1- شؤ�...�OE �^حر�...ا�+�OE
2- �...�?اسب خب�?ثة�OE
مقدمة:
في هذا العصر الّذي تلاطمت فيه أمواج المادّيّة الجارفة، وغدا معيار النّجاح مقترنًا برقم الحساب البنكيّ، ونوع المركب، وفخامة السّكن، غفلت فئامٌ كثيرةٌ مِن النّاس عن تدقيق مصادر أرزاقهم، إنّ هذا التّهافت على جمع حطام الدّنيا دون تمييزٍ بين حلالٍ وحرامٍ ليس مجرّد خطيئةٍ عابرةٍ تمرّ في سجلّ المرء وتنقضي، بل هو معول هدمٍ يدمّر بناء المجتمع بأكمله، إنّ الكسب غير المشروع في حقيقته جريمةٌ كبرى يدفع ثمنها الأبناء عقوقًا وضياعًا في دياجير الحياة، بينما لا يجني منها الآباء سوى السّخط، والمحق، والبوار في الآجل، إنّ أثر هذا الكسب الخبيث قد لا يقف عند حدود جامعه، فقد يسري في عروق أهل بيته ويسكن في أجساد أولاده كسمٍّ بطيء المفعول، فحين يتغذّى الطّفل الصّغير مِن مالٍ حُصد بالباطل والظّلم، قد ينعكس هذا الغذاء الخبيث على طبيعته وسلوكه وفطرته، ليتحوّل الأبناء في نهاية المطاف مِن قرّة عينٍ وبلسمٍ للرّوح، إلى مصدر شقاءٍ وحسرةٍ تُدمي القلوب.
ويتجلّى هذا الشّؤم الممتدّ في محق البركة مِن كلّ شيءٍ يمسّه هذا المال، فتجد البيت الّذي يستمرئ المال الحرام مائجًا بالخلافات المستمرّة، وتصاحب ذلك حالةٌ مِن التّثاقل الغريب مِن الأبناء عن الطّاعات، ونفورٌ مستمرٌّ مِن مجالس الخير والذِّكر، فاللّقمة الخبيثة تُظلم القلب، وتُثقل الجوارح عن العبادة، وتدفع بصاحبها إلى مهاوي الغواية والعصيان.
1- شؤمٌ وحرمانٌ
يُضاف إلى شؤم المال الحرام سابق الذِّكر حرمانُ العبد مِن إجابة دعائه، فالأب المشفق قد يرفع يديه إلى السّماء بدموعٍ حارّةٍ، يطلب صلاح أولاده وهدايتهم، لكنّ دعاءه يرتطم بسقف الحرام الّذي يمنع صعوده إلى السّماء، فاللّقمة الحرام جدارٌ سميكٌ يحجب الدّعوات، وهو ما يفسّر الخذلان الّذي يصيب بعض الآباء رغم كثرة تضرّعهم، فكيف يُستجاب لمَن يطعم أولاده السُّحت ويغذّيهم بالباطل؟ كما أنّ الجزاء مِن جنس العمل، فمَن اعتدى على أموال النّاس وحقوقهم، يسلّط الله عليه في الغالب مِن أولاده مَن يضيّع ماله، ويعقّه في كبره، ليكون هؤلاء الأبناء الّذين نشؤوا على موائد الحرام هم أوّل مَن يتنكّر للآباء عند عجزهم ومشيبهم، ليتحوّل ذلك الإرث الضّخم الذي جُمع بالظّلم والجور إلى وقودٍ للصّراع والقطيعة بينهم على فراش موت أبيهم.
وإذا أمعنا النّظر في مظاهر الكسب غير المشروع في واقعنا المعاصر، نجد أنّ مسالك الكسب الخبيث قد تعدّدت وتنوّعت، واتخذت أسماءً برّاقةً، تخدع النّفوس الضّعيفة وتزيّن لها الباطل، لكنّ الحقائق لا تغيّرها المسمّيّات مهما جُمّلت، ويأتي على رأس هذه الموبقات "الرّبا"، وهو الزّيادة المشروطة في المال مقابل الأجل، أو مبادلة أموالٍ ربويّةٍ ببعضها مع التّفاضل أو التّأجيل، وهو داءٌ يدمّر الاقتصادات وينزع البركة تمامًا، وقد جاء فيه وعيدٌ إلهيٌّ يزلزل الجبال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278، 279].
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ).
ويظنّ المرابي في وهمه أنّ ماله ينمو ويزداد بكثرة الأرقام، لكنّ حقيقته المحق والقلّة والهلاك، كما قال سبحانه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].
ومِن صور الحرام أيضًا: "الميسر" أو القمار، وهو معاملةٌ ماليّةٌ يدخل فيها المرء وهو متردّدٌ بين أن يغنم أو يغرم، وتقوم كلّيًّا على الحظّ والصّدفة، لا على العمل والإنتاج الحقيقيّ، وتندرج تحتها اليوم صورٌ حديثةٌ ومستترةٌ، كبعض الألعاب الإلكترونية، والمضاربات الوهميّة المبنيّة على المخاطرة العمياء، وقد زجر القرآن الكريم عن هذا المسلك زجرًا شديدًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
ويورث الميسر العداوة والبغضاء بين النّاس، ويدفع صاحبه إلى الإدمان المدمّر الّذي ينتهي بإفلاس الأسر، وتشريد الأبناء، والوقوع في ديونٍ ثقيلةٍ، تقود في الغالب إلى الجريمة أو الانتحار.
2- مكاسب خبيثةٌ
ثمّ يأتي "بيع المحرّمات" ليشكّل تجارة سمومٍ تقتل المجتمع، وتشمل هذه التّجارة الخبيثة كلّ عينٍ حرّم الشّارع الحكيم اقتناءها، أو تناولها، مثل الاتّجار بالمخدّرات، والمسكرات، والدّخان، والأغذية الفاسدة والمغشوشة، أو تقديم الخدمات المحرّمة الّتي تفسد قِيم المجتمع وأخلاقه، وفي هذا يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ اللهَ عز وجل إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ).
والمال المكتَسَب مِن هذه التّجارة النّكرة هو سحتٌ خالصٌ، وصاحبه يسهم مباشرةً في تدمير عقول وصحّة أبناء المسلمين، وتعود هذه الأموال وبالًا ووباءً على بيته، فقد يرى في أولاده الانحراف والضّياع جزاءً وفاقًا لصنيعه.
وِمن الأبواب الواسعة للحرام باب "الغشّ والغرر"، فالغشّ هو إخفاء عيب السلّعة أو تزوير حقيقتها لإيهام المشتري بجودتها، مثل التّلاعب بعدّادات السّيارات، وتزوير تواريخ الصّلاحيّة، أو مدح السّلعة بالأكاذيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي).
أمّا الغرر فهو بيع ما لا يُعلم عاقبته، أو بيع المجهول الّذي لا يقدر الطّرفان على تسليمه أو تحديد صفاته بوضوحٍ، كبيع السّمك في الماء، أو بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه، أو العقود الإلكترونيّة الغامضة الّتي تخفي شروطًا مجحفةً تبتلع أموال النّاس بالجهالة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ويظنّ الغاشّ أو المتلاعب بالغرر أنّه ذكيٌّ ومحنّكٌ في عالم التّجارة، لكنّ عاقبة فعله محق البركة، كما في الحديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا).
وممّا ورد في ورع السّلف عن المال الحرام: أنّه "كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: تدري مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ".
خاتمةٌ:
هذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين رأى إبلًا سمانًا تمتاز عن بقيّة الإبل في السّوق، وعلم أنّها لابنه عبد الله بن عمر، لم يفرح لثراء ابنه أو حُسن تجارته، بل استدعاه وقال: يقول النّاس: "ارْعَوْا إِبِلَ ابنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، اسْقُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ اغْدُ عَلَى رَأْسِ مَالِكَ وَاجْعَلْ بَاقِيَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ".
حاميًا ابنه مِن شبهة المحاباة واستغلال النّفوذ، لأنّه يعلم يقينًا أنّ صلاح الأبناء وعفّتهم يبدأ مِن فطامهم التّامّ عن مال الشّبهات، قارن هذا بمسؤولٍ لا يألو جهدًا أن يمرّر لأبنائه ما يقدر عليه مِن منافع تحت يده، فيستغلّ نفوذه لتوظيفهم مع قلّة كفاءتهم.
إنّ استعراض آثار الكسب الحرام يضع كلّ ربّ أسرةٍ أمام مسؤوليّةٍ عظمى، فحماية الأبناء لا تنتهي أبدًا بتأمين المدارس، والملابس، والقصور، بل تبدأ مِن تطهير الدّرهم والدّينار الّذي يدخل عتبة المنزل ويتحوّل إلى قـوتٍ يوميٍّ.
إنّ القليل الحلال في العادة يثمر في البيوت صلاحًا، وسكينةً، وتوفيقًا، وذريّةً طيّبةً تبرّ آباءها في الحياة وتدعو لهم بصدقٍ بعد الممات، أمّا الكثير الحرام فما هو إلا سرابٌ زائلٌ يخدع العيون، يحاسب عليه جامعُه، بينما يتمتّع به الورثة في دنياهم، ليبقى الأب وحيدًا مرتهنًا بكسبه الخبيث.
فليتقِ العبد رّبه في مكسبه ومطعمه، وليعلم أنّ مواجهة الجوع في الدّنيا بأمعاءٍ خاويةٍ ونفسٍ راضيةٍ أهون بآلاف المرّات مِن مواجهة نيران جهنّم وأغلالها بسبب أموالٍ جُمعت مِن دماء البؤساء وحقوق العباد.