الأحد 5 صفر 1448 هـ الموافق 19 يوليو 2026 م
عبادةٌ ونظامٌ واُخوَّة
الأربعاء 2 محرّم 1448 هـ الموافق 17 يونيو 2026 م
عدد الزيارات : 393
عبادةٌ ونظامٌ واُخوَّة
عناصر المادة
1- در�'�?ة ا�,,�...ساجد
2- �...ؤآخاة�OE فذ�'�?ة�OE
3- �^ث�?�,ة ا�,,�...د�?�+ة
مقدمة:
نعيش أيام الذّكرى الخالدة والحدث التّاريخيّ العظيم، تلكم الهجرة الخالصة لله ورسوله، التي غيّرت وجه الحياة، وبدّدت ظلمات الأيّام، وبدّلت أمور النّاس مِن حالٍ إلى حالٍ، فالدّنيا كانت مظلمةً فاستنارت، والأيّام كانت معوجّةً فاستقامت، والمسلمون كانوا قلّةً فكثّرهم الله، وكانوا مستضعفين فقوّاهم الله، وكانوا مستذلّين فأعزّهم الله، كما أرهب الله أعداء الإسلام فحطّم كبرياءهم، ووهّن قواهم، وقضى على مؤامراتهم، ثمّ استحالت أمور المسلمين بهجرة المصطفى وصحبه الكرام إلى المدينة المنوّرة أمنًا وطمأنينةً، وقوّةً ومنعةً، فصاروا يعبدون ربّهم بأمانٍ واطمئنانٍ، وقبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقام في قباء عدّة أيّامٍ، ثمّ تابع سيره إليها، فكانت الهجرة جديرةًّ بأن تكون بحقٍّ للمسلمين مبدأ تأريخٍ، ومطلع هدايةٍ، ومشرق نورٍ، وغدتِ المدينة مأرزًا للصّحابة الأخيار، ومأوىً لعباد الله الأبرار، وحصنًا منيعًا لهم، بل لقد أضحت عاصمة النّور، حيث شعّ منها الهدى، وعمّ الخير للنّاس أجمعين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الْمَدِينَةِ وهو مُرْدِفٌ أَبا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ شابٌّ لَا يُعْرَفُ، قالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يا أَبا بَكْرٍ، مَنْ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قالَ: فَيَحْسِبُ الْحاسِبُ أَنَّهُ إِنَّما يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّما يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ، فالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذا هو بِفارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا فارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنا، فالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: (اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ)، فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ قامَتْ تُحَمْحِمُ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، مُرْنِي بِمَ شِئْتَ، قالَ: (فَقِفْ مَكانَكَ، لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنا)، قالَ: فَكانَ أَوَّلَ النَّهارِ جاهِدًا على نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكانَ آخِرَ النَّهارِ مَسْلَحَةً لَهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جانِبَ الْحَرَّةِ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الأَنْصارِ فَجاؤُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِما، وَقالُوا: ارْكَبا آمِنِيْنَ مُطاعِيْنَ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَفُّوا دُونَهُما بِالسِّلَاحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جانِبَ دارِ أَبِي أَيُّوبَ. صحيح البخاريّ: 3911
فما هي أهمّ الأعمال الّتي قام بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد هجرته؟ ولماذا بدأ بتلك الأعمال أوّلًا؟
1- درَّة المساجد
المساجد بيوت الله في الأرض، جعلها مثابةً للنّاس وأمنًا، ومشرقًا للهداية والنّور، ومهبطًا للملائكة بالبشرى والرّحمة، والخير والسكينة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (‌يَتَعَاقَبُونَ ‌فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ). صحيح البخاريّ: 6992
فهي زينة الدّنيا وبهجتها، تضيء لأهل السّماء كما تضيء النّجوم لأهل الأرض، وحسبها فخرًا أنّ الله جعلها أحبّ البقاع إليه، فهي تصل بين القلوب بالمؤاخاة، وتعدل بين النّاس بالمساواة، حتّى يشعر الضّعيف أنّ جند الله قوّته، ويحسّ الوحيد أنّ المؤمنين جميعًا إخوته، ولذا فقد كان مِن أُولى أعمال النّبي صلى الله عليه وسلم فور وصوله إلى مشارف المدينة بناء مسجد قباءٍ، الّذي خلّد الله ذِكره في القرآن، وأثنى على الصّحابة الأطهار، الّذين كانوا يتضرّعون فيه بتذلّلٍ وانكسارٍ {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التّوبة: 108].
وما إن هبط المدينة حتّى بنى المسجد النّبويّ، فكان يرفع الحجارة بيده، والتّراب والغبار يتخلّلان لحيته، في غبطةٍ وسرورٍ، ولم ينسَ مسجد قباءٍ، بل كان يزوره كلّ سبتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (‌مَنْ ‌تَطَهَّرَ ‌فِي ‌بَيْتِهِ، ‌ثُمَّ ‌أَتَى ‌مَسْجِدَ ‌قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ). سنن ابن ماجه: 1412
ومِن هنا كانت المساجد الدّعامة الأولى الّتي قام عليها صرح الدّعوة الإسلاميّة، ومهد المسلمين في تعلّم أحكام الدّين القويمة، وهي الشّجرة المباركة الّتي تفيّأ المسلمون ظلالها، وجَنَوا ثمارها، ففي المساجد يجري التّعارف بين المسلمين، وتتصافح القلوب، وتتصافى النّفوس، وتتوحّد الكلمة، ومنها يصعد الكلِم الطّيّب، والعمل الصّالح {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
ومِن منابرها يتلقّى النّاس مواعظهم في خشيةٍ ورهبةٍ، فتهتدي النّفوس الجامحة، وتلين القلوب القاسية، وتسمو على شهواتها، وتستمّد الصّبر والنّصر، والجهاد والتّضحية، والبذل والعطاء، فما أعظم الشّرف! وما أجزل الثّواب لمَن يعمر بيوت الله! ويثبّت دعائمها، ويرفع معالمها {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التّوبة: 18].
2- مؤآخاةٌ فذَّةٌ
لقد وحّد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجرته إلى المدينة بين قبيلتي الأوس والخزرج، بعد أن كانتا متعاديتين، يأكل بعضهم بعضًا، فألّف الله بينهم، واجتثّ عوامل الحقد مِن نفوسهم {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
فتوحّد الجمع، وتحقّق الأمن {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26].
وإنّ الهجرة تذكّرنا بالمثل الرّائع، والمثاليّة النّادرة لكمال المؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، حيث ترتّبت عليها حقوقٌ معنويةٌ ومادّيّةٌ، تمثّلت في التّعاون على أعباء الحياة؛ مِن إنفاقٍ ورعايةٍ، وتناصحٍ وتزاورٍ، فالمهاجرون بذلوا نفوسهم وأموالهم في سبيل الله، وتركوا ديارهم هجرةً لله، والأنصار نصروهم؛ فآووهم وقاسموهم أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وقلّ أن يوجد نظيرٌ لهذه المواساة في تاريخ البشريّة، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتْ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، ‌سَأَقْسِمُ ‌مَالِي ‌بَيْنِي ‌وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَهْيَمْ)، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: (مَا سُقْتَ إليها؟) قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: (أَوْلِمْ، وَلَوْ بِشَاةٍ). صحيح البخاريّ: 3570
ولم تكن المواساة مِن الأنصار للمهاجرين حالاتٍ فرديّةً، وإنّما كانت خُلقًا اجتماعيًّا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ‌اقْسِمْ ‌بَيْنَنَا ‌وَبَيْنَ ‌إِخْوَانِنَا ‌النَّخِيلَ، قَالَ: (لَا)، فَقَالُوا: تكفوننا المؤونة، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. صحيح البخاريّ: 2200
وبذلك استحقّ الأنصار هذا الوسام الرّبانيّ،  فقد قال  فيهم وفي المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8-9].
فلله درّ الأنصار، ما أقوى إيمانهم! وما أعظم نفوسهم!
3- وثيقة المدينة
لقد كان في مقدّمة الأعمال الّتي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم -بعد بناء المسجد النّبويّ، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار- إبرام عهدٍ مع اليهود في المدينة، وكتابة وثيقةٍ بمثابة دستورٍ، لتنظيم العلاقات فيما بين المؤمنين مِن جهةٍ، وبين المؤمنين واليهود مِن جهةٍ أخرى، ولقد كانت أوّل نموذجٍ دستوريٍّ أرسى دعائم التّعايش السّلميّ في الإسلام {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
فلقد وصل النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ووجد مجتمعًا متعدّد الأطياف، يضمّ المسلمين إلى جانب اليهود، وغيرهم مِن القبائل العربيّة الوثنيّة، في ظلّ هذا التّنوّع العجيب، كانت الحكمة النّبويّة تقتضي وضع إطارٍ يضمن حقوق الجميع، ويحقّق الأمن والاستقرار، وهو ما تجلّى في هذه الوثيقة التّاريخيّة، الّتي لم تكن مجرّد تنظيمٍ مؤقّتٍ، بل كانت تصوّرًا عمليًّا للمدينة الفاضلة الّتي يسعى الإسلام لتحقيقها، مدينةٍ تسودها قِيم العدل والمساواة، والتّعايش السلميّ بين مختلف مكوّناتها، فنصّت هذه الوثيقة على مبادئ ساميةٍ، رسّخت قيم التّعارف والتّعايش، وهذا ما ينسجم مع رؤية الإسلام للوحدة الإنسانيّة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].
ولم تُغفل الوثيقة مبدأ حرّية الاعتقاد، فكفلت لكلّ طائفةٍ دِينها وشعائرها، وهذا المبدأ يتجلّى بوضوحٍ في القرآن الكريم {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].
وهذا يؤكّد أنّ الإيمان لا يُفرَض بالقوّة، بل هو قناعةٌ قلبيّةٌ تنبع مِن حرّية الاختيار، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحترم معتقدات اليهود، ويراعي حقوقهم، كما أكدّت الوثيقة على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث جعلت الجميع شركاء في الدّفاع عن المدينة، وحماية أمنها، وهذا يعكس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَتَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ). سنن ابن ماجه :2684
وهو وإن كان يخصّ المسلمين في سياقه، إلّا أنّ روح العدل والمساواة فيه تتّسع لتشمل كلّ مَن يعيش في كنف الدّولة المسلمة، طالما التزموا بالعهود والمواثيق، وهذه المساواة في الحقوق والواجبات، هي جوهر بناء مجتمعٍ متماسكٍ وعادلٍ، ينعم بالأمن والاستقرار، ولعلّ مِن أهمّ ما جسّدته تلك الوثيقة مفهوم العدل الاجتماعيّ، ونبذ الظّلم {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النّحل: 90].
ففي المدينة الفاضلة يسود العدل المطلق الّذي يضمن حقوق الجميع، وينتصر للمظلوم، ويقف مع الضّعيف.
خاتمةٌ:
إنّ أعمال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة لم تأتِ عفويّةً هكذا، ولم تكن مجرّد قراراتٍ سياسيّةٍ، بل كانت تطبيقًا عمليًّا لمنهج الله عز وجل، فأعظمْ به من قائدٍ حكيمٍ، وإمامٍ عظيمٍ، أرسى قواعد الأمن، والعمل الجماعي، والتّكافل الاجتماعيّ، والتّسامح والتّآلف، واستطاع بحكمته أن يحوّل مدينةً تعجّ بالصّراعات والفُرقة، إلى مدينةٍ يسودها الأمن والأمان، وينتشر فيها السّلم والإسلام، لتغدو عاصمةً للإسلام، فسبحان مَن بعث لهم رسوله ليجمع القلوب على طاعة الله في بيت الله، ويوحّد النّفوس بالمؤاخاة بينهم على ما يرضي الله، ولم تكن تلك الأخوّة مجرّد علاقاتٍ سطحيّةٍ، بل كانت رابطةً تتجاوز حدود الدّم والنّسب، كي تؤسّس لنموذجٍ فريدٍ مِن التّكافل الاجتماعيّ، والتّراحم الأخويّ، وتجاوز الفروقات، ثمّ جاءت وثيقة المدينة، لتكون حجر الأساس لأوّل مجتمعٍ إنسانيٍّ متنوّعٍ، يسوده العدل والتّسامح، ورغم مرور القرون لا تزال مبادئها صالحةً لحلّ أزمات عالمنا المعاصر، وإنّها رسالةٌ خالدةٌ مِن نبيّ الرّحمة، تدعو للتّعايش والعدل والكرامة الإنسانيّة، فلنقتدِ برسولنا الكريم في بناء مجتمعاتنا على أسسٍ متينةٍ، ودعائم قويّةٍ، ولنعظّم شعائر ربّنا، ولنحافظ على نظافة بيوته، وقداسة حرماته، وإحياء شعائره، ولنكن صفًّا واحدًا متراصًّا، ننبذ الخلاف مِن بيننا، ونستمسك بالأخوّة الحقّة الّتي امتلكناها بالإيمان {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
ولنجعل الحقّ غايتنا، والعدل طريقنا، وشرع الله جل جلاله منهجنا.
 
1 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 3911
2 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 6992
3 - س�+�+ اب�+ �...اج�?: 1412
4 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 3570
5 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 2200
6 - س�+�+ اب�+ �...اج�? :2684
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158