الأحد 5 صفر 1448 هـ الموافق 19 يوليو 2026 م
سمومٌ تقتل الأمَّة مِن الدَّاخل
الأربعاء 9 محرّم 1448 هـ الموافق 24 يونيو 2026 م
عدد الزيارات : 385
سمومٌ تقتل الأمَّة مِن الدَّاخل
عناصر المادة
1- خطر�OE دا�?�...�OE
2- ط�^�, ا�,,�+�'�?جاة
مقدمة:
جاءت الشّريعة الإسلاميّة الغرّاء بحصنٍ حريزٍ يحمي الإنسان ويضمن استقرار المجتمعات، وتجلّى ذلك في تشريع أحكامٍ قاطعةٍ لحفظ الضّروريّات الخمس؛ وهي: الدّين والنّفس والعقل والنّسل والمال، فهي أساس صلاح الإنسان واستقرار المجتمع، والمخدّرات جريمةٌ تهدم هذه المقاصد مجتمعةً، فهي تُضعف الدّين بإبعاد الإنسان عن الطّاعة والعبادة، وتُفسد العقل وهو مناط التّكليف والتمييز، كما تُهلك النّفس بما تُحدثه مِن أمراضٍ وانهيارٍ جسديٍّ ونفسيٍّ، وتُبدّد المال بغير حقٍّ، وتفتح أبواب الانحراف الّذي يهدّد العِرض والكرامة، ليكون تعاطي المخدّرات اعتداءً شاملًا على أسس الحياة الآمنة، وليس مجرّد معصيةٍ جزئيّةٍ، وقد أصّلت الشّريعة لتحريم هذه السّموم بأدلّة قاطعةٍ تمنع كلّ ما يغيّب الوعي أو يضرّ بالجسد، حيث يقول الله تعالى في محكم التّنزيل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
إنّ المخدّرات تلتقي مع الخمر في الإفساد وتغطية العقل، بل تزيد عنها تدميرًا وفتكًا، وقد أكّد النّبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الأصل الجامع بقوله: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). صحيح مسلمٍ: 2003
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله عنه عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ). صحيح البخاريّ: 4343
 كما بيّنت الآثار أنّ السّكران يفقد دِينه، ويسهل عليه ارتكاب أفظع الجرائم في حقّ نفسه ومجتمعه، روي عن عُثْمَانَ رضي الله عنه: (اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ...) وقَالَ: (فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ لَا يَجْتَمِعُ وَالْإِيمَان أَبَدًا إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ). السّنن الكبرى للنّسائيّ: 5157
1- خطرٌ داهمٌ
إنّ أثر هذه السّموم والمخدّرات لا يقف عند المتعاطي، بل يتعدّاه ليكون قنبلةً موقوتةً تدمّر البناء الاجتماعيّ بأكمله، فهي تُهلك الصّحّة والعقل، وتُفسد السّلوك، وتجرّ إلى الانحراف والجريمة، وتُفكّك الأسرة، وتزرع الخلاف، وتضيّع المال والمستقبل، وتُضعف صلة الإنسان بربّه، وتؤثّر في أمن المجتمع واستقراره، وتتجلّى هذه المفاسد في مخالفةٍ صريحةٍ للأوامر الإلهيّة الّتي دعت إلى صيانة النّفس والمال، حيث يقول الله سبحانه {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النّساء: 29].
فالمتعاطي يقتل نفسه ببطءٍ، عبر تدمير أجهزته الحيويّة وخلاياه العقليّة، ويتسبّب في ضياع مَن يعول مِن زوجةٍ وأبناءٍ، وهو ما حذّر منه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ). سنن أبي داود: 1692
كما أنّ إنفاق الأموال الطّائلة على هذه الموبقات يدخل في باب التّبذير المحرّم، وإفساد النّعم الّتي يسأل الله عنها العبد يوم القيامة، حيث قال سبحانه {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26-27].
وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال كما في الحديث: (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ). صحيح البخاريّ: 1407
فإذا ضاع العقل والمال والنّفس؛ تفشّت السّرقات والاعتداءات والجرائم الأخلاقيّة في المجتمع، وانهدم السّلم الأهليّ، وصار المجتمع ضعيفًا مستباحًا لا أمان فيه.
ويكشف تتبّع مسار الضّحايا الّذين سقطوا في شِباك الإدمان عن ثغراتٍ واضحةٍ يتسلّل منها هذا الوباء الخبيث، ومِن أبرز أسباب التّعاطي ضعف الإيمان، والصّحبة السّيّئة، والفراغ، وضعف الوعي، والتّساهل مع التّجربة الأُولى، فالبداية قد تكون خطوةً صغيرةً، وتجربةً عابرةً؛ بدافع الفضول أو مجاراة الآخرين، لكنّها تقود حتمًا إلى طريق الهلاك والضّياع، ويمثّل جليس السّوء القوّة الدّافعة الأُولى للانحراف، إذ يزيّن للمتعاطي سلوك طريق الجريمة، ويهوّن عليه مقارفة الآثام، ويؤكّد القرآن الكريم أنّ النّدم الحقيقيّ يوم القيامة سيكون بسبب اتّباع رفقاء السّوء، حيث يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27-29].
2- طوق النَّجاة
إنّ معركة الوقاية مِن المخدّرات هي معركة وعٍي وبناءٍ وتحصينٍ، تتطلّب مسؤوليّةً تضامنيّةً شاملةً، لا تُعفى منها جهةٌ، وتبدأ الوقاية مِن الأسرة بالتّربية والمتابعة، وحسن اختيار الصّحبة، وتحصين الأبناء بالقِيم الإيمانيّة والأخلاقيّة، حيث جعل الإسلام الوالدين مسؤولَين مسؤوليّةً مباشرةً عن رعاياهم، وحمايتهم مِن النّار وأسبابها، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
وهنا يجب التّنبيه على أمرٍ بالغ الخطورة، يتساهل فيه كثيرٌ مِن النّاس، وهو أنّ تدخين الآباء خطوةُ تطبيعٍ مع تعاطي الأبناء المخدّرات، فهو عندما يرى أباه تجرّأ على ما يضرّ ولم يمنعه عقله وإرادته ودِينه عن ذلك، فإنّه يبيح لنفسه مِن باب القياس أن يتقدّم خطوةً على أبيه، فيزيد جرعة الضّرر، ليصل مِن التّدخين إلى المخدّرات، ولذلك تتطلّب مواجهة هذا الخطر تعاون المسجد والمدرسة بتقديم المناهج التّوعوية، والإعلام والجهات المختصّة في نشر الوعي وحماية المجتمع، كما يصبح عدم التّستّر على المروّجين والمفسدين واجبًا شرعيًّا كبيرًا لحفظ النّاس مِن شرهم.
لقد كانت المخدرات في بلادنا قبل التّحرير سلاحًا سياسيًّا خبيثًا توظّفه قوى الاستبداد لكسر إرادات الشّعوب الحرّة وتدمير مقدّراتها الحيويّة، حيث كان للنظام البائد دَورٌ قذرٌ وممنهجٌ في صناعة ونشر المخدّرات وتسهيل تداولها وتصديرها، بهدف تدمير عقول الشّباب وإغراقهم في وحل الغيبوبة والشّهوات، لإلهائهم عن المطالبة بحقوقهم وبناء أوطانهم، بالإضافة إلى استخدام هذه التّجارة المحرّمة لتمويل ميزانيّات القمع والفساد وتدمير النّسيج الأخلاقيّ للمجتمع، لضمان بقائه في الحكم وسيطرته.
إنّ الإسلام دِين رحمةٍ وإصلاحٍ وبناءٍ، يفتح ذراعيه لكلّ نادمٍ تائبٍ يعود إلى الصّواب، فباب التّوبة مفتوحٌ لكلّ مَن ابتُلي بهذه السّموم واستزلّه الشّيطان، حيث يقول الله تعالى القول المليء بالرجاء والأمل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
بل إنّ مِن كرم الله تعالى وفضله أنّه يقلب تلك السّنين المظلمة إلى حسناتٍ، ويسعد بنبذ العبد لطريق الضّياع، كما قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70].
خاتمةٌ:
لقد توجّه الأمر الإلهيّ للأمّة جمعاء ليسلكوا هذا الدّرب الإيمانيّ الحصين -دربَ التّوبة- في قوله سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النّور: 31].
مؤكّدًا أنّه سبحانه غافر الذنّب وقابل التّوب، حيث قال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشّورى: 25].
والمتعاطي في نظر المجتمع الواعي المسترشد بهذه النّصوص الشّريفة ليس مجرمًا مطرودًا، بل هو مريضٌ وضحيّةٌ يحتاج إلى علاجٍ ورعايةٍ وأخذٍ بيده برفقٍ وصبرٍ وصونٍ لكرامته، حتّى يصل إلى طريق الصّلاح والتّعافي والاندماج مجدّدًا في أسرته وعمله ومجتمعه، ومع كلّ هذه الرّحمة والاحتواء والشّفقة بالمبتلَى والضّحيّة، يكون الحزم الصّارم وأقصى درجات العقوبة والضّرب بيدٍ مِن حديدٍ مع مروّجي وتجّار ومصنّعي هذه السّموم، حمايةً للمجتمع وصيانةً لبيضة المسلمين مِن الهلاك والفساد، ومحافظةً على سلامة الأمّة وعقول أبنائها، لتبقى رايتها عزيزةً منيعةً.
إنّ عدوّنا متيقّظٌ تمامًا، ويضع الخطط الّتي يضمن بها السّيطرة علينا، ويمكرون ما يمكرون {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46].
فهل سنقاوم مكرهم بعقولٍ أذهلتها المخدّرات عمّا حولها، هل يردّ مكر اليقظان بعقلٍ غافلٍ لاهٍ! إنّ المحافظة على عقولنا هي أُولى خطوات النّصر والتّمكين وبناء المجتمع القويّ الحصين المترابط الصّامد أمام كيد الأعداء ومكر المتربّصين.
 
1 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 2003
2 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 4343
3 - ا�,,س�'�+�+ ا�,,�?بر�? �,,�,,�+�'سائ�?�': 5157
4 - س�+�+ أب�? دا�^د: 1692
5 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 1407
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158