مِن دُروس رمضان الثَّورة على الطُّغيان
الكاتب : رابطة خطباء الشام
الأربعاء 13 مارس 2024 م
عدد الزيارات : 387
مقدمة:
يُحدث المرء عاداتٍ يحكمها في بادئ الأمر، حتّى إذا استحكمت في نفسه حكمته، وربّما حكمت بعده أجيالًا مِن نسله، يعتاد مثلًا أن يتناول طعامه في موعدٍ محدّدٍ، فينسجم جسمه مع هذه العادة، فإذا جاء الموعد أرسل له جسمه رسائل الجوع ليستجيب لها فيقوم إلى الطّعام، وربّما ورّث هذه المواعيد إلى أبنائه إذ يجتمعون معًا على مائدةٍ واحدةٍ، ويعتاد أحدهم أن يشعل سيجارةً عند الغضب وعند الفرح وبعد الشبع ثمّ تحكمه هذه العادة، فلا ينظر إلى أضرارها لأنّه بات محكومًا لها، وربّما فعل ذلك أبناؤه مِن بعده.
وقد أثبت القرآن تأثّر الأبناء بعادات الآباء ومألوفاتهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
فقد يفعل الأبناء الفاحشة لاعتياد آبائهم عليها {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].
ولمّا سأل إبراهيم عليه السلام قومه عن عبادتهم الأصنام تعلّلوا بفعل الآباء {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 52-54].
وقد عمّم الله ذلك في كلّ الأمم {كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 23-24].
وربّما خضع الآباء لظلم الحاكم فأورثوا أبناءهم هذا الخضوع، إذ ينشأ ناشئهم يرى أباه يدفع الضّرائب الظّالمة ساكتًا راضيًا فيعتقد أنّه مِن حقّ الحكّام أن يجلدوا ظهور النّاس ويأخذوا أموالهم ظلمًا وعدوانًا، وبما أنّنا في الشّهر المبارك، فهل يمكننا أن نثور على طغيان نفوسنا الظّالمة؟ وعلى طغيان الحكّام الظّلمة؟
1- ثورةٌ على العادات
يأتي رمضان على النّاس وقد اعتادوا طيلة أحد عشر شهرًا أن يأكلوا في النّهار، فيقلب لهم هذا النّظام رأسًا على عقبٍ، ويدعوهم أن يقوموا للأكل قبيل الفجر، وهو آخر ما يمكن أن يفعله مَن لا يرغب بالصّيام، لكن النّصّ يسوق النّاس إلى تغيير ما اعتادوه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
وفي الصّوم ثورة المرء على شهواته وتحجيمه لها، بل جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم علاجًا لمن لم يجد ما يتزوّج به، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ). صحيح البخاريّ: 1905
وفي رمضان ثورةٌ على شحّ النّفس {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النّساء: 128].
حيث شرع الله فيه صدقة الفطر طهرةً للصّائم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ". صحيح البخاريّ: 1503
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود النّاس وأجود ما يكون في رمضان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ". صحيح البخاريّ: 6
وفي رمضان ثورةٌ على الأثرة، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ حَاجًّا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ). السنن الكبرى للنّسائيّ: 3316
وفي رمضان ثورةٌ على قطع العلاقات بين الأزواج، وفيه عودة المياه إلى مجاريها {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187].
وفيه ثورةٌ على سوء الخلُق، عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ). صحيح البخاريّ: 3/26
2- ثورةٌ على الظُّلم
يوافق يوم الجمعة هذه ذكرى انطلاق الثّورة السّوريّة على الظّلم والطّغيان، الّذي مارسته عائلة الأسد المجرمة على الشّعب السّوري، خلال نصف قرنٍ مِن الزّمن، وقد تفنّنت تلك العائلة في ظلم السّوريّين، وسامتهم مختلف أنواع القهر والاستعباد، وكان أقبح مظاهر ظلمهم: عداؤهم للدِّين وللصّلاة، فلا يسمحون بإقامة الشّعائر؛ كصلاة الجمعة والجماعات في جيشهم، ويستعملون ذلك الجيش لقهر السّوريّين مِن طرفٍ، ولحماية إسرائيل مِن طرفٍ آخر، ويدّعون أنّهم يقاومون المحتلّ، ثمّ تنظر فترى الجولان محتلًّا منذ عقودٍ، وهم بذلك راضون، وترى أنّ أهل غزّة يعانون كلّ أنواع الظّلم مِن قصفٍ وتهجيرٍ وتجويعٍ ومع ذلك يكتفي إعلام النّظام المجرم بالكلام، فأين المقاومة المدّعاة؟ وأين الجيش الّذي ينهى أفراده أن يجتمعوا إلى صلاة الجمعة؟ إنّه مشغولٌ بقتل السّوريّين، وقد توعّد الله مَن ينهى عن الصّلاة {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9-10].
نظامٌ يقوم عسكره بتصفية المدنيّين معصوبي الأعين، يأمرهم أن يركضوا وأمامهم حفرة لا يعلمون بها، فإذا وصلوا إليها رماهم بالرصاص فأرداهم ثمّ أضرم في جثثهم النّار، وهو يوثّق ذلك، ثمّ ينتشر ما وثّقه فيراه القاصي والدّاني، هل يتصوّر المرء مِن هذا النّظام وعسكره نصرةً للقضيّة الفلسطينيّة، أو تحريرًا لمرتفعات الجولان؟ وهل يتصوّر منه ذلك وهو الّذي يحتجز المعتقلين الأسرى ويسومهم سوء العذاب! وهو الّذي أمطر المدن السّوريّة بوابل القذائف والبراميل، فقتل الأطفال في أسرّتها، ووأد الصّغار تحت الرّكام {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التّكوير: 8-9].
وإذا كان رمضان ثورةً على عاداتنا فليكن أيضًا استمرارًا لثورتنا على النّظام المجرم، ولنجتمع مرّةً بعد مرّةٍ في السّاحات، لنؤكّد للعالم أجمع أنّنا ما زلنا على ثورتنا صامدين مثابرين، ولنخبر الدّاخل والخارج أنّنا ما زلنا نرفض الظّلم، فلا نقبل به لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيدٍ، فنحذّر بذلك كلّ ظالمٍ يريد بثورتنا شرًا، ويريد أن يجعل الثّورة مزرعةً له ولفصيله، فيحتكر التّجارة في يده، ويضع الضّرائب على الآخرين، فتضيق معايش النّاس وينتفخ جيبه ويجوع الأخرون. هذا وإن مِن أقبح الظّلم أن يُساق النّاس إلى المعتقلات بالشّبهة والظّنون، فيسامون في المعتقل ألوانًا مِن العذاب حتّى يقضي أحدهم تحت التّعذيب، ألا يستدعي ذلك منّا وقوفًا في وجه الظّالم علّه يرتدع، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ، فَقَتَلَهُ). المعجم الأوسط: 4079
إنّنا اليوم مدعوّون أكثر مِن أيّ وقت مضى إلى أن نرفع صوتنا في وجه الظّلم، وأن نطالب بالإصلاح الدّاخليّ لبيتنا الثّوريّ، وإنّ مَن نجح في رفع صوته ضدّ الظّالم الأكبر هو أنجح ضدّ الظلمة الصّغار.
خاتمةٌ:
رمضان شهرٌ له في شريعتنا امتيازٌ لا يخفى على أحدٍ، فهو ثورةٌ على ما اعتدنا عليه في سائر أيّامنا، ليثبت لنا إمكانيّة التّغيير، وواقعيّتها، فلو قيل لمدخّنٍ خارج شهر الصّوم أن صم واقرأ القرآن وقم اللّيل لاستكثر ذلك واستبعد أن يطيقه، فإذا جاء شهر الصّوم رأيته مقبلًا على ذلك، وهذا فيه أهمّيّة اجتماع النّاس على الطّاعة، فالمرء إذ يرى إقبال النّاس على الطّاعة تقبل نفسه عليها، فإذا انتهى رمضان فاحرص أن تجعل نفسك في زمر الطّائعين، تجد حينها أنّك على الطّاعة أجدر وأقدر، وقد أُوصي قاتل مئة نفسٍ أن يترك أرضه ويلتحق بأرضٍ يُعبد فيها الله، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي (إِنَّ عَبْدًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: بَعْدَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا قَالَ: فَانْتَضَى سَيْفَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَكْمَلَ بِهِ الْمِائَةَ، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ اخْرُجْ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا، فَاعْبُدْ رَبَّكَ فِيهَا). سنن ابن ماجه: 2622
فإذا كنّا في ثورتنا على أنفسنا نحتاج أن يشدّ بعضنا أزر بعضٍ؛ فكذلك في ثورتنا على الظّلم، وإذا كنّا بحاجةٍ أن نحمي رمضاننا مِن عادات السّوء الّتي توشك أن تلتصق به؛ كمتابعة المسلسلات وغيرها فتحرفه عن مقصده، فإنّنا كذلك بحاجةٍ أن نحمي ثورتنا ممّن يريد حرفها عن مسارها.
 

http://shamkhotaba.org