الأربعاء 24 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 10 يونيو 2026 م
فهِم الأضحى مَن شكر وضحَّى
الأربعاء 10 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 27 مايو 2026 م
عدد الزيارات : 312
فهِم الأضحى مَن شكر وضحَّى
عناصر المادة
1- ا�,,�...�+�?ج ا�,,�...رس�^�...
2- س�,,ف�OE �...ضحٍ�'
مقدمة:
تُطوى زينة العيد الظّاهرة، وتخبو أصوات التّكبير المجلجلة في السّاحات، ليعود النّاس إلى دوّامة الحياة الرّتيبة، وتفاصيل السّعي اليوميّ في مناكب الأرض، وهنا يبرز السّؤال الّذي يميّز العابد البصير عن الغافل: هل كان العيد مجرّد محطةٍ زمنيّةٍ عابرةٍ تنتهي بانقضاء أيّامها، أم كان مدرسةً مكثّفةً لصياغة منهج حياةٍ مستمرٍّ لا يعرف الأفول؟
إنّ الرّابط الخفيّ والعميق بين العيد وما بعده يكمن في معرفة الأبعاد الأخلاقيّة والرّوحيّة لـعيد الأضحى، فهذا الموسم المبارك لم يأتِ ليكون محض مهرجانٍ للأكل والشّرب واللّباس، بل جاء ليزرع في وجدان الأمّة قيمتين كبريين تشكّلان قوام العبوديّة الحقّة: التّضحية لله، والشّكر لله.
لقد ركّز عيد الأضحى -بإراقة الدّماء- على معنى التّضحية والتّجرّد التّامّ للمنعم سبحانه، فإذا كان العيد قد انتهى بذبحه وشعائره، فإنّ التّضحية بالمعنى السّلوكيّ الواسع يجب أن تظلّ نابضةً في عروق المؤمن في كلّ معاملاته.
وفي المقابل، فإنّ أيّام العيد والتّشريق الّتي تليه هي بنصّ السّنّة النّبويّة أيّام أكلٍ وشربٍ، والوظيفة المباشرة والمنطقيّة المترتّبة على الأكل والشّرب والاستمتاع بالطّيبات هي الشّكر، ومِن هنا يمتدّ العيد في حياة المسلم، فيتحوّل الطّعام والشّراب إلى طاقةٍ حيويّةٍ تدفع الجوارح لشكر المنعم، وتتحوّل الأضحية إلى ديمومة تضحيةٍ بالشّهوات والملذّات في سبيل الحقّ.
إنّ المسلم بعد العيد لا يودّع العبادة، بل ينقلها مِن حيّز المناسبة الموسميّة إلى حيّز الممارسة اليوميّة، ليكون عمره كلّه عيدًا بطاعة الله.
1- المنهج المرسوم
إنّ التّضحية في حقيقتها تتجاوز مشهد إراقة دم البهيمة، إنّها الانتقال الحقيقيّ مِن ذبح الحيوان إلى تزكية النّفس وتطويعها، وقطع دابر الشّهوات والملذّات والأهواء المحرّمة الّتي تقف حائلًا بين العبد وربّه.
التّضحية بعد العيد تعني تقديم مراد الله تعالى على مراد النّفس، فالمسلم يضحّي بنومه ولذيد فراشه مِن أجل صلاة الفجر، ويضحّي بماله المحبوب لديه لمواساة فقيرٍ أو سدّ حاجة يتيمٍ، ويضحّي برغباته الطّائشة ونزواته العابرة التزامًا بحدود الحلال وتجنّبًا للمحرّمات، إنّها عمليّةٌ مستمرّةٌ، يبذل فيها المؤمن كلّ غالٍ ونفيسٍ، مِن وقتٍ وجهدٍ ومالٍ وفكرٍ، لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون دِينه نقيًّا خالصًا مِن شوائب الشّرك الخفيّ وحبّ الدّنيا، وقد أرسى الوحي الشّريف أركان التّضحية وجعلها علامةً صادقةً على حقيقة الإيمان، ومِن ذلك قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163]. 
هذه الآية هي الميثاق الأعظم للتّضحية، فالعبد يعلن فيها أنّ حياته وموته وعبادته وتفاصيل عيشه كلّها موقوفةٌ ومبذولةٌ لله ربّ العالمين، لا حظّ فيها لنفسٍ ولا لهوًى، وقوله جل في علاه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92].
والإنفاق هنا عامٌّ، يشمل إنفاق المال والرّاحة والوقت في سبيل الله، فلا يصل العبد إلى حقيقة القبول والبرّ إلّا بتضحيته بما تحبّه نفسه وتعلّق به، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ). صحيح البخاريّ: 2887
والحديث بذمّه لعباد المادّة، يرسّخ أهميّة التّحرّر مِن أسر الهوى، ويحثّ على التّضحية بالتّعلّق الدّنيويّ، ليكون العبد حرًّا خالصًا لله وحده، وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ، قَالَا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ، إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ). مسند أحمد: 23074
وذاك هو المحفّز الأكبر للتضحيّة.
2- سلفٌ مضحٍّ
حفَل التّاريخ الإسلاميّ بنماذج إعجازيّة سطّر فيها الأنبياء والصّحابة الكرام أروع ملاحم التّضحية والبذل، وأعلاها قصّة تضحية الخليل عليه السلام، تقف هذه القصّة كأصلٍ تاريخيٍّ وتشريعيٍّ لعيد الأضحى، وتتجلّى التّضحية فيها عندما رأى الخليل إبراهيم عليه السلام في المنام أنّه يذبح ولده وحيده وفلذة كبده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فلم يتردّد الشّيخ الطّاعن في السّنّ، ولم يتمرّد الشّابّ اليافع {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصّافات: 101-102].
فلمّا أسلما وتلّه للجبين، وصحّت التضحيّة النّفسيّة والتّجرّد الكامل مِن حظوظ الدّنيا، جاء الفداء الرّبانيّ بكبشٍ عظيمٍ {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصّافات: 103-111].
فالقصّة تعلّمنا أنّ الله لم يكن يريد دماء إسماعيل، بل كان يريد ذبح حبّ الأغيار في قلب إبراهيم، فلمّا ذبح ذلك، فُدي الجسد.
عن سعيد بن المسيّب قال: لما أقبل صهيبٌ مهاجرًا نحو النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فاتّبعه نفرٌ مِن قريشٍ، نزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، ثمّ قال: يا معشر قريشٍ! لقد علمتم أنّي مِن أرماكم رجلًا، وايم الله لا تصلون إليّ حتّى أرمي بكلّ سهمٍ معي في كنانتى، ثمّ أضرب بسيفي، افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وثيابي بمكّة وخلّيتم سبيلي؟ قالوا نعم! فلمّا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: (رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 1/151
ونزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِيَ أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ)، فَأَبَى، وَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَكَ بِحَائِطِي، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي فَجَعَلَهَا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ) مِرَارًا، فَأَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَتْ: قَدْ رَبِحْتَ الْبَيْعَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. المستدرك على الصّحيحين: 2194
خاتمةٌ:
إذا كانت التّضحية هي المحرّك الأوّل للعبد ليتخلّى عن شهواته، فإنّ الشّكر هو الحارس الأمين الّذي يحفظ النّعم مِن الزّوال، ويديم حبل الوصل مع المنعم سبحانه، ولقد قرن النّبيّ صلى الله عليه وسلم العيد وأيّام التّشريق بعبادة الطّعام والشّراب، فقال في الحديث: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ). صحيح مسلم: 1141
وعلى فضل الشّكر قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
فجعل سبحانه الزّيادة مشروطةً بالشّكر، وجعل الشّكر أمانًا مِن سخطه وعذابه، وقوله جلّ في علاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
فربط سبحانه صحّة العبوديّة وحقيقتها بوقوع الشّكر مِن العبد للمنعم.
ومِن السّنّة النّبويّة المطهّرة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). صحيح مسلم: 2734
وهذا دليلٌ على عظم مقام الشّكر حتّى في أدقّ تفاصيل الأكل والشّرب التي تعقب العيد، حَدَّثَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)، وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. سنن أبي داود: 1522
فهذا العيد يقول لنا: "ضحّوا واشكروا"، فطوبي لمن ضحّى وشكر.
1 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 2887
2 - �...س�+د أح�...د: 23074
3 - ح�,,�?ة ا�,,أ�^�,,�?اء �^طب�,ات ا�,,أصف�?اء: 1/151
4 - ا�,,�...ستدر�? ع�,,�? ا�,,ص�'ح�?ح�?�+: 2194
5 - صح�?ح �...س�,,�...: 1141
6 - صح�?ح �...س�,,�...: 2734
7 - س�+�+ أب�? دا�^د: 1522
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158