مقدمة:
لا تتّسق حياة المؤمن عادةً على نمطٍ واحدٍ، فتراه يتقلّب في الأحوال؛ سعادةً وحزنًا وفرجًا وغمًّا وبسطًا وقبضًا {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 16-19].
أي لَتَرْكَبنَّ حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ مِن الشّدائد.
وهو في كلّ أحواله متعلّقٌ بربّه، ما يجعله متّزنًا، لا يبطر إن فرح، ولا ييأس إن حزن، تناديه الآية في المؤمنين {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وقد رأى المسلمون في حلب شدّةً وعناءً مِن تسلّط عصابةٍ مارقةٍ على أمنهم، حتّى سلبتهم هانئ النّوم ليلًا، وجادّ السّعي في طلب الرّزق نهارًا، فكان ذاك زمن صبرٍ واحتسابٍ، ثمّ ما لبثوا زمانًا يسيرًا حتّى أبدل الله خوفهم أمنًا، وحزنهم فرحًا، واستحالت محنتهم منحةً، يُحمد على مثلها ربّنا الكريم.
تحرّرت سورية مِن الطّغمة الحاكمة المجرمة، نعم.. لكنّ تلك الطّغمة خلّفت وراءها ذيولًا ما تزال فيها بقيّة قوّةٍ، كذيلٍ سامٍّ أبرص تقتطعه فتراه يتحرّك، تظنّ فيه حياةً وما تلك إلّا حركة المذبوح توشك تبرد، لقد ركضت الذّبيحة برجلها في حلب فآذتنا، ثمّ ما لبثت أن بردت، فتحوّلنا مِن مقام الصّبر إلى مقام الشّكر، وهي مناسبةٌ لطيفةٌ يتأمّل فيها المرء تقلّب أحواله الظّاهرة وتقلّب عبادات قلبه، قَالَ أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَلْبُ مِنْ تَقَلُّبِهِ".
لا تَأمَني الصَرمَ مِنّي أَن تَري كَلَفي وَإِن مَضى لِصَفاءِ الوُدِّ أَعصارُ
ما سُمّيَ القَلبُ إِلا مِن تَقَلُّبِهِ وَالرّأيُ يُصرَفُ والأَهواءُ أَطوارُ
1- المضغة الحاكمة
خلق الله لنا جسدًا نرتفق به في حياتنا فنروح به ونجيء، وجعل صلاحه وفساده محكومًا بمضغةٍ فيه، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).
ولمّا كان خطر القلب عظيمًا حسُن بالمرء أن يعتني بقلبه وتقلّباته، وأن يديم النّظر في أحواله، فيتفكّر في بواعث تلك الأحوال، فإن ألفى قلبه -مثلًا- حزينًا فلينظر في سبب حزنه، هل هو حزينٌ لفوات أمرٍ مِن أمور الدّنيا، أم حزينٌ لشأن الآخرة، فإن كانت الأُولى فليعطف قلبه عن ذاك الحزن بتذكّر هوان شأن الدّنيا عند الله، وأنّ الآخرة خيرٌ وأبقى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60].
وكثيرًا ما يعظنا الأئمّة في صلاة الجمعة بقول الله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 16-19].
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: (أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا).
وإن وجد المؤمن قلبه في فرحٍ فليفتّش كذلك عن دافع هذا الفرح ومنشئه، فربّ فرحٍ ذمّته الشّريعة {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76].
بعض النّاس يفرحون أن يروا امرءًا يكرهونه في ضائقةٍ، فيتشفّون ويشمتون، وهذا مِن أمراض القلوب ما دام المصاب مؤمنًا، إذ الشّريعة جاءت بتقرير أخوّة المسلمين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
لذا يجدر بنا أن نكون حرّاسًا على قلوبنا، كالشُّرَط تمنع النّاس أن تتجاوز إلى المحظور، فلا ترِد الحمى المحميّة.
2- ارحم قلبك
الشّماتة فعلٌ مِن أفعال القلوب، حدّدت له الشّريعة ممنوعًا ومشروعًا، فممنوعه ما كان للأخ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فيرحمه الله وَيَبْتَلِيكَ).
ومشروعه ما كان شفاء صدرٍ مِن العدوّ قاتلك فقاتلته فانتصفت منه وانتصرت عليه، فحينها فتشفّى {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التّوبة: 14-15].
إن قصمت الخصم فافرح وأقم عرسًا ودفًّا
اهدم السّقف عليه عزّ مَن يهدم سقفًا
عندها أترع كؤوسًا وأسغ عبًّا وشفًّا
لذا لا يحسن بالمرء ألّا يقسو على قلبه قسوةً تمنعه أن يفرح بنصر الله، قسوةً تمنعه أن يُذهب غيظ قلبه فيشفى صدره بمظاهر ذلّ العدوّ وعزّ الصّديق، بل العدل أن يدور مع الشّريعة، فحيث أذنت تشفّى واشتفى، وحيث حظرت كفّ وعفّ، إن تلك القسوة مظهرٌ مِن مظاهر الغلوّ الّتي نهت عنها الشّريعة، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قَالَهَا ثَلَاثًا.
وكالشّماتة الفرح، نهت عنه الشّريعة حينًا، وأمرت به حينًا، فإذا رأيت فضل الله ورحمته فافرح، ففرحك عبادةٌ قلبيّة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57-58].
لنتأمّل الآيتين بعد الآية الآمرة بالفرح {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 59-60].
يراقب المؤمن قلبه ولا ينهاه عن المشروع، ولا يحرّم ما أحلّ الله له {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التّحريم: 1].
خاتمةٌ:
القلب.. ذلك العضو الشّريف الّذي جعله الرّب محلًّا لنظره، يستحقّ منّا عنايةً بالغةً بعباداته، فعلى سلامته تدور السّلامة يوم النّدامة {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشّعراء: 87 - 89].
القلب.. ذلك المتقلّب الّذي نخشى مِن تقلّبه، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ).
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا قَالَ: (يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ).
وورد أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: "تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً، إِنَّ الْقَلْبَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا".
علّمنا ربّنا أن ندعو {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
وربّنا لا يزيغ القلوب ظلمًا، فهو منزّه عن الظّلم {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصّفّ: 5].
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 109، 110].
اللهمّ لك الحمد أن أنعمت علينا بالنّصر، ونطمع منك بالمزيد، إنّك حميدٌ مجيدٌ.
http://shamkhotaba.org