الثَّبات ثمرة الإيمان
الكاتب : رابطة خطباء الشام
الخميس 26 مارس 2026 م
عدد الزيارات : 106
مقدمة:
دِيننا الحنيف -المائل عن الباطل إلى الحقّ- فيه الأخلاق الّتي تضبط سلوك الفرد، وفيه العبادات الّتي يُسلم بها العبد ظاهره لله، لكنّ ركنه الأعمق هو ذاك الإيمان القلبيّ الّذي منه تبثق عبادات الظّاهر وأخلاق المسلم، فالقلب حيث ينظر الربّ هو المضغة الحاكمة الّتي بصلاحها الصّلاح وبفسادها الفساد، وهذا الإيمان إن تمكّن مِن القلب لا تجد حال الفرد المسلم والمجتمع المسلم يتغيّر كثيرًا بعد رمضان، إذ الأساس متينٌ، أمّا إذا كان إسلامُ المرء إسلامَ ظاهرٍ -ليس له جذرٌ قلبيّ- فلا تعجب مِن انقلاب كثيرٍ مِن الأحوال عقيب الشّهر المبارك.
والإيمان الّذي يثمر تلك الثّمرات اليانعة له أركانٌ، علّمنا إياها جبريل عليه السلام في الحديث الشّهير، الذي يرويه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ). صحيح مسلم: 8
فما ثمرات الإيمان بالله وملائكته؟
1- إيمانٌ بالله
مِن أجود ثمرات الإيمان بالله: استقرار القلب وطمأنينته إلى وجود خالقٍ عظيمٍ يمكن للمرء أن يعتمد قلبه عليه للشّدائد والأيّام القاسية، ما يمنحه استقرارًا يدفع النّاس في سبيل الحصول عليه الغالي والنّفيس، والأهمّ مِن ذلك أنّ هذا الإيمان بوّابة التعرّف إلى الله في الدّنيا، ورؤيته في الآخرة، وهذا أعظم النّعيم، عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ عز وجل: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ). صحيح مسلمٍ: 181
ومِن ثمرات الإيمان بالله: حبّه، وقد أحبّ بعض النّاس صورًا خلقها الله، فهاموا على وجوههم، إذ ضعفت قلوبهم أن تحتمل حبّ تلك الصّور، فما بالك بمَن خالط قلبه حبّ الله، والإيمان بالله يمنح القلب قوّةً تؤهّله أن يحبّ ربّه فلا ينصدع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
وقد جعل لنيل محبّته أسبابًا؛ كالتّوكّل والتّطهر والتّوبة والإحسان {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42].
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التّوبة: 4].
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصّفّ: 4].
ويتفرّع عن الإيمان بالله الإيمان بمعيّته الّتي جعلها للمتّقين المحسنين الصّابرين {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النّحل: 128].
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153].
إنّ امتلاء القلب بمشاعر الاعتماد على الله وحبّه ورهبته ورجاء ثوابه، يمنح المرء مفاتيح السّعادة في الدّنيا والآخرة {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التّغابن: 11].
2- جند الله
أمّا الإيمان بالملائكة فيثمر تعظيم الله لما يعلم مِن شأن جنوده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدّثّر: 31].
ويثمر الطّمأنينة بالصّحبة الصّالحة تصحبه {مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرّعد: 11].
والإيمان بالرّقيب العتيد يكتبان كلّ لفظٍ يُشعر المرء بالمسؤوليّة حيال أقواله وأفعاله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
والإيمان بالملائكة تحضر مجالس الذّكر يحدو المرء لحضورها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ) قَالَ: (فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قَالَ: (فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ) قَالَ: (فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟) قَالَ: (فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟) قَالَ: (فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا) قَالَ: (يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟) قَالَ: (يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ) قَالَ: (يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا) قَالَ: (يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً)، (قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ) قَالَ: (يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا) قَالَ: (يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟) قَالَ: (يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً) قَالَ: (فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) قَالَ: (يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ). قَالَ: (هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ). صحيح البخاريّ: 6408
والإيمان بالملائكة يمنح المؤمن المستقيم ثباتًا عند الموت حيث تزلّ الأقدام {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فُصّلت: 30-32].
خاتمةٌ:
الإيمان طمأنينةٌ إذا خاف النّاس، وخوفٌ إذا اغترّ النّاس {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرّعد: 28].
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون} [الأنفال: 2].
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحجّ: 35].
الإيمان ثباتٌ في الدّنيا والآخرة {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].
الإيمان سبب هداية الله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9].
{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النّحل: 104].
والإيمان فلاحٌ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1-11].
فهنيئًا هنيئًا لمَن آمن، وارعَ يا عبد الله إيمانك فهو خير ما لديك، به ينزل الخير عليك، وتُنجي يديك إذ تبّت يدا سواك {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].
 

http://shamkhotaba.org