مقدمة:
إنّ مِن عظيم كرم الله جل جلاله أن جمع قلوب عباده على الإيمان، ووحّد كلمتهم ضدّ أولياء الشّيطان، وجعلهم إخوةً متحابّين، وألّف بينهم بعد تنافرٍ وشتاتٍ، وأبدل البغضاء محبّةً وإيثارًا {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
وأظهر الله عز وجل منّته لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63].
قال الزّمخشريّ رحمه الله: "كانت بينهم في الجاهليّة الإحن والعداوات، والحروب المتواصلة، فألّف الله سبحانه بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبّة، فتحابّوا وتوافقوا".
ولقد جاءنا العشر الأخير مِن رمضان آمرًا بسلامة الصّدور، فسليم الصّدر مَن عوفي فؤاده مِن أمراض القلوب، ومِن كلّ آفةٍ تبعده عن علّام الغيوب، ولقد أثنى الله جل جلاله على مَن أتى بعد الصّحابة {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10].
قال ابن رجبٍ رحمه الله: "أفضل الأعمال سلامة الصّدر مِن أنواع الشّحناء كلّها، وأفضلها السّلامة مِن شحناء أهل الأهواء والبدع، الّتي تقتضي الطّعن على سلف الأمّة، وبغضهم، والحقد عليهم، ثمّ يلي ذلك سلامة القلب مِن الشّحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ولقد وصف الله جل جلاله حال المؤمنين في الجنّة {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].
قال ابن عطيّة رحمه الله: هذا إخبارٌ مِن الله عز وجل أنّه ينقّي قلوب ساكني الجنّة مِن الغلّ والحقد، وذلك أنّ صاحب الغلّ متعذّبٌ به، ولا عذاب في الجنّة".
فهلّا سِرنا على نهجهم لنكون معهم؟
1- طريق الجنَّة
إنّ سلامة الصّدر مِن أنبل الخصال، وأشرف الخلال، الّتي يدرك بها المسلم رضى مولاه ذي الجلال، ولقد اهتمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسلامة صدره اهتمامًا بالغًا، فنهى وحذّر مِن أن يُنقل إليه ما يوغر صدره نحو أصحابه، وإذا استقام قلب العبد طهُرَ مِن الشّرك والرّياء، والحسد والبغضاء، فإنّ أصحاب القلوب السّليمة يبلغون مِن المنازل العالية -بطهارة قلوبهم ونقائها- ما لا يبلغه الصّائمون القائمون بصيامهم وأعمالهم الصّالحة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطُفُ لِحْيَتُهُ مَاءً مِنْ وَضُوئِهِ مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اتَّبَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: .... سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، فَطَلَعْتَ أَنْتَ تِلْكَ الثَّلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَرَدْتُ آوِي إِلَيْكَ فَأُنْظِرُ عَمَلَكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي غِلًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحْسِدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ.
فمَن زكت نفسه فاز بشرف الخيريّة، ولبس لباس الأفضليّة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كُلُّ مَخْمُوم الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَان)، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: (هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ).
والقرآن الكريم أرشدنا إلى أحسن الأخلاق {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصّلت: 34].
وطلب الخليل مِن الجليل أن يرزقه القلب السّليم {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشّعراء: 88-89].
وقد تخلّق السّلف الصّالح بهذا الخُلُق، فقد دخل زيد بن أسلم على أبي دجانة وهو مريضٌ، فقال له: مالكَ يتهلّل وجهك؟ قال: "ما مِن عملٍ أوثق عندي مِن اثنتين، أمّا أحدهما: فكنت لا أتكلّم بما لا يعنيني، وأمّا الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا".
2- سبب الحِرمان
إنّ قلوب العباد تفسدها الضّغائن والشّحناء، والحسد والبغضاء، حتّى يشقى بها أصحابها في الدّنيا، فلا يهنؤون بعيشٍ، ولا يرتاح لهم بالٌ، ولا تُرفع لهم أعمالٌ، مع ما يفوتهم مِن الخير الكثير، بل ويفوّتون الخير على غيرهم، بسبب ما في قلوب بعضهم على بعضٍ، فقد رُفع العِلم بليلة القدر -ولا تزال معرفتها مرفوعةً إلى يوم القيامة- بسبب خصومةٍ وقعت بين رجلين، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: (خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ).
وكذا تمنع الشّحناء قبول الأعمال، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَيَغْفِرُ اللهُ سبحانه لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَاّ رَجُلاً كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).
وكم في المسلمين -بل بين الأرحام- مِن التّدابر بسبب خلافاتٍ يمكن علاجها وإزالة أسبابها؟ فتجد في البيت الواحد قطيعةً وهجرانًا بين الزّوج وزوجته، والأب وابنه، والأخ وأخيه، يأكلون مِن زادٍ واحدٍ، ويستظلّون تحت سقفٍ واحدٍ، فيعرض كلّ واحدٍ منهما عن الآخر، فأيّ شقاءٍ لأسرةٍ تجتمع أبدان أصحابها كلّ ساعةٍ، وقلوبهم متفرّقةٌ متنافرةٌ، في شهرٍ تجب فيه صلة الأرحام، ومواساة الإخوان، تلك أرحامٌ جمعتها أواصر الرّحم، ووشائج القربى، ففرّقتها الأحقاد، وقد أعلن الله عز وجل الحرب على قاطع الرّحم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمّد: 22-23].
وكم في الجيران مِن قلوبٍ لا تخلو مِن الحسد والغلّ، بيوتهم متجاورةٌ وربّما متلاصقةٌ، ويسلكون طريقًا واحدةً، بل يصلّون في المسجد خلف إمامٍ واحدٍ، ولكن بينهم مِن التّدابر أبعد ممّا بين المشرق والمغرب، وكم بين الزّملاء في الوظائف والشّركات مِن التّقاطع بسبب التّنافس على عرَض الدّنيا الّتي لا تستحقّ أن يتقاطع الإخوان مِن أجلها، جمعتهم الوظائف، وفرّقهم الشّيطان، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ).
خاتمةٌ:
أجمِلْ بخُلقٍ يقوّي صلة العبد بمولاه، وينشر المحبّة بين عباد الله، فتزول الضّغائن الّتي تفرّق القلوب، وتحقّق رضى علّام الغيوب، ولقد جمع شهر رمضان المسلمين في وقت إمساكهم وإفطارهم، وضيّق مجاري الشّيطان في عروقهم، فصار للصائمين إقبالٌ على أعمال الخير والقربات، ومشاهد ذلك ظاهرةٌ للعيان في موائد الإفطار، وكثرة البرّ والصّدقات، فلِمَ لا يمتدّ هذا الإحسان إلى مواطن النّزاع، ومواضع الخلاف، فتُزال أسبابها، ويستعلي على حظوظ النّفس أصحابها، فيسرعون إلى مَن قاطعوهم وهجروهم فيبادرونهم بالمصافحة والاعتذار، كما يتسابقون إلى أعمال البرّ والإحسان، والصّيام هو الفرصة المواتية لذلك، حيث إنّ النّفوس أقرب ما تكون إلى الصّفح والعفو والمسامحة، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ صَامَ الدَّهْرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ شَيْئًا) قَالَ: فَثُلُثَيْهِ؟ قَالَ: (أَكْثَرَ) قَالَ: فَنِصْفَهُ، قَالَ: (أَكْثَرَ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ).
فلنصلحْ ذات بيننا، ولنصلْ أرحامنا، ولنأخذْ بوصيّة نبيّنا، قبل رحيل شهرنا، لئلّا نخسر مغفرة ربّنا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ).
هذا ومِن طرق تحصيل سلامة الصّدر: أن يبذل الأخ لأخيه وأن يدعو له، والعشر الأخير زمان البذل والدّعاء، وهذه صدقة الفطر تناديكم فحصّلوا بها سلامة الصّدور.
http://shamkhotaba.org