الأربعاء 26 ذو القعدة 1447 هـ الموافق 13 مايو 2026 م
السَّعي فريضةٌ والكسل مهلَكةٌ
الأربعاء 19 ذو القعدة 1447 هـ الموافق 6 مايو 2026 م
عدد الزيارات : 186
السَّعي فريضةٌ والكسل مهلَكةٌ
عناصر المادة
1- ا�,,خ�?ر ا�,,�...حب�^ب
2- ا�,,�?سب ا�,,�...شر�^ع
مقدمة:
خلق الله الإنسان ليكون خليفةً في أرضه، وعمادُ هذه الخلافة وجوهرها سعيٌ دؤوبٌ وحركةٌ لا تنقطع، وقد جعل الله سبحانه "المال" وقودًا لهذه الحركة وقوامًا للمعاش، "الخير" الذي سمّاه الله في كتابه حين قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].
فسمّى الله تعالى المال الوفير "خيرًا"، والمال هو الرّكيزة الّتي تقوم عليها شؤون الفرد والمجتمع، لذا جاء التّحذير الإلهيّ حازمًا ومباشرًا في قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النّساء: 5].
أي الّتي تقوم بها حياتكم وتستقيم بها مصالح معاشكم، فإذا كان المال قيامًا للحياة وعصبًا للبقاء، فكيف يرضى شابٌّ يتدفّق حيويّةً، ويملك عنفوان الشّباب أن يظلّ عالةً على غيره، يتجرّع مرارة التّذمّر والشّكوى، وينتظر الفرج، وقد علم أنّ السّماء لا تمطر ذهبًا؟
إنّ الشّباب في جسد الأمّة ليس مجرّد مرحلةٍ عمريّةٍ عابرةٍ تمرّ بها السّنون، بل هو النّبض المتدفّق في عروق الحضارة، والطّاقة الكامنة الّتي تنتظر الانفجار؛ إعمارًا وبناءً، هم كالشّلّال الهادر، إن وُجّه نحو التّروس حرّك المصانع وأضاء المدن، وإن تُرك سُدىً صار عبئًا ثقيلًا يُغرق الأرض بالشّكوى والتّذمّر والملل، لا يليق بمَن يملك قوّة الجسد، وتوقّد العقل، وبريق الطّموح، أن يكتفي بدَور المتفرّج الخامل على قطار الحياة السّريع، أو أن يغرق في بحار اليأس والانتظار، إنَّ عمارة الأرض تتطلّب قدمًا صلبةً وسواعد مفتولةً، لا نفوسًا منكسرةً تستمرئ القعود وتبرّر العجز بظروف الزّمان.
1- الخير المحبوب
إنَّ النّظرة القاصرة الّتي ترى في المال حجابًا عن الله، أو عائقًا عن طريق الآخرة، نظرةٌ جفاها الصّواب ولم تدرك روح الشّريعة، فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو لأحبّ أصحابه بكثرة المال والبركة فيه، كما في دعائه لأنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (‌اللَّهُمَّ ‌أَكْثِرْ ‌مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ). صحيح البخاريّ: 6379
فليس الزّهد في أن تعيش فقيرًا معدمًا، بل الزّهد الحقيقيّ أن يكون المال في يدك تملكه، لا في قلبك يملكك، وكما قرّر الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله بعد أن سرد جملةً مِن الآيات والأحاديث في فضل المال وشرفه، قال: "فهذه الأحاديث مخرّجة فِي الصّحاح... ولا يُنكر أنّه يُخاف مِن فتنته، وأنّ خلقًا كثيرًا اجتنبوه لخوف ذلك، وأنّ جمعه مِن وجهه يُعزّ، وسلامة القلب مِن الافتنان به يبعد، واشتغال القلب مَعَ وجوده بذِكر الآخرة يندر، ولهذا خيف فتنته، فأمّا كسب المال فإنّ مَن اقتصر عَلَى كسب البلغة مِن حلّها فذلك أمرٌ لا بدّ مِنْهُ، وأمّا مَن قصد جمعه والاستكثار مِنْهُ مِن الحلال نظرنا فِي مقصوده: فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التّوسعة على الإخوان، وإغناء الفقراء، وفعل المصالح، أُثيب عَلَى قصده، وكان جمعه بهذه النّيّة أفضل مِن كثيرٍ مِن الطّاعات". تلبيس إبليس: ص160
إنّها دعوةٌ نبويّةٌ صريحةٌ للتّمكين الماليّ والعزّة، حين قال صلى الله عليه وسلم: (‌نِعْمَ ‌الْمَالُ ‌الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ). الأدب المفرد: 299
فصلاح المرء يكتمل حين يكون كسبه طيّبًا مِن حلّه، ليُنفقه في الواجب، ويصون به وجهه عن ذلّ الطّلب، وقد أكّد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أهمّيّة الاستغناء الماليّ للورثة أيضًا، فقال لسعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه: (‌إِنَّكَ ‌أَنْ ‌تَذَرَ ‌وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ). صحيح البخاريّ: 1233
إنَّ المتأمل في شرعة الإسلام يجدها قد احتفّت بـ "البيع" وجعلته أصلًا أصيلًا مِن أصول عمارة الأرض، فأنزل الله في محكم تنزيله حلّ البيع وتحريم الرّبا، ليكون هذا التّشريع الإلهيّ إيذانًا بانطلاق حركة المال في وجوه النّفع والتّبادل المشروع، ولنا في الرّعيل الأوّل مِن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ وقدوةٌ لا تبلى، فانظر إلى عبد الرّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، الّذي دخل المدينة مهاجرًا لا يملك مِن حطام الدّنيا شيئًا، فرفض أن يكون عالةً على إخوانه مِن الأنصار، وقال كلمته الخالدة الّتي يجب أن تُكتب بماء الذّهب أمام كلّ شابٍّ: "دلّوني على السّوق"، وهذا عثمان بن عفّانٍ بلغ مِن غناه أن جهّز ثلثي جيش العُسرة، فنِعم المال في يد أمثاله.
2- الكسب المشروع
لقد بسط الله لعباده الأرض وجعل فيها خيراتٍ مباحةً لمَن سعى إليها بجدّه وكدحه، فمَن سبقت يده إلى مباحٍ فهو أحقُّ به، وهذا بابٌ واسعٌ مِن أبواب الكسب الّتي لا تتطلب مالًا كبيرًا للبدء، بل تتطلب هِمّةً وعزيمةً وحِرفة، انظروا إلى البحر الواسع والنّهر المتدفّق وما أودع الله فيهما مِن أرزاقٍ ساقها الله إليكم مِن غير كلفةٍ، حيث قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النّحل: 14].
وحين سُئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، أجاب ببيانٍ جامعٍ: (هُوَ ‌الطَّهُورُ ‌مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). سنن أبي داود: 83
فصيد السّمك، وجمع الحطب، واستخراج خيرات البرّ والبحر، وإحياء موات الأرض بالبناء أو الزّرع هي مِن صميم العمل المشروع الّذي يفتح آفاقًا واسعةً للشّباب، بيْد أنّ المسلم الكَيّس هو مَن يلتزم في سعيه بـ "القوانين النّاظمة" الّتي وضعتها الدّولة لحماية هذه الثّروات، فلا يصيد في أوقات التّفريخ -مثلًا- صيانةً للموارد، ولا يقطع شجرًا فيضرّ بالبيئة، فالحفاظ على ديمومة الموارد هو مقتضى الأمانة والاستخلاف، والالتزام بالنّظام العامّ هو مِن طاعة وليّ الأمر في المعروف، الّتي تضمن مصلحة الجميع.
ومِن أبواب الكسب الّتي شرعها الإسلام "الزّراعة"؛ فهي صِلة العبد بالأرض، وبابٌ للأجر المتّصل الّذي لا ينقطع حتّى بعد الممات، فالزّارع لا يطعم نفسه فحسب، بل هو عامرٌ للكون، متصدّقٌ بفعله على كلّ ذي كبدٍ رطبةٍ، وفي هذا يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (‌مَا ‌مِنْ ‌مُسْلِمٍ ‌يَغْرِسُ ‌غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ). صحيح البخاريّ: 2195
إنّها دعوةٌ نبويّةٌ كريمةٌ للشّباب لاستصلاح الآفاق وتحويل الصّحراء الصّفراء إلى مروجٍ خضراء منتجةٍ، ففي كلّ بذرةٍ تُغرس في أديم الأرض أملٌ للأمّة، وأجرٌ ثابت للزّارع، وبركةٌ في الرّزق، تجعل العامل في حقله في عبادةٍ مستمرّةٍ ما دام ينوي بذلك إعفاف نفسه وإطعام عياله ونفع مجتمعه.
أمّا الصّناعة، فهي درع الأمّة الحصين وعنوان تقدّمها بين الأمم، إنَّ اليد الّتي تُطوّع الحديد، وتصنع الآلة، وتبتكر التقنيّة، وتنسج الثّياب، هي يدٌ تترك بصمتها في الأمّة، ولقد كان مِن أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أصحاب مهنٍ وصناعاتٍ، فداود عليه السلام كان يصنع الدّروع ويأكل مِن عمل يده، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم حثّ في أحاديثه على إتقان العمل ليكون المسلم منتجًا فاعلًا لا مستهلكًا عالةً على غيره، إنّ توجّه الشّباب اليوم نحو المهن الصّناعية والحرفيّة والتّقنيّة المتقدّمة هو انتقالٌ مباركٌ مِن دائرة الاحتياج والتّبعية إلى دائرة القوّة والإنتاج، وهو السّبيل الوحيد لكسر قيود التّبعيّة الاقتصاديّة وبناء دولةٍ قويّةٍ مهابة الجانب بصناعتها وابتكار عقول أبنائها.
خاتمةٌ:
إنَّ أبواب الرزق الّتي فُتحت في عصرنا هذا لم تعد رهينة الجدران أو الحقول أو الأسواق التّقليديّة، بل إنّ "سوق العمل عن بُعد" بات فضاءً رحبًا يتّسع لكل ذي مهارةٍ وعزيمةٍ، مِن مصمّمين، ومبرمجين، ومسوّقين، ومترجمين، ومدقّقين لغويّين، وصنّاع محتوًى هادفٍ.. إلخ، ويا أيّها الشّاب الطّامح: اعلم أنَّ طريق التّمكين والنّجاح يمرُّ حتمًا عبر بوّابة "الصّبر والتّعلّم"، فلا يستنكفنّ أحدكم عن بذل الجهد والوقت مقابل أجرٍ يسيرٍ في مستهلّ أمره، فما هذا القليل إلّا "ضريبة خبرةٍ" ضروريّةٍ تشتري بها مستقبلك وتثبّت بها قدمك في سوق العمل، فمَن رضي بالقليل وجدّ في العمل حتّى يشتد عوده ويُعرف اسمه، فتح الله عليه أبواب الوفرة مِن حيث لا يحتسب، تذكّر قول نبيّك صلى الله عليه وسلم: (‌الْمُؤْمِنُ ‌الْقَوِيُّ ‌خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ). صحيح مسلمٍ: 2664
فالمؤمن القويّ هو مَن يملك أدوات عصره، المستعين بالله الّذي لا يرضى بالعجز قيدًا ولا بالتّذمّر سبيلًا.
وإذا كان السّلف قد تناقلوا الحكمة القائلة: "مَن تعلّم لغة قومٍ أمِن مكرهم" فإنّ لغة هذا الزّمان الّتي يجب أن يتقنها الشّباب لدخول سوق العمل العالميّ هي "لغة البرمجة" وأدوات التّقنية والذّكاء الاصطناعيّ، فهي اللّسان الّذي يتحدّث به العالَم اليوم، وبها تُفتح مغاليق الفرص وتؤمَنُ غوائل الفقر والتّبعيّة، إنَّ القعود عن تعلّم هذه المهارات، مع تيسّر سبلها ومجّانيتها في كثيرٍ مِن الأحيان تضييعٌ للأمانة وتفريطٌ في القوّة التي أُمِرنا بإعدادها.
 
1 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6379
2 - ت�,,ب�?س إب�,,�?س: ص160
3 - ا�,,أدب ا�,,�...فرد: 299
4 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 1233
5 - س�+�+ أب�? دا�^د: 83
6 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 2195
7 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 2664
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 125) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 4) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 156