الأحد 5 صفر 1448 هـ الموافق 19 يوليو 2026 م
الهجرة مشروعُ بناءٍ لا رحلةُ فرارٍ
الأربعاء 24 ذو الحجة 1447 هـ الموافق 10 يونيو 2026 م
عدد الزيارات : 545
الهجرة مشروعُ بناءٍ لا رحلةُ فرارٍ
عناصر المادة
1- �...�+ط�,�? ا�,,ح�,,�^ ا�,,�...خ�?ف ص�,,�? ا�,,�,,�? ع�,,�?�? �^س�,,�...
2- �,د أُذ�+
مقدمة:
كان اختيار الهجرة النّبويّة مبتدًى للتّأريخ إعلانًا بوعي الأمّة وإدراكها أنّ قدرًا مهمًّا مِن عظمتها ترتبط بالحدَث الّذي نقل الدّعوة مِن الاستضعاف إلى التّمكين، ومِن الفكرة إلى الدّولة.
إنّ الهجرة في جوهرها رحلةٌ ممتدةٌ في وعي المسلم، تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصبح مدرسةً أخلاقيّةً وتشريعيّةً يتجدّد وعيُنا بها مع إشراقة كلّ عامٍ هجريٍّ جديدٍ، لتذكّرنا بوجوب التّحوّل مِن الغفلة إلى العمل وبناء الأوطان والمجتمعات.
لم تكن الهجرة خروجًا لأفرادٍ مستضعفين فحسب، بل كانت تحوّلًا استراتيجيًّا زلزل أركان مكّة، فلمّا أبصرت قريش أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عقدوا العزم، وتجهّزوا للرّحيل، وحملوا أمتعتهم وساقوا ذراريهم وأطفالهم وأموالهم ميمّمين شطر يثرب، لتلتحم قوّتهم بقوّة الأوس والخزرج؛ وقعت في أوساط المشركين ضجّةٌ، وأثار ذلك في مجالسهم القلاقل والأحزان.
لقد ساور الطّواغيتَ قلقٌ عميقٌ لم يعهدوه مِن قبل، إذ تجسّد أمام عيونهم الخطر الّذي يهدّد كيانهم العقديّ والاقتصاديّ، كانت قريش تدرك يقينًا ما ينطوي عليه شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن عبقريّة القيادة، وكمال الإرشاد، وعظيم التّأثير في النّفوس، وتدرك ما ينبض في صدور أصحابه مِن عقيدةٍ راسخةٍ، وعزيمةٍ لا تلين، وفداءٍ مطلقٍ في سبيله.
وما زاد مِن رعب مكّة القوّة والمنعة الّتي تتّمتّع بها قبيلتا الأوس والخزرج، وما يمتاز به عقلاء هاتين القبيلتين مِن نزوعٍ جديدٍ نحو السّلم والصّلاح، والتّداعي لنبذ الأحقاد المزمنة، بعد أن تجرّعوا مرارة الحروب الأهليّة الطّاحنة طيلة أعوامٍ مِن الدّهر، فاجتماع هذه الحاضنة القويّة مع تلك القيادة الفذّة يعني ميلاد قوّةٍ لا تُقهر.
1- منطقه الحلو المخيف صلى الله عليه وسلم
لم يكن الخطر دِينيًّا أو سياسيًّا مجرّدًا، بل ضرب الشّريان الحيويّ لتجارة قريش، إذ تمتاز يثرب بموقعها الجغرافيّ الفريد المسيطر على طريق القوافل الرّئيس المحاذي لساحل البحر الأحمر، والممتد مِن اليمن جنوبًا إلى الشّام شمالًا.
كان أهل مكّة يعتمدون في رفاههم على رحلة الصّيف إلى الشّام، وكان قيام هذه التّجارة وازدهارها مرهونين كليًّا باستقرار الأمن على هذا الطّريق الحرج.
رأت قريش في تمركز الدّعوة الإسلاميّة في يثرب، وتحالف أهلها مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، سدًّا منيعًا وتهديدًا مباشرًا للقمة عيشهم واستمرار نفوذهم، وشعر المشركون بتفاقم الخطب، وأيقنوا أنّ خطوط مكّة الاقتصاديّة ستصبح تحت رحمة الدّولة الناشئة، فباتوا يبحثون عن أنجع الوسائل لدفع هذا الخطر، الّذي رأوا أنّ مبعثه الوحيد وعموده الفقريّ هو حامل لواء الإسلام، سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي إطار هذا الاستنفار الطّاغوتي، وفي يوم الخميس، السّادس والعشرين مِن شهر صفر، سنة أربع عشرة مِن النّبوّة، أي بعد قرابة شهرين ونصفٍ مِن بيعة العقبة الكبرى، عقد برلمان مكة أخطر اجتماعٍ له في تاريخه الجاهليّ كلّه، وقد تمثّل في هذا المحفل الشّيطانيّ وجوه مكّة البارزة وأكابر مجرميها مِن نوّاب القبائل، ولمّا توافد هؤلاء الطّواغيت إلى دار النّدوة حسب الميعاد المضروب، اعترضهم إبليس عند الباب في هيئة شيخٍ وافر السِّن والوقار، فلما سألوه مستنكرين: "مَن الشّيخ؟"، أجابهم: "شيخٌ مِن أهل نجدٍ، سمع بالّذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا"، ودخل يشاركهم النّوايا السّوداء.. بعد أن تكامل عقد الاجتماع واستقرّ بهم المجلس، بدأ عرض المقترحات السّاعية لإخماد نور الدّعوة، تقدم أبو الأسود باقتراحٍ يرى فيه النّفي والإبعاد، فقال: "نخرجه مِن بين أظهرنا وننفيه مِن بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت"، وهنا انبرى الشّيخ النّجديّ (إبليس) ليفنّد هذا الرّأي، محذّرًا إيّاهم مِن مغبّته، فقال: "لا والله، ما هذا لكم برأي! ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حيٍّ مِن العرب، ثمّ يسير بهم إليكم حتّى يطأكم بهم في بلادكم، ثمّ يفعل بكم ما أراد". الرّحيق المختوم: ص145
2- قد أُذن
لمّا سقط المقترح الأوّل، تقدّم أبو البختريّ بن هشامٍ باقتراح ثانٍ يعتمد على السّجن والعزل، فقال: "احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أمثاله مِن الشّعراء الّذين كانوا قبله ومَن مضى منهم مِن هذا الموت، حتّى يصيبه ما أصابهم"، لكنّ إبليس المتمثّل في هيئة الشّيخ النّجديّ سارع برفض هذا الرّأي أيضًا، وأبدى مخاوفه: "لا والله ما هذا لكم برأيٍ، والله لئن حبستموه ليخرجنّ أمره مِن وراء الباب الّذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه مِن أيديكم، ثمّ يكاثروكم به، حتّى يغلبوا على أمركم، ما هذا لكم برأيٍ، فانظروا في غيره"، بعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين وعجزت عقول الطّواغيت عن إيجاد مخرجٍ، تقدم إليهم اقتراحٌ آثمٌ وافق عليه جميع الأعضاء دون تردّدٍ، صاغه كبير مجرمي مكّة: أبو جهل بن هشامٍ، قال أبو جهلٍ: "والله إنّ لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد"، فقالوا متطلّعين: "وما هو يا أبا الحكم؟"، فقال مستعرضًا ذروة غدره: "أرى أن نأخذ مِن كل قبيلةٍ فتىً شابًّا جليدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثمّ نعطي كلّ فتىً منهم سيفًا صارمًا، ثمّ يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجلٍ واحدٍ، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل (الدّية)، فعقلناها لهم"، وهنا قال إبليس: "القول ما قال الرّجل، هذا الرّأي الّذي لا أرى غيره"، ووافق برلمان مكّة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، وانفضّ الاجتماع على ذلك.
ولما اتُّخذ القرار الغاشم مِن كبراء قريش، نزل أمين الوحي جبريل عليه السلام إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بوحي ربّه جل جلاله، فأطلعه على مؤامرة قريش الدّنيئة، وأخبره بأنّ الله قد أذن له في الخروج، وحدّد له وقت الهجرة، قائلًا:"لا تبت هذه اللّيلة على فراشك الّذي كنت تبيت عليه".
تحرّك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فورًا، وبذل الأسباب بأعلى مستويات الحيطة، فذهب في الهاجرة -وهي شدّة الحرّ وسط النّهار- إلى دار صفيّه أبي بكرٍ الصّديق رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الرّحلة المباركة، وتصف أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها: "بينما نحن جلوسٌ في بيت أبي بكرٍ في نحر الظّهيرة، قال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعًا، في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكرٍ: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه السّاعة إلا أمرٌ!".
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأُذن له فدخل، ثمّ قال لأبي بكرٍ بيقين القائد الحذر: (أخرج مَن عندك)، فقال أبو بكرٍ: "إنّما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله"، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (فإنّي قد أُذِنَ لي في الخروج). الرّحيق المختوم: ص146
خاتمةٌ:
لم تملك نفس الصّدّيق حبورها، فقال: "الصّحبة؟ بأبي أنت يا رسول الله!"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم)، وبعد أن أُبرمت الخطّة بتفاصيلها الدّقيقة، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ينتظر مجيء اللّيل لبدء الانطلاق، وبات الكفّار على ثقةٍ بنجاح خطّتهم، حتّى وقف أبو جهلٍ وقفة الزّهو والخيلاء، وقال في سخريةٍ مفرطةٍ واستهزاءٍ: "إنّ محمّدًا يزعم أنّكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثمّ بُعثتم مِن بعد موتكم، فجُعلت لكم جنانٌ كجنانِ الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبحٌ، ثمّ بُعثتم مِن بعد موتكم، ثمّ جُعلت لكم نارٌ تحرقون فيها".
ومع غاية هذا الاستعداد والتّحشيد مِن قريش، فشلوا فشلًا فاحشًا، وأبطل الله مكرهم في تلك السّاعة الحرجة، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ بن أبي طالبٍ ملقيًا عليه رداء الطّمأنينة والفداء: (نم على فراشي، وتسبّح ببردي هذا الحضرميّ الأخضر، فنم فيه، فإنّه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه منهم)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.
غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة السابع والعشرين مِن شهر صفر سنة أربع عشرة مِن النّبوّة، الموافق للثّاني عشر والثالث عشر مِن سبتمبر / أيلول سنة 622 للميلاد، فاخترق صفوفهم المتراصّة حول الدّار، وأخذ حفنةً مِن بطحاء مكّة، فجعل يذرّه على رؤوسهم المستكبرة، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو آيات الحقّ والتّمكين: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9].
وبدأت بذلك رحلةٌ ميمونةٌ خلّد التّاريخ خطواتها، ولم يكن ما بعدها كما قبلها، فكانت تلك السّنة بحقٍّ مبدأ التّأريخ. الرّحيق المختوم: ص149
 
1 - ا�,,ر�'ح�?�, ا�,,�...خت�^�...: ص145
2 - ا�,,ر�'ح�?�, ا�,,�...خت�^�...: ص146
3 - ا�,,ر�'ح�?�, ا�,,�...خت�^�...: ص149
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158