سجدةُ الاقترابْ في زمن الاغترابْ
الكاتب : رابطة خطباء الشام
الأربعاء 2 ديسمبر 2020 م
عدد الزيارات : 647

مقدمة:

من يبتغي التَّفوق في دراسته؛ يمنع جفنَه لذيذَ الكرى، ويحرِم نفسه من ملذّاتها، ويستذكر عند كلّ تعبٍ ونصبٍ مقامه الَّذي يرنو إليه، ومكانَته الّتي يسمو بها، فتضمحِلُّ أمامه لحظاتُ التَّعب، وبأوّل مقامٍ يبلُغه في تفوُّقه ينسى تماماً كلَّ مراحل السَّهر والتَّعب والمشقّة، فالحاجة إلى هذا المقام ولَّدت الرّغبة، والرّغبة أنتجت الهِمّة، وبالهمّة نَسِي راحة نفسه أمام ما يطلب، هذا في مقامٍ دنيويٍّ قد يبلِّغه وظيفةً أو مالاً ورغد عيشٍ ليس إلّا، فكيف إذا كان المقامُ مقام قربٍ من الله تعالى؟!
المؤمن الّذي تتشوَّفُ روحه للوصال ويتطلَّع قلبه لنعيم القرب؛ يضع أشرفَ شيءٍ عنده -وهو جبينه- مكان دوسِ الأقدام، إخباتاً وانكساراً وإرضاءً لمولاه، مستشعراً معنى القرب في ساحِ العبوديّة، لا سيّما وهي تمتزج بدموعٍ تخرج من قلبه مروراً بعينيه، تضمَحِلُّ كلّ الهموم بتلك السّجدة، تتبدَّدُ كلّ الأحزان بهاتيك اللَّحظة، يبثُّ كلّ شكواه في هذا المحراب.
قل لي بربّك كيف يحزن من أوتي تلك السّجدة؟!
من ذا الّذي تتسرّب الهموم إليه وهو يملك هذا الكنز العظيم؟!
أو كيف يخشى السّاجد أحداً وهو يؤوي إلى هذا الرّكن الشّديد؟!
1- السّجود أسرارٌ وأنوارٌ
كما أنَّ العيون بحاجةٍ إلى نورٍ لتبصر؛ كذلِكُم القلوب هي بأمسّ الحاجة إلى النّور حتّى تبصر، وإن كان أمد العيون محدَّداً؛ فرؤية القلوب بلا حدٍّ، وعلى قدرِ تلك البصيرة تأتي حاجتها إلى الأنوار، ولعلّ أبلغ إمدادٍ لنور القلوب هي تلك السَّجدة الّتي يخشع فيها القلب، وتدمع فيها العين، وتتذلَّلُ فيها الجوارح ساكنةً هادئةً في مِحرابها، تستمدّ الأسرار والأنوار، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم..، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: (اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا)، أَوْ قَالَ: (وَاجْعَلْنِي نُورًا). صحيح مسلم: 763
ومن تلك الأسرار: رفعُ الدّرجات وحطُّ الخطيئات، عَن مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ؟ أَوْ قَالَ قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ، فَسَكَتَ. ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ. ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً). صحيح مسلم: 488
ومن تلك الأسرار: استجلاب العزَّة، إذ إنَّ أعزَّ الأعضاء على الإنسان وأعلاها جبهتُه، فحينما يدنو المؤمن من باب الله تعالى بغاية الذُّلِّ والتَّواضع والعبوديّة فهو يستجلب عزَّة الإيمان، والعزّة لله تعالى يمنحها لعبده المؤمن بقدر استجابته لله تعالى وقربه منه {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19].
ومن عظيم الأسرار وجميل الأنوار: أنّ النّار لا تأكل موضع السّجود، (حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ المَلاَئِكَةَ: أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ). صحيح البخاريّ: 806
قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].
وتتجلَّى عظمَة السُّجود في أنَّه: بابٌ لاستجابة الدعاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ). صحيح مسلم: 482
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عز وجل، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ). صحيح مسلم: 479
وإنَّ أعظم الأسرار وأبلغ الأنوار: أنَّ السّجود في الدّنيا متَّصلٌ برؤية الحقّ جل جلاله في الآخرة، وهي أعظمُ منَّةٍ يمتنُّ الحقُّ عز وجل بها على أهلِ الجنَّة، مفتاحها السُّجود بين يديِّ الرَّب سبحانه، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي البَدْرَ- فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا) ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39]. صحيح البخاريّ: 554
2- سجدة الحبّ؛ سبيلٌ إلى مقام القرب
المؤمن له جنَّتان، لا يدخل الثّانية إن لم يدخل الأولى، وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: "إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً، مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ". مدارج السّالكين، ج1، ص452
إنها جنَّة سجدة القُرب من الله تعالى، إنَّها جنَّة: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، إنَّها الجنَّة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قربه من ربِّه جلَّ في علاه، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا، فقَالَ: أَقُولُ يَا أُمَّهْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا، قَالَ: فَقَالَتْ: دَعُونَا مِنْ رَطَانَتِكُمْ هَذِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: (يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي) قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟، قَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ...}» الْآيَةَ كُلَّهَا [آل عمران: 190]. صحيح ابن حبّان: 620
ما أحلاها من لحظاتٍ، إنَّها لحظات الانكسار والنَّدم، إنَّها لحظات استشعار الفقر والحاجة بين يدي من بيده ملكوتُ السَّموات والأرض، ما أجملها من لحظةٍ وأنت تشعر بحاجةٍ روحك إلى الدّخول إلى محراب القُرب، تشعر أنّك تأخّرت فتسرع وتَحثُّ الخُطا نحو مِحرابك لتتذلّل، وتقدّم طلباتك، وتعرض حالك، وتسأل مولاكَ القَبول على ضعفِك وتقصِيرك، وما أجمل الدّعاء الّذي انبثق في لحظة قربٍ في سجود النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والّذي هو مدرسةٌ في رحاب القرب: (اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين). صحيح مسلم: 771
ولمّا كان السّجود باب الوصول ومفتاح القبول؛ دلّ عليه الرّسول، رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: (سَلْ) فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: (أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: (فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ). صحيح مسلم: 489
خاتمةٌ: 
من لم يتعرّف على الله تعالى من خلال السّجود ومَعمَعَةِ الجبين بين يدي الله تعالى فليُسرع قبل فوات الأوان، ومن لم يَذُق هذا النَّعيم إلى الآن فليُحصِّل ما بقي من عمره منه، فإذا رحل ولم يَذُقْه فعلى أيّ نعيمٍ في الدّنيا قد حصل؟! قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42].
وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا). صحيح البخاريّ: 4919
ومن ذاقه ولم يتَمعَّن به ويتضلّع منه فليُطل وليأخذ أوفى نصيبٍ، وليَطْعَمْ من طعام القُربِ، وليشرب من شراب الأُنْس، فكم من راحلٍ يتمنَّى لو قضى حياته كلّها ضمن نعيم تلك السّجدة، ومن كثُرت عليه الهموم وتراكمت عليه الأحزان؛ فليس له إلَّا باب الرّحيم الرّحمن، وليدخل إليه من باب السّجود، فكم من غمَّةٍ كشفتها -بإذن الله- سجدةٌ! وكم همٍّ تبدَّد في سجدةٍ! وكم من كُربٍة نفَّستها سجدةٌ! وكم بعيدٍ قرَّبته سجدةٌ! قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19].
 

https://shamkhotaba.org