الجمعة 29 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 11 سبتمبر 2026 م
الأُسوة الحَسنة
الخميس 30 صفر 1448 هـ الموافق 13 أغسطس 2026 م
عدد الزيارات : 415
الأُسوة الحَسنة
عناصر المادة
1- �...�,ا�...�OE سا�...ٍ
2- �...�?ار�... ا�,,أخ�,,ا�,
مقدمة:
إنّ الحديث عن مقام الجناب النّبويّ الشّريف مِن جوهر الإيمان، ونبض العقيدة، فهو شريان الحياة النّابض في جسد الأمّة، فالله سبحانه لم يبعث سيّدنا محمّدًا ليكون مصلحًا اجتماعيًّا فحسب، بل جعله رحمةً للعالمين، ومثالًا أعلى للبشريّة، ومنارةً هاديةً تستضيء بها العقول والقلوب في ظلمات المادّيّة والجهالة، وتأتي قيمة الاقتداء بالنّبيّ أصلًا عظيمًا مِن أصول هذا الدّين، وقاعدةً متينةً ينبني عليها قبول الأعمال وصلاح الأحوال في الدّنيا والآخرة، مصداقًا لقول الحقّ جل جلاله في محكم التّنزيل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١].
إنّ هذه الآية الكريمة تمثّل دستورًا تربويًّا وأخلاقيًّا شاملًا، يربط السّلوك البشريّ بالغايات الأسمى، ويجعل مِن شخصيّة الرّسول الأعظم الميزان الفاصل الّذي تُقاس به استقامة الأمم ورفعتها، وحين تُطلق الأوقاف حملة شهر آب المبارك تحت شعار (بالنّبيّ أقتدي) فإنّها لا تقيم نشاطًا مؤقّتًا، بل توقظ في وعي الأمّة سرّ وجودها، وتبعث في عروق الجيل الجديد دماء العزّة والصّلة بالمصدر الصّافي.
إنّ محبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره ليست مشاعر عاطفيّةً باردةً تُترجم بالكلمات، بل هي التزامٌ قلبيٌّ، وعمل جوارحٍ، وامتثالٌ كاملٌ يقود صاحبه إلى تلمّس خطى الحبيب في حركاته وسكناته، في عباداته ومعاملاته، وفي سِلمه وحربه، حتّى يمتزج الهوى الشّخصيّ بما جاء به الوحي الشّريف، وبذلك يتحقّق كمال الإيمان، الّذي نطق به الصّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
1- مقامٌ سامٍ
لقد فاضت آيات الكتاب الحكيم ونصوص السّنّة المطهّرة بذِكر الفضائل العظمى والمكانة الأسمى الّتي اختصّ الله بها نبيّه ومصطفاه محمّدًا صلى الله عليه وسلم، وهي فضائل تعجز الأقلام عن الإحاطة بكنهها، فقد أقسم الله عز وجل بعمره الشّريف في القرآن، فقال سبحانه: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: ٧٢].
وما أقسم بحياة نبيٍّ غيره، ورفع ذِكره في العالمين؛ فقرن اسمه باسمه في الأذان والتّشهّد والخُطب، فقال سبحانه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشّرح: ٤].
ووصفه بالرّأفة والرّحمة الشّاملة لأمّته، فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التّوبة: ١٢٨].
وشهد له بأعلى مراتب الأخلاق، فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤].
وجعل -سبحانه- طاعته مِن طاعته، ومبايعته مِن مبايعته، فقال في سورة النّساء: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النّساء: 80].
وقال في سورة الفتح: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10].
كما جعل اتّباع نهجه شرطًا وحيدًا لنَيل محبّته ومغفرته، فقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: ٣١].
أمّا في السّنّة النّبويّة، فقد تواترت الأحاديث الّتي تكشف عن عظيم قدره عند ربّ العالمين، ومِن ذلك: حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ). صحيح مسلمٍ: 2278
وفي حديثٍ آخر يوضح رتبته واصطفاءه بين الخلائق، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ). صحيح مسلمٍ: 2276
وجاءت الأحاديث تؤكّد أنّ النّجاة ودخول الجنّة مرهونان بالاستجابة له ولأمره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى). صحيح البخاريّ: 7280
2- مكارم الأخلاق
ولم يقف فضل الرّسول الأعظم عند حدود الفِكر والعقيدة، بل امتدّ ليشمل بناء السّلوك الإنسانيّ القويم وتهذيب النّفوس وتكميلها، إذ حدّد غاية بعثته الشّريفة ورسالته الأخلاقيّة بقوله: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ). مسند أحمد: 8952
فكلّ خُلقٍ حسنٍ، وكلّ لفتةٍ إنسانيّةٍ راقيةٍ، وكلّ أدبٍ رفيعٍ نراه أو نمارسه في حياتنا المعاصرة، هو في الحقيقة أثرٌ مِن آثار غرسه، وفضلٌ مِن فضائله الشّريفة الّتي أهداها للأمّة لتتحوّل إلى منهاج حياةٍ يوميٍّ، فالمؤمن في تفاصيل يومه يقتفي أثر نبيّه، فإذا دخلتَ بيتك وتبسّمتَ في وجه أخيك أو زوجك أو أبنائك ناشرًا للفرح، فإنّك تترجم حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ). سنن التّرمذيّ: 1956
وإذا بكى طفلك الصّغير فحنوت عليه، وضممته إلى صدرك، ومسحت دموعه مشفقًا، فإنّك تُحيي سنّته ورحمته بالصّبيان والعيال، وتستشعر فضله حين قبّل الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ: (مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ). صحيح البخاريّ: 5997
وإذا أهداك أحد جيرانك أو أصدقائك هديّةً يسيرةً أو عظيمةً، ففرحت بها وقبّلتها وشكرته عليها، أو إذا بادرت أنت بإهداء مَن تحبّ لتأليف القلوب، فإنّ هذا السّلوك الرّاقي صدًى مباشرٌ لتوجيهه الشّريف في الحديث: (تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ). مسند أحمد: 9250
إنّ تفاصيل حياتنا اليوميّة؛ مِن مأكلٍ ومشربٍ، وإفشاءٍ للسّلام، ومساعدةٍ للضّعيف، وصبرٍ على الأذى، كلّها نصوصٌ نبويّةٌ حيّةٌ تمشي على الأرض، تؤكّد أنّ فضله يطوّق أعناقنا في كلّ لحظةٍ.
إنّ الاقتداء بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يستلزم بالضّرورة ترسيخ عقيدة التّعظيم والإجلال لمقامه الشّريف، فالتّعظيم هو الوقود القلبيّ الّذي يحرّك الجوارح للاتّباع دون تردّدٍ، وقد رسم القرآن الكريم معالم هذا الأدب الرّفيع مع شخص الرّسول في آياتٍ محكماتٍ زجرت عن أدنى تساهلٍ في حضرته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].
إنّ التّهديد بحبوط العمل الصّالح لمجرّد رفع الصّوت دليلٌ على أنّ توقير النّبيّ  صلى الله عليه وسلم أصلٌ يحمي سائر العبادات مِن الحبوط والفساد.
خاتمةٌ:
إنّ حملة (بالنّبيّ أقتدي) دعوةٌ لإعادة صياغة الهويّة، ونقطة انطلاقٍ لتصحيح المسار، وسدّ الفجوة بين التّنظير والتّطبيق، إنّ الأمّة اليوم -في ظلّ ما تواجهه مِن تحدّياتٍ فكريّةٍ واجتماعيّةٍ وأخلاقيّةٍ متسارعةٍ- أحوج ما تكون إلى العودة الصّادقة إلى النّبع النّبويّ الأصيل، والارتواء مِن شمائله وسيرته العطرة الّتي صانت الفرد، وبنت الأسرة على أسس المودّة والمرحمة، ونهضت بالمجتمع إلى معالي الحضارة السّامية والمستقيمة، إنّ كلّ مسلمٍ يحمل اليوم فوق عاتقه مسؤوليّةً كبرى وأمانةً عظيمةً في إحياء القلوب بمحبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وربط الأمّة بنبيّها ربطًا وثيقًا، لا تزعزعه الأهواء ولا تتقاذفه الفتن، ولن يتأتّى هذا الإحياء إلّا بتحويل المساجد، والبيوت، والمؤسسّات التوجيهيّة، إلى مناراتٍ حيّةٍ تشعّ بخلُقه، وتنشر هديه، وتحث المصلّين وعموم المجتمع على ترجمة تلك المحبّة إلى سلوكٍ عمليٍّ معاشٍ، وأخلاقٍ حميدةٍ تظهر في البيوع والبيوت، وفي التّعامل مع الصّغير والكبير، وفي الاستقامة على نهجه المستقيم، فلنجعل مِن هذا الشّهر فرصةً لتجديد البيعة والعهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنهتف جميعًا بأقوالنا وأعمالنا: (بالنّبيّ أقتدي)، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا كمال اتباعه؛ ظاهرًا وباطنًا، وأن يحشرنا في زمرته، ويجعلنا مِن أهل شفاعته، ويسقينا مِن حوضه المورود شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، ولنكثر ما أمكننا مِن الصّلاة والسّلام عليه، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟ -قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ- قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ جل جلاله حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ). سنن أبي داود: 1531
 
1 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 2278
2 - صح�?ح �...س�,,�...ٍ: 2276
3 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 7280
4 - �...س�+د أح�...د: 8952
5 - س�+�+ ا�,,ت�'ر�...ذ�?�': 1956
6 - صح�?ح ا�,,بخار�?�': 5997
7 - �...س�+د أح�...د: 9250
8 - س�+�+ أب�? دا�^د: 1531
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 126) 79%
غير فعال (صوتأ 28) 18%
لا أدري (صوتأ 5) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 159