا لينفقوا قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].
وختاما أخي في الله: عد إلى كتاب الله عز وجل فاتله تلاوة متدبرٍ لآياته، خاشعا متباكياً، واعلم أن رمضان شهر القرآن، شهر البذل والعطاء، فارفع نفسك بهذا القرآن، وارتفع بإنفاق المال إلى منزلة عالية في جنان النعيم، ولا تركن إلى الأرض بإمساكه فتهلك مع الهالكين.
 
1 - أحمد/16370
2 - البخاري/5.
3 - مسلم/ 2308
4 - أحمد/ 12246 وغيره وصححه الألباني
5 - مسلم /1895
6 - فضائل الصحابة /736
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 50) 67%
غير فعال (صوتأ 23) 31%
لا أدري (صوتأ 2) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 75