الأربعاء 24 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 10 يونيو 2026 م
يوم تمام المِنَّة وتجلِّي الرَّحمة
الأربعاء 3 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 20 مايو 2026 م
عدد الزيارات : 479
يوم تمام المِنَّة وتجلِّي الرَّحمة
عناصر المادة
1- �,س�...�OE بعظ�?�...
2- ت�...ا�... ا�,,�+�'ِع�...ة
مقدمة:
إنّ في طوايا الزّمن أسرارًا، وفي تعاقب اللّيل والنّهار عبرةً لأولي الأبصار، وإذا تلفّت القلب في رياض الوحي، استوقفته مواطن أقسم الحقّ بها، وما ذاك إلّا ليلفت العقول إلى جلالة المقْسَم به، ورفعة قدره، وعلوّ شأنه في ميزان الحقّ، إنّ القسَم الإلهيّ في القرآن الكريم ليس لمجرّد التّأكيد، فالصّادق سبحانه غنيٌّ عن التّوكيد، ولكنّه تنبيهٌ للغافل، وتنشيطٌ للمتأمّل، وإبرازٌ للمكانة، فماذا لو كرّر الحقّ سبحانه القسَم بالشّيء الواحد مرارًا وتكرارًا؟ إنّ هذا التّكرار يرفع المقْسَم به إلى ذروة الأهمّيّة، ويجعله تاجًا على مفرق الأيّام، وقرّة عين الزّمان.
مَن أمعن النّظر في كتاب الله، وجد العجب العجاب في إقسامه سبحانه بالزّمن وأجزائه، فالله يقسم باللّيل إذا يغشى، وبالنّهار إذا تجلى، وبالفجر وبليالٍ عشرٍ، وبالعصر، وبالضّحى، وباللّيل إذا سجى، إنّ هذا الإقسام بالزّمن هو إعلاءٌ لقيمة الوعاء الّذي تتحرّك فيه الأنفاس، وتُسطّر فيه الأعمال، الزّمن هو رأس مال العبد، وهو المسرح الكبير الّذي تظهر فيه العبوديّة أو تتبدّى فيه الغفلة، وعندما يتكرّر القسَم بجزءٍ معيّنٍ مِن هذا الزّمن فإنّما ذاك إشارةٌ إلى أنّ هذا الجزء قد حُشيت ثوانيه بأسرارٍ مِن الرّحمة، ونفحات مِن القبول، لا توجد في غيره مِن الآباد والدّهور.
ومِن أعظم ما تكرّر القسَم به في محكم التّنزيل، هذا اليوم المهيب، يوم عرفة، لقد أقسم الله به منفردًا، وأقسم به مجتمعًا في حزمة الأيّام الفاضلة.
1- قسمٌ بعظيم
يقول الحقّ سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2].
إنّ هذه اللّيالي العشر هي عشر ذِي الحجة في أصحّ أقوال المفسّرين، ويوم عرفة هو قلب هذه العشر، وتاجها المضيء، فالدّخول في القسَم بالكلّ دخولٌ للمكوّن الأرقى فيه، فهو أقسم بالعشر، وعرفة ثمرتها اليانعة، ثمّ يعطف سبحانه فيقول: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3].
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه: (الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ). مسند الرّويانيّ: 148
ويا لجلال هذا التّخصيص بعد التّعميم! أقسم بالعشر كلّها ثم أفرد الشّفع والوتر بالذِّكر لتوجيه القلوب نحو يومين هما أساس هذا الموسم العظيم، عرفة هو الوتر، اليوم التّاسع، الفرد الّذي لا نظير له في طهارة أجوائه وسكب عبراته.
ولم يقف الإعظام عند هذا الحدّ، بل تجاوزه إلى قسمٍ آخر في سورة البروج، حيث يقول عزّ مِن قائلٍ: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3].
وفي السّنن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ). سنن التّرمذيّ: 3339
فتأمّل كيف تنقّلت الأيمان الإلهيّة بهذا اليوم، تارةً في عموم العشر، وتارةً في خصوص الوتر، وتارةً بلفظ "المشهود" الّذي تشهده الملائكة، وتتنزّل فيه الرّحمات، ويشهده ربّ العزّة، يباهي بأهل الموقف ملائكة السّماء، إنّه تكرارٌ يخلع القلوب مِن هيبته، ويملأ النّفوس تطلّعًا لما أُودع فيه مِن فضلٍ وثوابٍ.
وروى الإمام البخاريّ في صحيحه عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ". صحيح البخاريّ: 6840
اجتمع للمسلمين عيدان في آنٍ واحدٍ: عيد المكان بعرفة، وعيد الزّمان بيوم الجمعة ويوم نزول التّمام، إنّ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، إعلانٌ ربّانيٌّ صريحٌ بأنّ هذا الدِّين قد استوى على سوقه، وبلغ ذروة تمامه، فلا يحتاج إلى زيادةٍ مِن مرتادٍ، ولا ينقصه شيءٌ فيستدركه بشرٌ، لقد كملت عقائده وتشريعاته؛ فلا زيف يشوبها.
2- تمام النِّعمة
جاء عطف النّعمة على كمال الدِّين: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3].
فالنّقص مظنّة الشّقاء، والتّمام عين الهناء، وأيّ نعمةٍ أعظم مِن أن يُخرج الله البشريّة مِن ظلمات التّيه والشّرك إلى نور التّوحيد واليقين؟ ولذلك ارتبطت هذه النّعمة بالتّكبير والثّناء، فكما أنّ الله تعالى قال في صيام رمضان والفِطر مِن بعده: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فإنّ إكمال الدِّين وإتمام النّعمة في الحجّ شُرع معه التّكبير المطلق والمقيّد في يوم عرفة وأيّام التّشريق، شكرًا لله على نعمة الهداية، وابتهاجًا بتمام المنّة، فالتّكبير هو الصّوت الهادر الّذي يعلن انقياد الكون لربّ العالمين، فهو سبحانه الأكبر، والأكبر يُطاع ويُستسلم له.
إنّ هذا الكمال الإلهيّ يوجب على الأمّة صيانة الشّريعة مِن عبث العابثين، وتخرّص المتخرّصين، فكلّ مَن حاول أن يضيف إلى الدِّين ما ليس منه، أو يبتدع في العبادات على غير أثرٍ، فكأنّ لسان حاله يدّعي أن الدِّين لم يكمل بعد، أو أنّ النّبّي صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا مِن الرسالة! ومِن هنا تتابعت النّصوص النّبويّة بالتّحذير الشّديد مِن البدع والمحدثات، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ)، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ..). صحيح مسلمٍ: 867
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ). صحيح البخاريّ: 2550
فالحذرَ الحذر مِن مضلّات الأهواء، والاعتصامَ الاعتصام بالسنّة والآثار، فما لم يكن يومئذٍ دِينًا، لا يكون اليوم دِينًا.
لو تأمّل متأمّلٌ في نعمة هذا الدِّين، لوجده حبل النّجاة الّذي انتشل العقول مِن حيرتها، والنّفوس مِن ضلالتها، لقد حدّد لنا معالم السَّير، ورسم لنا معالم الطّهر، فلم نضِع في دياجير الظّنون، ولم نتخبّط في البحث عن سرّ الكون والمنون، فلولا هذا الدِّين القويم والصّراط المستقيم، لتاهت الفِطر في دروب الباطل، واحتارت العقول بين الأباطيل والنّوازل، فيصيبنا ما أصاب الأمم السّابقة مِن العماء والضلال، حيث عبدوا النّار، وعبدوا الفار، وعبدوا البقر والحجر، وقدّسوا الشّجر والبشر.
خاتمةٌ:
ومِن مزايا هذا اليوم أن ورد في صيامه (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ). صحيح مسلمٍ: 1162
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). سنن التّرمذيّ: 3585
وعن عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ). صحيح مسلمٍ: 1348
إنّ يوم عرفة هو المأتم الأكبر للشّيطان، يرى فيه مجهوده الطّويل يذهب جفاءً، ويرى حباله الّتي وثّق بها رقاب العصاة تُقطع شذَر مَذَر، ينظر الشّيطان فيجد الوجوه معفّرةً في التّراب، والأنفاس لاهجةً بالاستغفار، والرّحمات تترى مِن السّماء كالمطر، فيصيبه الغيظ الخانق، ويصغر في نفسه حتّى يكون أحقر مِن الذّرّ، ويُدحر طريدًا شريدًا، قد خابت آماله وانكسرت شوكته أمام فيض الغفور الرّحيم.
 
1 - �...س�+د ا�,,ر�'�^�?ا�+�?�': 148
2 - س�+�+ ا�,,ت�'ر�...ذ�?�': 3339
3 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6840
4 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 867
5 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 2550
6 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 1162
7 - س�+�+ ا�,,ت�'ر�...ذ�?�': 3585
8 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 1348
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158