الأحد 3 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 16 أغسطس 2026 م
مِن مفاتيح الرِّزق التَّسبيح
الخميس 9 صفر 1448 هـ الموافق 23 يوليو 2026 م
عدد الزيارات : 247
مِن مفاتيح الرِّزق التَّسبيح
عناصر المادة
1- �...فاتح ا�,,ر�'ِز�,
2- فسب�'ِح بح�...د رب�?
مقدمة
إنّ قضيّة الرّزق هي القضيّة الكبرى الّتي تشغل بال الإنسان، وتستنزف طاقته وتفكيره في هذه الحياة، وكثيرًا ما تزلّ أقدام البشر فيظنّون أنّ جلب الأقوات منوطٌ بالجهد البدنيّ والحركة المادّيّة المحضة، غافلين عن المنظومة الإيمانيّة المتكاملة الّتي صاغها الوحي الإلهيّ، لتربط بين حركة اللّسان بذِكر الله، ويقين القلب بالاعتماد عليه، وتدفّق العطاء الرّبّانيّ بمختلف أشكاله وألوانه.
وفي رحاب الشّريعة الإسلاميّة نجد أنّ الله لم يترك العباد حيارى، بل شرع لهم أسبابًا واضحةً لاستدرار الرّزق وبركته، وجعل هذه الأسباب مبثوثةً في آيات الكتاب ومحكم السّنّة النّبويّة، حيث يأتي في مقدّمة هذه الأسباب تقوى الله جل جلاله الّتي هي جِماع كلّ خيرٍ، وبها يجعل الله للمسلم مِن كلّ ضيقٍ مخرجًا ومِن كلّ همٍّ فرجًا ويرزقه مِن حيث لا يحتسب، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطّلاق: 2-3].
ويتبع التّقوى سببٌ عظيمٌ آخر يغفل عنه الكثيرون، وهو كثرة الاستغفار والتّوبة إلى الله، فالاستغفار بوّابةٌ لبركات السّماء والأرض، ونماء الأموال والأولاد، وهو ما حكاه القرآن الكريم على لسان نبيّ الله نوحٍ عليه السلام، حين قال لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].
وتأكيدًا على هذا التّرابط بين التّوبة وتدفّق الخيرات والأقوات يقول سبحانه على لسان نبي الله هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52].
1- مفاتح الرِّزق
لا تقتصر الأسباب التّعبديّة على ما سبق، بل تمتدّ لتشمل صلة الأرحام وبسط اليد بالخير للأقارب، فالإسلام جعل مِن صلة الرّحم سببًا مباشرًا لبسط الرّزق وزيادة العمر؛ بركةً فيه وتوفيقًا، وينضمّ إلى هذه الأسباب شكر النّعم والاعتراف بفضل المنعم سبحانه، فالشّكر هو قيد النّعم الموجودة وصيد النّعم المفقودة، وبقاؤه مشروط بالثناء على الله، كما قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
لتكتمل هذه المنظومة بالأخذ بالأسباب المادّيّة والضّرب في الأرض سعيًا وراء القوت، فالإسلام دِين حركةٍ وعملٍ، لا دِين خمولٍ وتواكلٍ، وقد أمر الله العباد بالمشي في أقطار الأرض للأكل مِن رزقه، فقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
وإذا أردنا الغوص في عُمق الأسباب الإيمانيّة، فإنّنا نجد رابطًا عجيبًا وسرًا يربط بين تنزيه الله جل جلاله وتدفّق الأرزاق على الخلائق، وهو ما يتجلّى بأبهى صورةٍ في وصيّة نبيّ الله نوحٍ عليه السلام لابنه عند وفاته، تلك الوصيّة العظيمة الّتي تحمل في طيّاتها مفاتيح الكون وأسرار الرّزق، وقد ساقها لنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتمامها وألفاظها وسياقها، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ سِيجَانٍ مَزْرُورَةٌ بِالدِّيبَاجِ... فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ، وَقَالَ: (أَلَا أَرَى عَلَيْكَ لِبَاسَ مَنْ لَا يَعْقِلُ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا عليه السلام لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ). مسند أحمد: 6583
إنّ العبارة النّبويّة الفاصلة في هذه الوصيّة الخالدة وهي قوله (وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ) تقطع كلّ شكٍّ، وتوضح أنّ تسبيح الله وتنزيهه وحمده ليس مجرّد عبادةٍ لسانيّةٍ يُثاب عليها العبد في الآخرة فحسب، بل هو صلاة الكون الكبرى والمحرّك الأساسيّ لعجلة الأرزاق والمقادير في الدّنيا، ويتأكّد هذا الملمح الكونيّ الفريد عندما نربط الوصيّة بقول الحقّ جل جلاله في سورة الإسراء: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44].
فهو عامٌّ في كلّ المخلوقات.
2- فسبِّح بحمد ربك
وفي آيةٍ أخرى تظهر طاعة الكون وتسبيحه لله، كما في قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].
فكلّ ما في هذا الوجود الشّاسع؛ مِن جمادٍ ميتٍ في نظرنا، وشجرٍ نابتٍ، ودوابّ تسعى، يلهج بقدسيّة الخالق عز وجل، بلسان الحال والمقال، وهذا التّسبيح الجماعيّ العامّ هو العلّة والسّبب وراء استمرار الحياة وتدفّق الأقوات والخيرات لكلّ هذه المخلوقات دون استثناءٍ، فكأنّ الكون كلّه يسبّح ليعيش، ويسبّح ليرزق.
ولا يمكن -بأيّ حالٍ مِن الأحوال- فصل هذا التّسبيح الكونيّ عن مفهوم التّوكّل الحقيقيّ على الله، بل إنّ التّسبيح والتّحميد هما الثّمرة الطّبيعيّة والنّتيجة المباشرة لامتلاء القلب باليقين وتفويض الأمر كلّه لله، فعندما يلهج العبد بكلمة "سبحان الله وبحمده" فهو يعترف بعظمة ربّه، وينزّهه عن العجز والفقر، ويقرّ بغناه المطلق وفضله الواسع، وهذا هو جوهر التّوكّل وحقيقته الّتي تؤكّد أنّ الأرزاق بيد الله وحده: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60].
وهنا يبرز الرّبط الإيمانيّ العجيب والتّوجيه النّبويّ الكريم الّذي يجمع بين حركة الجوارح ويقين القلب بعبادة التّسبيح، ويتجلّى هذا المعنى بوضوحٍ وجلاءٍ في حديث الطّير المشهور الّذي يربط التّوكّل الصّادق بالرّزق المادّيّ الملموس، إنّ الطّيور الضّعيفة لا تملك مصانع، ولا تخزن قوتًا، ولا تملك رواتب شهريّة، لكنّها تملك أمرين عظيمين هما سر بقائها ورزقها: الأمر الأوّل هو التّسبيح الدّائم كعبادةٍ كونيّةٍ فطريّةٍ تُفتح بها مغاليق السّموات، والأمر الثّاني هو الحركة الدّائبة والسّعي النّشيط مع تمام التّوكّل والاعتماد على الله، فهي تغدو في الصّباح الباكر جائعةً ضامرة البطون، وتروح في المساء شبعى ممتلئة الأجواف، فإذا تيقّن العبد بقلبه، وسبّح ربّه بحمده، وفوّض أمره بالكامل إليه، وأخذ بما تيسّر مِن أسباب السّعي، مستشعرًا قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: 6].
فإنّ الله سبحانه سيسوق إليه رزقه المقدّر كما يسوقه لتلك الطّيور السّابحة في ملكوته.
لكنّ الملمح الأسمى والأعمق الّذي يجب على كلّ مسلمٍ عاقلٍ أن يتنبّه إليه، هو أنّ الرّزق في المفهوم الإسلاميّ واسعٌ، ومِن الخطأ القاصر والجهل الفاضح حصر الرّزق في لقمة العيش، أو المأكل والمشرب، أو الدّينار والدّرهم فقط، فالطّيور والدّوابّ والحيوانات تسبّح وتُرزق هذا القوت المادّيّ البدنيّ، فتغدو خماصًا وتروح بطانًا لتشبع بطونها، ولكنّ الإنسان الّذي كرّمه الله وفضّله على كثيرٍ ممّن خلق تفضيلًا، خُص بأرزاقٍ مِن نوعٍ آخر.
خاتمةٌ:
مِن أعظم أرزاق المؤمن: دمعة العين الخاشعة مِن خشية الله في جوف الليل، تلك الدّمعة الّتي امتدح الله أصحابها بقوله: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
وخشوع القلب وانكساره بين يدي الخالق في الصّلاة، فهذا الخشوع رزقٌ يربط العبد بربّه ويفصله عن هموم الدّنيا وضيقها، كحال الّذين وصفهم الله بقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2].
وكذلك طمأنينة النّفس ورضاها بالمقسوم، فهي الرّزق الّذي يجعل العبد ملكًا غنيًّا وإن كان لا يملك مِن حطام الدّنيا قوتًا إلّا ليومه، وهو الّذي ذكره الله بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 58].
بالإضافة إلى لذّة الذِّكر والحلاوة الّتي يجدها المؤمن في مناجاة ربّه، والرّاحة الّتي تلازم المسبّحين كما في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} [طه: 130].
فهذه اللّذة والرّضا هي جنّة الدّنيا، ومِن أعظم أرزاق القلوب الّتي يُغبط عليها نائلوها، وينضاف إلى ذلك كلّه محبّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبّة الصالحين ومجالستهم: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7].
فهي الرّزق الّذي يعين العبد على طاعة ربّه ويوجّه خطاه نحو الجنّة، فعندما تسبّح الله وتتوكّل عليه حقّ توكّله، قد لا يأتيك الرّزق على هيئة أموالٍ طائلةٍ أو قصورٍ فاخرةٍ، بل قد يأتيك على شكل رضًا يملأ صدرك، أو سكينةٍ تحفّ بيتك، أو كفّ أذًى وشرٍّ كان قادمًا إليك، أو لذّةٍ مناجاةٍ تذوقها في سجودك، وهذا هو الفضل العظيم والرّزق الكريم الّذي يفيضه الله على عباده المسبّحين المتوكّلين.
 
1 - �...س�+د أح�...د: 6583
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 79%
غير فعال (صوتأ 28) 18%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 159