فاتِحون ملثَّمون
الكاتب : رابطة خطباء الشام
الخميس 1 يناير 2026 م
عدد الزيارات : 102
مقدمة:
في تاريخنا نماذج مشرقةٌ مشرّفةٌ، يقرأ عنها المرء في كتب التّاريخ فلا يكاد يصدقّها، لما تنطوي عليه مِن تضحيةٍ فريدةٍ، وفداءٍ نادرٍ، ويودّ لو أنّه التقى أبطال تلك القصص، ليتصفّح وجوههم المباركة، ويتيقّن مِن تضحياتهم، فلا تكون كلماتٍ في كتابٍ، أو متنًا محرّرًا في موقعٍ على الشّابكة، لكنّ هذه الأماني لا سبيل إلى تحقيقها في الدّنيا، فقد سبق القول مِن ربّنا أنّهم إليها لا يرجعون، يَقُولُ جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا جَابِرُ، أَلَا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللَّهُ لِأَبِيكَ؟) وَقَالَ: يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ: (يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: (أَفَلَا أُبَشِّرُكَ، بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟)، قَالَ: بَلَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي). سنن ابن ماجه: 190
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
ومِن تلك القصص الّتي تستحقّ وقوفًا مليًّا عندها وتأمّلًا قصّة صاحب النّقب، فما تفاصيلها؟ ومَن بطلها؟ ما اسمه؟ وما العِبرة المستفادة منها؟
1- صاحب النَّقب
مسلمة بن عبد الملك بن مروان، كان واحدًا مِن أبرز قادة الدّولة الأمويّة وأشهر فرسانها، وُلد في دمشق سنة 66هـ، ونشأ في بيت الخلافة بين إخوته الخلفاء (الوليد وسليمان ويزيد وهشام)، فجمع بين شرف النّسب وقوّة القيادة، عُرف بكثرة غزواته ضدّ الرّوم والخزر، وقاد حصار القسطنطينية سنة 98هـ/717م الذي كاد أن يفتح عاصمة البيزنطيّين، كما تولّى إمارات العراق وأرمينيّة وأذربيجان وخراسان في فتراتٍ مختلفةٍ، امتاز بالشّجاعة والورع، وكان يُنظَر إليه باعتباره أهلًا للخلافة، وظلّ اسمه مرتبطًا بالبطولات والإخلاص، ومِن أشهر ما يُروى عنه قصّته مع صاحب النّقب، الّتي أبرزت تقديره للجنود المجهولين الّذين يعملون لله دون طلب شهرةٍ أو مكافأةٍ.
في إحدى حملاته حاصر حصنًا مِن حصون الكفّار، فاشتدّ عليهم الحصار، وتمنّع الحصن عن السّقوط، وبينما الجيش يبحث عن سبيلٍ، وجدوا في سور الحصن نقبًا صغيرًا يمكن الدّخول منه، فدعا مسلمة الجنود إلى اقتحامه وفتح الحصن مِن الدّاخل، لكنّ أحدًا لم يتقدّم، إذ كان الدّاخل -غالبًا- في حكم المفقود.
عندها تقدم رجلٌ مجهولٌ مِن صفوف الجيش، ودخل النّقب، ففتح الله به الحصن، وانهزم الكفّار أمام المسلمين، نادى مسلمة: "أين صاحب النقب؟" فلم يجبه أحدٌ، فأمر أن يُدخل عليه متى حضر، في أي ساعةٍ مِن اللّيل أو النّهار، ثمّ جاء رجلٌ إلى الحارس وقال: "استأذن لي على الأمير"، فسأله الحارس: "أأنت صاحب النّقب؟" فقال: "سأخبركم عنه"، دخل على مسلمة وقال: "إنّ صاحب النّقب يشترط ثلاثًا: ألا يُكتب اسمه في صحيفة تُرفع إلى الخليفة، وألا يُؤمر له بشيءٍ، وألا يُسأل عن اسمه أو نسبه"، فقال مسلمة: "ذلك له"، فقال الرّجل: "أنا هو"، حاول مسلمة أن يعرف اسمه فلم يستطع، وأراد أن يكافئه فلم يقدر، فكان مسلمة بعد ذلك يقول في دبر صلاته: "اللهمّ اجعلني مع صاحب النّقب". تاريخ دمشق لابن عساكر: 58/36
أبرز العظات المستفادة مِن هذه القصّة: حرص صاحب النّقب على الإخلاص، فلو شاء لذكر اسمه وعاد مِن ذلك بالأجر والذِّكر، الأجر مِن القائد، والذّكر مِن النّاس، والتّخليد في كتب التّاريخ، لكنّه إن فعل ذلك فهو على خطرٍ وهلكةٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا شَيْءَ لَهُ) فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا شَيْءَ لَهُ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ). السّنن الكبرى للنّسائيّ: 3334
وكلّنا يعلم أنّ الأعمال بالنّيّات، وأنّ للمرء ما نوى، فمَن كان جهاده لله ورسوله فذاك المفلح النّاجح، وخاب مَن أشرك.
2- إخلاصٌ محفوظٌ
لم تكلّفنا الشّريعة أن ننقل الجبال عن أماكنها، أو أن نحفظ اتّزان الأرض وحركتها، بل كلّفتنا قلوبنا بالدّرجة الأولى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ). صحيح مسلمٍ: 2564
في فتح المدائن -وهي مِن أعظم مدن فارس- اجتمع المسلمون بعد النّصر يجمعون الغنائم ويودعونها عند صاحب الأقباض، كان كلّ واحدٍ يأتي بما حصل عليه، حتّى أقبل رجلٌ يحمل حقًا عظيمًا فسلمّه دون تردّدٍ، تعجّب النّاس مِن ضخامته وقالوا: ما رأينا مثل هذا قطّ، ولا يقارنه ما عندنا، فسألوه: هل أخذت منه شيئًا؟ فأجابهم: "أما والله لولا الله ما أتيتكم به"، أدركوا أنّ للرّجل شأنًا، لكنّهم لم يعرفوه، فسألوه عن اسمه فقال: "والله لا أخبركم لتحمدوني، ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه"، فأرسلوا أحدهم يتبعه ليكشف هويّته، حتّى وصل إلى أصحابه وسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيسٍ، الرّجل الصّالح الّذي آثر الإخلاص لله على الشّهرة بين النّاس.
هذا، وإن ذُكر في التّاريخ فقد حصل في زماننا مثله، فقد وقع أحد المجاهدين على كنزٍ ثمينٍ مِن سبائك الذّهب في بيت أحد كبار مسؤولي النّظام البائد، ودفتر صورٍ للرّئيس السّاقط، فاستبقى الصّور وأدّى الذّهب.
وعَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، فحدّثه عمر حديث أويس؛ فَأَتَى الرّجل أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. صحيح مسلمٍ: 2542
هذا طرفٌ مِن قصص السّابقين نتّعظ بها ونعتبر، علّنا ننجو مِن آفة الآفات؛ الرّياء الشّرك الخفيّ.
خاتمةٌ:
ظللنا نسمع مثل هذه القصص ونتعجّب منها حتّى رأينا في النّاس اليوم مَن جاهد في سبيل الله، ولم يرد أن يعرفه النّاس، ومِن أولئك رجلٌ اصطُلح أن يسمّى خالدًا، وليس اسمه كذلك، اخترق صفوف العدوّ في مدينة حلب يوم كانت محتلّةً مِن النّظام المجرم، وعرف عنهم الكثير، وزوّد المجاهدين بالمعلومات الوافرة عن قطعاتهم ومواعيد اجتماعاتهم، وسهّلَ دخول مجموعةٍ مجاهدةٍ إلى مدينة حلب قبيل فتحها، فقتلت تلك الجماعة رؤوس الإجرام في المدينة، ما جعل المدينة دون قيادةٍ مركزية تنسّق الدّفاع عنها، فانهارت دفاعاتها أمام هجوم المجاهدين، وتلاها انهياراتٌ سريعةٌ في صفوف الجيش إلى أطراف حماة، فتأمّل كم كان لفعله ولفعل الجماعة الّتي دخلت عن طريقه مِن عظيم أثرٍ في تحرير حلب وسائر سوريّة! إنّه مع ذلك يرفض أن يُظهر وجهه للنّاس.
وهذا الملثّم الغزّيّ أبو عبيدة، الّذي أرعب صوته العدوّ، ولم يظهر وجهه إلّا بعد استشهاده، وهو بذلك يصيب غرضين؛ الإخلاص والأمن.
ما زلنا في حربنا مع الفلول والانفصاليين والعملاء بحاجةٍ إلى ذات اللّثام لعينِ الغرضين، إذ العدوّ متربّصٌ، والعدوّ هنا بمعناه الشّامل، الشّيطان الّذي يريد أن يفسد على المرء إخلاصه {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].
والعدوّ الإنسيّ المتربّص بالمجاهدين ليحول بينهم وبين مراداتهم، فبورك لثامٌ يخفي وراءه أسدًا هصورًا يرعِب الفلول ومَن لفّ لفّهم.

http://shamkhotaba.org