شهر التَّوبة وغسل الحَوبة
الكاتب : رابطة خطباء الشام
الخميس 13 مارس 2025 م
عدد الزيارات : 271
مقدمة:
رمضان شهرٌ كريمٌ مباركٌ مِن جوانب متعدّدة، فهو زمان الخيرات والبركات وتضاعف الحسنات، ففيه مثلًا ليلة القدر، وهي خيرٌ مِن ألف شهرٍ؛ أي العبادة فيها خيرٌ مِن العبادة في ألف شهرٍ، والعمرة في رمضان تعدل حجّةً؛ عَنْ عَطَاءٍ رحمه الله قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا؟)، قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ، فَرَكِبَهُ أَبُو فُلاَنٍ وَابْنُهُ، لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا، وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: (فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ). صحيح البخاريّ: 1782
أي تعدل حجّةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر أبو بكر بن أبي مريم -مِن السّلف- عن أشياخه أنّهم كانوا يقولون: "إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنّفقة، فإنّ النّفقة فيه مضاعفةٌ كالنّفقة في سبيل الله، وتسبيحةٌ فيه أفضل مِن ألف تسبيحةٍ في غيره، قال النخعيّ: صوم يومٍ مِن رمضان أفضل مِن ألف يومٍ، وتسبيحةٌ فيه أفضل مِن ألف تسبيحةٍ، وركعةٌ فيه أفضل مِن ألف ركعةٍ، فلمّا كان الصّيام في نفسه مضاعفًا أجره بالنّسبة إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفًا على سائر الصّيام؛ لشرف زمانه، وكونه هو الصّوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام الّتي بُني الإسلام عليها". لطائف المعارف لابن رجب: ص151
هذا مِن جانبٍ، وهو مِن جانبٍ آخر تدريبٌ عمليٌّ يوصل صاحبه إلى التّقوى؛ الّتي هي ثمرة الصّيام وغايته المرجوّة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
1- التَّوبة في رمضان
مِن بركات رمضان أنّه يثمر التّقوى لمَن أحسن صيامه، وفهم معانيه، وأدرك مراميه، فهو إثباتٌ للمرء أمام نفسه الأمّارة بالسّوء على أنّه قادرٌ أن يفعل عباداتٍ كثيرةً كانت نفسه توهمه أنّه أعجز مِن أن يقوم بها. 
فإذا همّ المرء بصيام نافلةٍ قبل رمضان أتته نفسه تحذّره مِن مغبّة هذا الصّوم، وأنّه سيورثه فتورًا في العمل، يؤثّر على جودة عمله وكمّيته، وإذا همّ بالقيام ليلًا، حذّرته نفسه الأمّارة بالسّوء وسردت له متاعب القيام وأضرار السّهر على التّركيز في اليوم التّالي، وهكذا أمام كلّ عملٍ صالحٍ يهمّ به؛ كقراءة القرآن والزّكاة وغيرها. 
حتّى إذا جاء الشّهر الفضيل قام النّاس إلى السّحور ودعاء السّحر؛ زرافاتٍ ووحدانًا، لا تستطيع نفوسهم أن تحدّثهم بشيءٍ ممّا كانت تحدّثهم به، فيصومون ويعملون، وإذا تحصّل لهم ساعة فراغٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ هرعوا إلى مصاحفهم يقرؤون كلام ربّهم ويتدبّرونه فيفهمونه على وجهه، عازمين على العمل بما فيه، ودعوة النّاس إليه، وإذا سمعوا مؤذّن العِشاء يدعوهم إلى الصّلاح والفلاح والنّجاح، وثبوا إلى مساجدهم فأحرموا وراء الأئمّة، فصلّوا بصلاتهم حتّى ينصرف الأئمّة، فتُكتب لهم بذلك أجر قيام ليلةٍ كاملةٍ، ويحرصون على أداء الصّلوات في جماعةٍ، وقد علموا أنّ مَن صلّى العشاء في جماعةٍ فكأنّما قام نصف الليل، ومَن صلّى الصّبح في جماعةٍ فكأنّما قام اللّيل كلّه، وإذا حان وقت زكاة الفطر لم يبخلوا، بل تراهم يسارعون إلى أموالهم وأرزاقهم فيرزقون الفقراء ممّا رزقهم الله عز وجل. 
فتأمّل كيف يجمع المرء في رمضان مِن الأفعال الصّالحة ما كان يحتاج مقاومةً شديدةً لنفسه، حتّى يحملها على واحدٍ منه، فهل يُتصوّر منه في هذه الحالة أن يصرّ على معاصيه الّتي كان يقارفها قبل رمضان؟ لا بدّ أنّه في هذه الحالة الرّوحيّة سيكون أبعد ما يكون عن الإصرار على الذّنوب والمعاصي، فيكون بذلك شهر رمضان بوّابةً واسعةً للتّوبة عن الآثام السّالفة والخطايا المقترفة، وإذا أرادت نفسه أن تحدّثه عن عجزه عن الامتناع فإنَّه سيستدلّ عليها بما وفّقه الله إليه مِن طاعاتٍ متنوّعةٍ في هذا الشّهر المبارك. 
هل يعجز مَن جمع كلّ هذه الطّاعات أو بعضها عن أن يمتنع عن حرامٍ، بل هل يعجز مَن ألزم نفسه بالامتناع عمّا أباح الله لها عادةً -خارج أوقات الصّيام- مِن طعامٍ وشرابٍ وزوجةٍ أن يمتنع عمّا حرّم الله عليه؟ إنّ ترك المباح الّذي اعتاده المرء أشدّ الاعتياد، واستمرّ عليه أحد عشر شهرًا -وهو لا يشعر بالذّنب إذ يقارفه- دليلٌ على قدرته على ترك الحرام الّذي تؤنّبه نفسه اللّوامة كلّما قارفه، وعلى هذا فرمضان شهرٌ يثمر التّقوى والتّوبة مِن هذا الباب.
رمضان ثورةٌ على عاداتنا ومألوفاتنا، فالمرء طيلة أشهرٍ مديدةٍ يثبت لنفسه نظامًا في الطّعام والشّراب والنّوم، ويستمرّ على هذا النّظام حتّى يؤثّر في بدنه، فتتكيّف احتياجاته مع هذا النّظامّ، حتّى إذا اقتربت ساعة طعامه أرسل له جسده إشارات الجوع، وإذا اقتربت ساعة نومه جعل يتثاءب عن غير قصدٍ، فيأتي رمضان فيقلب كلّ هذا رأسًا على عقبٍ، أفلا يحقّ له أن يقلب بنفس الوقت الطّاولة الّتي أثبتنا عليها ذنوبًا معتادةً، فيورثنا توبةً صادقةً؟
2- التَّوبة استعدادًا للنَّفير
نُدب النّاس في الأسبوع الفائت إلى الجهاد في سبيل الله جل جلاله، واستُنفروا لحماية ثورتهم مِن خطرٍ داهمٍ أحاط بها، أوشك أن يذهب بجزءٍ مِن الوطن الحبيب، فانطلق النّاس فرادى ومجتمعين يلبّون النّداء، ينتصرون لإخوةٍ لهم حاصرهم العدوّ، فلم تغب شمس اليوم التّالي إلّا على نصرٍ مشهودٍ، وهزيمة للعدوّ سلّم بها القاصي والدّاني، وأثبت هذا كلّه أن الثّورة بحاضتنها، وأنّ الأمّة الّتي تتبنّى معنى الجهاد وتطبّقه في حياتها أمّةٌ عزيزةٌ مصونة الجانب، محميّة الجناب، وهذا النّفير والنّصرة حقٌّ مِن حقوق المسلم المحاصر، فقد ورد أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه أَخْبَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ). صحيح البخاريّ: 2442
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: (تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ). صحيح البخاريّ: 2444
على أنّ النّاس إذ تنفر يجب عليها أن تنفر نصرةً لدِين الله، وانتصارًا للمستضعفين والمحاصرين، والواجب علينا أن ننضبط في انتصارنا هذا بضوابط الشّرع الحنيف، فنتعامل مع أسرى العدوّ كما أمرنا الله سبحانه في كتابه العزيز، إذ جعل الأسير صنو المسكين واليتيم {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 8-10].
وعَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: (انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟) فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: (مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ) قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: (قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا). سنن أبي داود: 2669
وهذا النّفير يحتاج استعدادًا قبله حتّى تنضبط فيه النّفوس بضواط الشّرع الحكيم، وخير استعدادٍ له يكون بالتّوبة إلى الله عن جميع الآثام والذّنوب، فالنّفس المذنبة الآثمة لن ترعوي عن الاعتداء على الرّضيع والمرأة والعجوز، بل قد يمتدّ ذلك إلى تصوير هذا الاعتداء ونشره في وسائل التّواصل، لينتفع مِنه العدوّ في شنّ حملةٍ إعلاميّةٍ غرضها تشويه الثّورة واستنفاراتها، أمّا من تاب عن ذنوبه السّابقة فقد تجهّز إيمانيًّا لخوض معركةٍ نزيهةٍ شريفةٍ، ينتصف فيها مِن عدوّه وينتصر لأخيه، ولا يتجاوز حدّ الله في امرأةٍ وصبيٍّ وعجوزٍ، فضلًا عن أن يصوّر ذلك وينشره، فيتذرّع به العدوّ البعيد للتّدخّل، ونصرة العدوّ القريب، وقد فعلوا ذلك مِن قبل، نسأل الله السّلامة.
خاتمةٌ:
يخطئ بنو آدم، وهذا طبعهم، وقد أخطأ أبوهم مِن قبل، والواجب على مَن نسي نسيان أبيه أن يبادر مبادرته إلى طلب العفو مِن باريه عز وجل {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 35 - 37].
استغفر أبوانا فغفر الله جل جلاله لهما {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
وقد فتح الله عز وجل باب التّوبة لعباده وحثّهم على ولوجه {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
وأثبت الله سبحانه حبّه للتّوّابين {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
وامتدح جل جلاله في كتابه الّذين يرجعون إلى ربّهم بعد أن يذنبوا، وعدّهم مِن المتّقين {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 - 135].
فلا يلزم للمرء حتّى يكون تقيًّا ألّا يقع يومًا في خطأ، بل يلزمه أن إذا وقع في خطأٍ أن يبادر إلى باب ربّه سبحانه فيطلب العفو، وبذلك تتحقّق تقواه الّتي هي ثمرة الصّوم، وهذا رمضان زمان الإقبال على باب الله، فما أحرانا أن نلِج!
 

http://shamkhotaba.org