السبت 4 صفر 1448 هـ الموافق 18 يوليو 2026 م
وجوهٌ باسمة عند الخاتمة
الأربعاء 23 محرّم 1448 هـ الموافق 8 يوليو 2026 م
عدد الزيارات : 234
وجوهٌ باسمة عند الخاتمة
عناصر المادة
1- ع�,,ا�...ات�OE �^بشارات�OE
2- ا�,,�,,�'�?حظة ا�,,أخ�?رة ع�+د ا�,,س�'�?�,,ف
مقدمة:
إنّ أعظم غايةٍ يتمنّاها المؤمن، وأسمى هدفٍ يطلب تحقيقه مِن ربّه عز وجل، أن يكرمه بالهداية الدّائمة، والتّوفيق للخير طول عمره، ثمّ يُتوَّج له هذا الإكرام بالتّوبة مِن الذّنوب، وستر العيوب، فيُقبَض على عملٍ مِن هذه الأعمال الصّالحة الّتي وفّقه لها، فالعبرة ليست بالبداية، بل بكمال النّهاية على خيرٍ، والسّعي لهذا الهدف كان وصيّة الأنبياء السّابقين {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].
ومِن دعاء الأبرار المقرّبين: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193].
ولذا فإنّ مِن توفيق الله للعبد أن يملأ قلبه بالإيمان واليقين، ويهديه الصّراط المستقيم، فيقضي العبد حياته في طاعة الله، ومَن كان كذلك فإنّ طول عمره يزيد في عمله الصّالح، فتزيد حسناته، ثمّ يكون تمام النّعمة عليه بأن يُختم له بعملٍ مِن الأعمال الصّالحة، وإنّ مِن الخذلان والخسارة أن يُمَدّ للعبد في عمره، ويُرزق عافيةً في جسده، فتمضي حياته في المعاصي والشّهوات، حتّى إذا دهمهم الموت، أو طرحهم المرض، عرفوا أنّ أعمارهم ضاعت سدًى، وأنّ أوقاتهم صُرفت للدّنيا الّتي عمروها ثمّ عنها سيرحلون، وإلى الآخرة الّتي أهملوها سيفدون، فما أشدّ ندمهم!  وما أفدح خسارتهم! {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100].
فطول العمر مع حسن العمل، ثمّ الخاتمة الحسنة نعمةٌ مِن الله، يهبها مَن يشاء مِن عباده، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ، قَالَ: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟، قَالَ: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ). سنن التّرمذيّ: 2330
ورغم أنّ الموت مصيبةٌ كما سمّاه الله جل جلاله بذلك {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106].
إلّا أنّ المصيبة العظمى، والأمر الأدهى مِن الموت، هو الحال الّتي يموت عليها العبد، مِن حسن الخاتمة أو سوئها، فالعبد مرهونٌ بعمله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، وإنّ قيمة العمل في حسن خاتمته، فكيف للمؤمن أن يحصّلها؟ وماهي علاماتها؟
1- علاماتٌ وبشاراتٌ
لقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم علاماتٍ يُستدلّ بها على حُسن خاتمة العبد، فمَن مات على واحدةٍ منها كان ذلك بشارةً له، وتحضره ملائكة الرّحمة والرّضوان، ومِن حكمة الله البالغة أن أخفى أمر الخاتمة، فلا يعلم أحدٌ أيختَم له بالخير أو الشّرّ، حتّى يجتهد العبد في تحصيل أسباب حسن الخاتمة، ويكثر التّعوّذ بالله مِن سوئها، قال ابن بطالٍ رحمه الله: "في تغيّب خاتمة العمل عن العبد حكمةٌ بالغةٌ، وتدبيرٌ لطيفٌ، لأنّه لو علم وكان ناجيًا أُعجب وكسِلَ، وإن كان هالكًا ازدادا عتوًّا، فحُجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرّجاء". مسند أحمد: 23022
ولا يلزم مِن توافر هذه العلامات أو بعضها في عبدٍ أن يُقطع له بالرّحمة أو الجنّة ولو كان مؤمنًا، إذ القلوب لا يعلم حالها إلّا الله، ومِن تلك العلامات رشح الجبين، عَنِ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: أَنَّهُ كَانَ بِخُرَاسَانَ، فَعَادَ أَخًا لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَوَجَدَهُ بِالْمَوْتِ وَإِذَا هُوَ يَعْرَقُ جَبِينُهُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَوْتُ الْمُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ). فتح الباري: 11/330
والموت غازيًا في سبيل الله، أو مرابطًا على ثغرٍ مِن الثّغور، دليلٌ على حسن الخاتمة، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ). مسند أحمد: 23951
ويُلحق به في حسن الخاتمة الأصناف الّذين عدّهم رسول الله مِن الشّهداء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي الشَّهِيدِ فِيكُمْ؟)، قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: (إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ). سنن ابن ماجه: 2804
ومَن خُتم له بعملٍ صالحٍ دلّ ذلك على حسن خاتمته، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ (يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ). مسند أحمد: 12214
2- اللَّحظة الأخيرة عند السَّلف
مَن قلّب صفحات التّاريخ، وقرأ تراجم الرّجال، وقف على أخبار أقوامٍ أحسنوا عملهم، فأحسن الله خواتمهم، وآخرين أساؤوا فساءت خواتمهم، وفي ذلك أبلغ عظةٍ، وأعظم عبرةٍ، فهذا عبدالله بن سعد بن أبي سرحٍ رضي الله عنه كان مِن كتّاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأزلّه الشّيطان، فلحق بالكفّار، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله، فاستجار له عثمان، ثمّ تاب وصدق في توبته، وجاهد في سبيل الله، واعتزل الفتنة، ومات على أحسن حالٍ، قال يزيد بن أبي حبيب: "لمّا احتضر ابن أبي سرحٍ، وهو بالرّملة، وكان خرج إليها فارًّا مِن الفتنة، فجعل يقول مِن اللّيل: آصبحتم؟ فيقولون: لا،  فلمّا كان عند الصّبح قال: يا هشام، إنّي لأجد برد الصّبح، فانظر، ثمّ قال: اللهمّ اجعل خاتمة عملي الصّبح، فتوضّأ، ثمّ صلّى، فقرأ بالأولى بأمّ القرآن والعاديات، وفي الأخرى بأمّ القرآن وسورةٍ أخرى، وسلّم عن يمينه، وذهب يسلّم عن يساره، فقُبض". سير أعلام النّبلاء: 3/35
وحكى نصر الله المصّيصيّ: "أنّه حضر عند شيخه أبي الفتح النّابلسيّ قبل موته، فسمعه يقول:  يا سيّدي، أمهِلُونِي، أنا مأمورٌ، وأنتم مأمورون، قال: ثمّ سمعت المؤذّن بالعصر، فقلت: يا سيّدي، المؤذّن يؤذّن، فقال: أجلِسْني، فأحرم بالصّلاة ووضع يده على الأخرى، وصلّى، ثمّ توفّي مِن ساعته رحمه الله". سير أعلام النّبلاء: 19/142
ومِن عجيب ما يروى في حسن الخاتمة: "أنّ أبا زرعة وأبا حاتمٍ الرّازيّين كانا مِن أئمّة الحديث، وكانا صديقين حميمين، اجتمعا على العلم، وشرفا بحفظ السّنّة وتعليمها، ثمّ ماتا وهما يعلّمان العلم، فأمّا أبو حاتمٍ كان آخر كلمةٍ قالها لأصحابه: أن روى لهم حديثًا خُتم له به، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ). سنن أبي داود: 3116
وأمّا أبو حاتمٍ، فقال ابنه عبد الرّحمن: حضرت أبي وكان في النّزع، وأنا لا أعلم، فسألته عن عقبة بن عبد الغافر، يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: له صحبةٌ، فقال برأسه: لا، فلم أقنع منه، فقلت: فهمت عنّي؟ له صحبةٌ، قال: هو تابعيٌّ، ثمّ مات عقب ذلك، قال ابنه عبد الرّحمن: فكان سيّد عمله معرفة الحديث، وناقلة الآثار، فكان في عمره يقتبس منه ذلك، فأراد الله عز وجل أن يظهر عند وفاته ما كان عليه في حياته". الجرح والتّعديل: 1/368
والأخبار في ذلك كثيرةٌ جدًّا، وما مِن أحدٍ إلّا وقد حضر، أو علم أحوال أقوامٍ خُتم لهم بصالح أعمالهم، والعبد مأمورٌ أن يجتهد في عبادة ربّه، مع رجائه له، ويسأله حسن الخاتمة.
خاتمةٌ:
إذ نعيش هذه الأيّام أجواء ترقّب الطّلاب لنتائج امتحاناتهم، حيث تخفق القلوب وجلًا، وتشرئبّ الأعناق رجاءً في أن تكون خاتمة عنائهم الدّراسيّ نجاحًا وتفوّقًا، فإنّ المشهد يستدعي تلقائيًّا المقارنة الكبرى مع الامتحان الأعظم والنّتيجة النّهائيّة في الآخرة.
إنّ هذا القلق الدّنيويّ المشروع ليس إلّا صورةً مصغّرةً، تذكّرنا بلهفة العبد ورجائه في أن يرزقه الله حسن الخاتمة لرحلة حياته، غير أنّ الفارق بين النّتيجتين شاسعٌ، فامتحان الدّنيا ممرٌّ يمكن تعويضه أو تكراره، أمّا امتحان الآخرة فهو المقرّ النّهائيّ الّذي لا استدراك بعده، وإذا كان الطّالب يرجو قطف ثمار سهره بورقةٍ تُكتب فيها كلمة (ناجح)، فإنّ المؤمن يعيش حياته وعينه على تلك اللّحظة الّتي يُقال له فيها: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46].
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 34].
(حسن الخاتمة) يكون نتاج عملٍ تراكميٍّ، يشبه تمامًا الاستعداد الطّويل للامتحان، وكما يبيت الطّالب ليلته منتظرًا النّتيجة بين الخوف والرّجاء، ترى المؤمن يرجو مِن الله أن يتقبّل سعيه، ليكون إعلان نتيجته الأخرويّة كتابًا يُعطى باليمين، يمحو معه كلّ نصب الدّنيا وعنائها.
إنّ العاقل ليجتهد في العمل، ويخاف سوء العاقبة، ولا يأمن مكر الله، بل إن كان في خيرٍ دائمٍ، ودعاءٍ مستمرٍّ، يسأل الله أن يختم له بخيرٍ ، وأن يجعل عمله متقبّلًا،  فمَن أمن في الدّنيا خاف يوم القيامة، ومَن خاف في الدّنيا أمن يوم القيامة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عز وجل، أَنَّهُ قَالَ: (وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). صحيح ابن حبّان: 665
فلنجدّد إيماننا، ولنستقم في عملنا، ولنحسن الظّنّ بربّنا، ولنسأله حُسن ختامنا.
1 - س�+�+ ا�,,ت�'ر�...ذ�?�': 2330
2 - �...س�+د أح�...د: 23022
3 - فتح ا�,,بار�?: 11/330
4 - �...س�+د أح�...د: 23951
5 - س�+�+ اب�+ �...اج�?: 2804
6 - �...س�+د أح�...د: 12214
7 - س�?ر أع�,,ا�... ا�,,�+�'ب�,,اء: 3/35
8 - س�?ر أع�,,ا�... ا�,,�+�'ب�,,اء: 19/142
9 - س�+�+ أب�? دا�^د: 3116
10 - ا�,,جرح �^ا�,,ت�'عد�?�,,: 1/368
11 - صح�?ح اب�+ حب�'ا�+: 665
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 158