الأربعاء 24 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 10 يونيو 2026 م
في رِحاب العَشر
الخميس 27 ذو القعدة 1447 هـ الموافق 14 مايو 2026 م
عدد الزيارات : 370
في رِحاب العَشر
عناصر المادة
1- سب�, ا�,,�...فر�'ِد�^�+�OE فساب�,
2- ذِ�?ر�? ا�,,أ�+ب�?اء
مقدمة:
إنَّ لله في أيَّام دهركم نفحاتٍ، وطوبى لِعبدٍ تعرَّض لها فأصاب منها ريًّا لا يظمأ بعده أبدًا.
تطلُّ علينا عشر ذِي الحجَّة كغيثٍ صيِّبٍ جاد بعد جدبٍ، وكفجرٍ صادقٍ انبلج مِن عتمة الغفلة، لِتوقظ في الأرواح حنين المُخبتين، وتفتح لِلسَّائرين إلى الله أبوابًا مِن الزُّلفى لم تكن لِتفتح في سواها، هي ميقات التَّائبين، ومضمار السَّابقين، جعلها الله غرَّة شهور الحجّ، وخاتمة الأشهر المعلومات، فيا فوز مَن استقبلها بقلبٍ سليمٍ وعزمٍ شديدٍ.
لقد عظَّم الباري شأن هذه اللَّيالي حين جعلها مَوردًا لِقسَمه في مُحكم التَّنزيل، فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ١-٢].
وإنَّ قسم العظيم لا يكون إلَّا بعظيمٍ، فهي اللَّيالي الَّتي تمَّ فيها الميقات لِموسى عليه السلام، وهي الأيَّام الَّتي اصطفاها الله لِتكون ظرفًا لِأمَّهات العبادة، وإذا أقسم الله بالزَّمان، فإنَّما يلفت أنظار العباد إلى شرف الوقت، وكأنَّ لسان الحال يقول: يا ابن آدم، إنَّما أنت أيَّامٌ، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك، فكيف إذا كان الذَّاهب هو سيِّد الأيَّام وأفضلها؟
إنَّ النَّاظر في جوهر هذه العشر يجد أنَّ الذِّكر هو قطب رحاها، بل هو الغاية الَّتي مِن أجلها شُرعت العبادات، فما أُقيمت الصَّلاة ولا شُرع الحجّ إلَّا لِإقامة ذِكر الله، والذِّكر ليس مجرَّد تمتمةٍ باللِّسان، بل هو حضور القلب مع المذكور، وانخلاع النَّفس عن علائق الدُّنيا لِلاتِّصال بجلال المولى، لقد أمرنا الله بالذِّكر في مَواطن كثيرةٍ وعلى أحوالٍ شتَّى، فقال سبحانه: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [البقرة: ١٥٢].
وقال عزَّ من قائل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [العنكبوت: 45].
1- سبق المفرِّدون، فسابق
قال تعالى آمرًا نبيَّه وعباده بآداب الذِّكر الخفيِّ والدَّائم: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: ٢٠٥].
وجعل الله الذِّكر وسيلة الفلاح الكبرى فقال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: ١٠].
وحين استعرض الحقُّ سبحانه صفات أهل القبول مِن المسلمين والمُسلمات في سورة الأحزاب، ختم أوصافهم بقوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٣٥].
ثمَّ نادى المؤمنين نداءً خاصَّا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: ٤١-٤٢].
ومِن كرم الله أن جعل هذا العمل العظيم ميسَّرًا على الألسن، عظيم الأثر في الموازين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَلِمَتَانِ ‌خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ). صحيح البخاريّ: 6414
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ). صحيح مسلمٍ: 2695
وعنه رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ ‌عَدْلَ ‌عَشْرِ ‌رِقَابٍ، وكتبت لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ به إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ). صحيح البخاريّ: 6040
وعنه رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ قالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ ‌مِثْلَ ‌زَبَدِ ‌الْبَحْرِ). صحيح البخاريّ: 6405
بينما تشدُّ قوافل الحجيج رحالها نحو البيت العتيق، وتلهج ألسنتهم بالتَّلبية في بطحاء مكَّة، تقف قلوب المشتاقين خلفهم يملؤها الحنين، وقد حبسهم العُذر عن المسير، غير أنَّ رحمة الله أوسع مِن أن تحرم عبدًا صدق في الالتجاء، فمن فاته الطَّواف بالبيت، فليطف بقلبه بالذِّكر والتَّعظيم، إنَّ العبرة في الحجّ هي استحضار المعاني الَّتي لِأجلها شرع الله المناسك، فإذا لم يتيسَّر لك بلوغ البقاع، فاجتهد في بلوغ الطِّباع الَّتي يرضاها ربُّ العباد، فيا مَن فاتك خلع الثِّياب المخيطة ولبس الإحرام، لا يفوتنَّك خلع أثواب الذُّنوب والآثام بالتَّوبة الصَّادقة، فلباس التَّقوى ذلك خيرٌ. 
2- ذِكرى الأنبياء
إذا كان الحجَّاج قد تجرَّدوا مِن ثياب الزِّينة لِيَتساووا في مَظهر العبوديَّة، فلا يبغي أحدٌ على أحدٍ، ولا يفتخر غنيٌّ على فقيرٍ، فاحرص أنت في مقامك على إحياء روح المساواة، واحترام إخوانك، واترك الكِبر، وتذكَّر أنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ويا مَن فاتك رمي الجمار في مِنى، لا يفوتنَّك رمي الشَّيطان بمخالفته ومُحاربة نزغاته في كلِّ جارحة مِن جوارحك، وإن فاتك نحر الهدي عند المشعر الحرام، فانحر هواك على عتبة الامتثال لِأمر الله، فما يُراد مِن الذَّبائح إلَّا تقوى القلوب، وتذكّر أنَّ هذا طريق الأنبياء وهديهم.
وفي هذه العشر تهبُّ علينا أنسام النُّبوَّة، وتتراءى لنا تضحيات الرُّسل الكرام في كلِّ مشعرٍ ومنسكٍ، إنَّها أيَّامٌ تذكِّرنا بخليل الله إبراهيم عليه السلام، شيخ الأنبياء الَّذي أرسى قواعد البيت، وضرب أروع الأمثلة في اليقين؛ حين ترك ولده وزوجه بوادٍ غير ذي زرعٍ استجابة لِأمر ربِّه، وتتراءى لنا صورة الذَّبيح إسماعيل عليه السلام، الشَّابُّ المؤمن الَّذي قال بلِسان الرِّضا: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي} [الصّافّات: 102].
فكان الجزاء فداءً عظيمًا وذِكرًا باقيًا، ونستحضر في هذه الأيَّام صبر هاجر ، وهي تسعى بين الصَّفا والمروة بيقينٍ لا يتزعزع، ففجَّر الله لها زمزم ماءً طهورًا، ثمَّ تتوجَّ هذه الذِّكريات بسيرة سيِّد الخلق محمَّد صلى الله عليه وسلم، الَّذي أتمَّ الله به النِّعمة وأكمل به الدِّين في حجَّة الوداع، فكانت أيَّامه نورًا وضياءً، فإذا لم نحجَّ بأبداننا، فلنحجَّ بأرواحنا عبر استحضار مواقفهم، ولنتعلَّم منهم كيف يكون البذل والتَّضحية والانقياد التَّامُّ لِخالق الأرض والسَّماوات.
لقد روى ابن عبَّاس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ) يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِلَّا ‌رَجُلٌ ‌خَرَجَ ‌بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ). سنن أبي داود:  2438
يا له مِن نبأٍ عظيمٍ! ففي هذه العشر يرتفع ثواب الرَّكعة، ويعلو شأن الصَّدقة، ويعظم أجر الصِّيام، حتَّى تُزاحم هذه الأعمال في فضلها ذروة سنام الإسلام، وإنَّما نالت هذه الأيَّام مكانتها لأنَّها مجمع أمَّهات العبادة، ففيها الصَّلاة، والصِّيام، والصَّدقة، والحجّ، ولا يتأتَّى اجتماع هذه الجواهر في عقدٍ واحدٍ إلَّا في هذا الميقات الشَّريف، ومِن لطيف التَّعبُّد في هذه العشر، ما يختصُّ به مَن أراد الأُضحيَّة، إذ يدخل في ميقاتٍ تعبُّديٍّ يتشبَّه فيه بالمحرمين إعظامًا وإجلالًا، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ ‌وَأَرَادَ ‌أَحَدُكُمْ ‌أَنْ ‌يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا). صحيح مسلمٍ: 1977
خاتمةٌ:
إنَّ القضيَّة الكبرى هي أنَّ الزَّمان هو العمر الَّذي يستحيل استرجاعه، إنَّ أعمارنا هي رأس مالنا الوحيد الَّذي به نبتاع الجنَّة، وهو الَّذي سنُسأل عنه سؤالًا دقيقًا يوم القيامة، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ). سنن التّرمذيّ: 2417
لقد لخَّص الخالق مأساة الإنسان مع الزَّمان في سورةٍ هي ميزان الوجود، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1-2].
أقسم الله بالزَّمان لِيُنبِّهنا أنَّ مرور الثَّواني هو في حقيقته نقصٌ في عمرك، وأنَّ كلَّ بني آدم في خسرانٍ، إلَّا مَن استثمر وقته في الإيمان والعمل الصَّالح والتَّواصي بالحقِّ والصَّبر.
إنَّ أعمارنا ما هي إلَّا ساعاتٌ، فإذا أضعنا هذه العشر، فقد أضعنا صفوة الزَّمان، والعاقل هو مَن يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ويعلم أنَّ يوم القيامة يوم التَّغابن، حيث يندم المُفرِّط على كلِّ ساعة مرَّت به لم يذكر الله فيها، فاستدرك ما بقي مِن عمرك، واعلم أنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا استعمله في الأوقات الفاضلة بفضائل الأعمال، سابق الأيَّام قبل أن تسبقك، وبادر السَّاعات قبل أن تُغادرك، فما الدُّنيا إلَّا حلمٌ، والآخرة يقظةٌ، والموت واسطةٌ بينهما، فكن مِن أبناء الآخرة ولا تكن مِن أبناء الدُّنيا.
 
1 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6414
2 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 2695
3 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6040
4 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6405
5 - س�+�+ أب�? دا�^د:� 2438
6 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 1977
7 - س�+�+ ا�,,ت�'ر�...ذ�?�': 2417
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158