1- �?�^�... ا�,,ر�'�?ج�?ع أ�,,�...�OE �,,ا �?ض�?ع
2- غدر ا�,,�?ف�'�?ار �,د�?�...�OE �...تجد�'ِد�OE
مقدمة:
في زمنٍ اشتدّت فيه الكروب، وعظمت فيه الخطوب، وأحاط بالمسلمين البلاء، وكثر الكيد والمكر مِن الأعداء، يحتاج المسلمون في هذه الأجواء المعتمة إلى مطالعة تاريخ الصّدر الأوّل، والنّظر في سِير الصّحابة المجاهدين، والأنصار والمهاجرين، الّذين بذلوا النّفس والنّفيس لإعلاء كلمة الدِّين، ودعوة النّاس ليكونوا مسلمين، فبذِكر الصّالحين تحيا القلوب السّليمة، وتستروح النّفوس المؤمنة، وتبصر الحقّ أعينٌ غشيها الباطل، وتستبين الطّريق أقوامٌ ضلّته، وتلحق بالرّكب أناسٌ تخلّفت عنه، وهكذا تتعطّر المجالس، وتطرب الأسماع، ويعمر قلب العبد بالإيمان، وتتغيّر مجريات حياته، وتعلو اهتماماته، وتسمو نفسه، فلا يزيغ مع الزّائغين، ولا يهلك مع الهالكين، وإنّ مطالعة أخبار الثّابتين على الحقّ، المستسلمين لأمر الله عز وجل وحكمه، يعين على ثبات القلب، وسلامته مِن الفتنة، وصبره على البلاء، ولذا أردنا أن نقطف أزهارًا مِن حديقة الصّحابة الكرام رضي الله عنهم، الّذين هم خيار هذه الأمّة، عايشوا التّنزيل، وصحبوا سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ونشروا الإسلام في بقاع الأرض، عزّ الزّمان بمثلهم، وقلّما أن يجود بنظيرهم، فقد اصطفاهم الله عز وجل لرفقة نبيّهم الله عليه وسلم، واختارهم لتأييد شريعته دون سائر البشر، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ).
فمهما عمل مَن بعدهم لن يبلغ شأوهم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ).
صدقوا الله سبحانه فصدقهم، وحرصوا على الموت أكثر مِن رغبتهم في حياةٍ زائلةٍ، فنتذاكر اليوم أخبارهم لنتأسّى بهم، ونسير على نهجهم، وإنّ حديثنا عن هؤلاء الرّجال العظماء جدّ أليمٌ، فمصابهم جللٌ كبيرٌ، حيث ظهر في هذه الحادثة -الّتي هي محور حديثنا- صدق الصّادقين، كما انكشف كيد الكائدين، وغدر الكافرين، ولقد وقعت هذه القصّة المؤلمة مع ثلّةٍ مِن قرّاء الأصحاب الأبرار، حينما غدر بهم الكفّار في وقعة الرّجيع، فما تفاصيل هذه القصّة؟ وما العبرة منها؟
1- يوم الرَّجيع ألمٌ لا يضيع
في شهر صفر مِن السّنة الرّابعة للهجرة، وقعت حادثةٌ أليمةٌ لجمعٍ مِن خيار الصّحابة وقرّائهم، لقوا فيها ربّهم عز وجل، وهم ثابتون على دِينهم، موقنون بوعد مولاهم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ، قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا"، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: "قَنَتَ رَسُولُ اللهِ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، وَالصُّبْحِ، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ، عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ، فَقَتَلُوهُمْ".
وقد أخذ العلماء مِن ذلك مشروعيّة القنوت في الصّلوات الخمس في النّازلة العظيمة تنزل بالمسلمين، كما أخذوا مشروعيّة الدّعاء على المشركين المحاربين، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو للمسالمين، ويدعو على المحاربين، وموجبات الدّعاء عليهم الّتي وُجدت على عهد رسول الله موجودةٌ في عصرنا هذا، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ).
وكذلك كان مِن هديه الدّعاء للمسالمين بالهداية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: (اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهَا).
وقد وقعت كرامةٌ لأحد القتلى يومئذٍ، عَنْ عُروَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، قالَ لَهُ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذا؟ فَأَشارَ إلى قَتِيلٍ، فقالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ: هَذا عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَقالَ: لقد رَأَيْتُهُ بَعْدَما قُتِلَ رُفِعَ إلى السَّماءِ، حَتَّى إِنِّي لأَنْظُرُ إلى السَّماءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ، ثُمَّ وُضِعَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَبَرُهُمْ فَنَعاهُمْ، فَقالَ: (إِنَّ أَصْحابَكُمْ قَدْ أُصِيبُوا، وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ، فقالُوا: رَبَّنا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوانَنا بِما رَضِينا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا. فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ)، وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أَسْماءَ بْنِ الصَّلْتِ فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ، وَمُنْذِرُ ابْنُ عَمْرٍو سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا.
2- غدر الكفَّار قديمٌ متجدِّدٌ
إنّ الغدر خلقٌ ذميمٌ نهت عنه الشّريعة الإسلاميّة، وأنكرته الفِطرة السّويّة، حيث إنّه يجمع كلّ معاني السّوء والفساد، ولقد أعلن الله عز وجل الحرب على الغادرين الخائنين، وتوعّدهم بالفضيحة على رؤوس الأشهاد، وقد وقعت فيما مضى قصصٌ مؤلمةٌ كان زعماؤها اليهود الغادرون، والكفّار المشركون، غدروا بالأنبياء والرّسل الأطهار، ثمّ بالصّحابة القرّاء الأبرار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَّةِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ، فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا حَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إِلَى مَوْضِعٍ فَأَحَاطَ بِهِمِ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صلى الله عليه وسلم، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ أُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَانْطُلِقَ بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهْيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، قَالَتْ: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ، لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: وَاللهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلَاةَ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا.
خاتمةّ:
ما أحوجنا أن نستلهم الدّروس والعِبر الّتي انطوت عليها حادثة الرّجيع، وإنّه لجديرٌ بالمسلم أن يتأمّلها، ولا سيّما في وقتٍ تعظم فيه المحن، وتشتدّ فيه الأزمات، حيث تبيّن هذه الحادثة حقيقة المشركين، وشدّة عداوتهم للمؤمنين، وغدرهم بهم، كلّما سنحت لهم فرصةٌ للغدر، كما تبرز حجم الابتلاء الّذي ابتلي به هؤلاء النّخبة مِن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد خرجوا يعلّمون النّاس القرآن، فقُتلوا خيانةً وغدرًا، وما كاد رسول الله وأصحابه الكرام يكفكفون دموعهم على شهداء أُحدٍ حتّى ابتُلوا بقتل سبعين آخرين في هذه الحادثة الفظيعة، وليس بين الحادثتين إلّا قريبٌ مِن ثلاثة أشهرٍ، فابتلاءٌ يعقبه ابتلاءٌ للمؤمنين، وليس المسلمون في هذا العصر بأكرم على الله جل جلاله مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلّاء، الّذين ابتُلوا أشدّ الابتلاء، ولكن مَن أراد ثواب الآخرة صبر على ابتلاءات الدّنيا، والابتلاء سنّةٌ ماضيةٌ؛ أكثر ما تحلّ بالأنبياء المطهَّرين وأتباعهم المقرّبين، ومِن أهمّ الدّروس الّتي يحتاجها المسلم في هذا الزّمن مِن تلك الحادثة: ثبات هذه العصابة المؤمنة على دِينهم حتّى لقوا الله عز وجل، وكان أشدّ شيءٍ حرصوا عليه وهم يلقون الله أن يبلّغوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلّغوا إخوانهم رضاهم عن ربّهم بما أكرمهم به مِن الشّهادة والكرامة، حتّى يثبت إخوانهم على دِينهم مهما كان الثّمن غاليًا، ذلك أنّ رضى الله يستحقّ كلّ تضحيةٍ، وثمّة أمرٌ آخر ينبغي أن نتنبّه له، وهو أنّ الخوف على الأنفس لا يسوّغ وقف الدّعوة إلى الله جل جلاله، فكيف بما دونه مِن أسبابٍ؛ كالخوف على الجاه والمنصب والمال وغيره، فلنحذر عدوّنا، ولنثبت على صراط ربّنا، ولندع إلى دِيننا مهما كلّفنا الثّمن.