مقدمة:
الصّدق شأنٌ مركزيٌّ في أخلاق المسلم، لذا يستحقّ أن ننظر إليه مِن أكثر مِن جانبٍ، ومِن الجوانب الّتي يحسن أن ننطلق منها في الحديث عنه أن ننقّب عن قصص الصّادقين، ففي قصص السّابقين عبرةٌ، وفيها تمثيلٌ حيٌّ للقيم الّتي نريد لها أن تستقرّ في المجتمع، والمرء بطبعه أكثر تأثّرًا بالأخلاق الّتي تمثّلتها قدواتٌ معتبرةٌ، مِن أن يتأثّر بكلامٍ نظريٍّ عن خلقٍ ما.
وإذا أردنا التّعرّف إلى سيّد الصّادقين تطالعنا حياة النّبيّ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم قبل الرّسالة وبعدها، ونجد أنّ الصّدق كان سمةً بارزةً في سيرته ومسيرته، حتّى صار علامةً يعرفه بها قومه، فكانوا إذا ذكروا محمدًا قالوا: الأمين -وما الصّدق إلّا دليل أمانةٍ- إذ لم يعرفوا عنه خيانةً ولا كذبًا، بل كان أصدقهم حديثًا وأوفاهم عهدًا، ولمّا جاءه الوحي وصدع بالدّعوة، لم يجد المشركون ما يطعنون به في صدقه، بل كانوا يعترفون في مجالسهم أنّه صادقٌ، غير أنّ عنادهم دفعهم إلى إنكار ما جاء به.
هذا الصّدق الّذي لازم النّبيّ صلى الله عليه وسلم منذ صباه حتّى وفاته جعل دعوته مقبولةً عند مَن أنصف، وهو الّذي أورثه ثقة النّاس حتّى مِن خصومه، فكانوا يودِعون عنده أماناتهم ويستأمنونه على أموالهم، وهو الّذي جعله في أعين المؤمنين قدوةً لا مثيل لها.
إن الصّدق في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرّد خُلقٍ عابرٍ، بل كان أساسًا لرسالته، وركيزةً لثقة النّاس به، ومفتاحًا لانتشار دعوته في الآفاق.
1- صادقون عظماء
أبو بكر الصّديق رضي الله عنه كان صورةً ناصعةً للصّدق والثّبات، فقد تجلّى صدقه أوّل ما تجلّى في إيمانه برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ما إن دعاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام حتّى أجاب بقلبٍ مطمئنٍّ ولسانٍ صادقٍ، فكان أوّل مَن صدّق وآمن مِن الرّجال، وِمن هنا جاء لقبه "الصّدّيق" حيث صدّق بكلّ ما جاء به النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما كذّبه النّاس، لقد كان صدقه في الإيمان ثمرة صفاء قلبه ونقاء سريرته، فثبت في المواقف العصيبة الّتي زلزلت قلوب كثيرٍ مِن النّاس، وكان سندًا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم في كلّ مرحلةٍ مِن مراحل الدّعوة، ومِن أعظم مشاهد صدقه وثباته يوم وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، حين اضطربت المدينة وارتجّت القلوب، فقام أبو بكر رضي الله عنه يقرأ قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].
فاستقرّت النّفوس وهدأت القلوب، وأثبت أن الصّدق في الإيمان لا يتزعزع أمام الفواجع.
ويوسف عليه السلام كان مثالًا للصّدق في الإيمان، إذ لم يكن صدقه مجرّد كلماتٍ، بل كان موقفًا شامخًا في ساعة الابتلاء العظيم، حين دعته امرأة العزيز إلى الفاحشة، وغلّقت الأبواب وقالت: {هَيْتَ لَكَ}، أجابها بلسان المؤمن الصّادق: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23].
لقد كان هذا الموقف شاهدًا خالدًا على صدق إيمانه، إذ لم تغرّه زينة الدّنيا ولا سلطان الشّهوة، بل صدق مع الله، فاختار طريق الطّهر والعفاف، وفضّل السّجن على أن يخون الأمانة أو يفرّط في دِينه.
وأنس بن النّضر رضي الله عنه كان مثالًا للصّدق الّذي يتجلّى في الوفاء بالعهد مع الله، فقد غاب عن معركة بدرٍ، فحزن لذلك حزنًا شديدًا، وقال بلسان المؤمن الصّادق: "لئن أشهدني الله قتالًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرينّ الله ما أصنع"، وحين جاء يوم أحدٍ، واشتدّ البلاء، وانهزم بعض المسلمين، ثبت أنس بن النّضر على عهده، وأقبل يقاتل حتى قُتل شهيدًا، وقد وُجد في جسده بضعٌ وثمانون ضربةً، ما بين طعنةٍ ورميةٍ وضربة سيفٍ، فلم يعرفه إلّا أخته ببَنانه، هذا الموقف العظيم يبيّن أن الصّدق ليس مجّرد كلمةٍ تُقال، بل هو عهدٌ يُعقد مع الله، يثبت صاحبه عليه في ساعة الشّدّة، ويجعل حياته كلّها شهادةً على إخلاصه، لقد صدق أنس بن النّضر في وعده، فصدقه الله، وخلّد ذِكره في القرآن الكريم بقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
فإذا كان الصّادقون أنبياء وصدّيقون وصحابةٌ فالزم غرزهم تنج.
2- تخلَّفَ وصدق
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يروي قصّته لما تخلّف عن رسول الله إذ غزا: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلاَنِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ) فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: (مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)، فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ)، فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلاَنِ، قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.
وفي القصّة عبرٌ مِنْهَا: عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ، فَمَا أَنْجَى اللَّهُ مَنْ أَنْجَاهُ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا أَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَهُ إِلَّا بِالْكَذِبِ، وَقَدْ قَسَّمَ سُبْحَانَهُ الْخَلْقَ إِلَى قِسْمَيْنِ: سُعَدَاءَ، وَأَشْقِيَاءَ، فَجَعَلَ السُّعَدَاءَ هُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالْأَشْقِيَاءَ هُمْ أَهْلَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ، فَالسَّعَادَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالشَّقَاوَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ، وَأَخْبَرَ جل جلاله أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا صِدْقُهُمْ؛ وَجَعَلَ عَلَمَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ هُوَ الْكَذِبَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَجَمِيعُ مَا نَعَاهُ عَلَيْهِمْ أَصْلُهُ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
خاتمةٌ:
وفي السّنن والسّير والمغازي أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، فَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، وَأَوْصَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ أَوْ حُنَيْنٍ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ اللَّهُ لَكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: (قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ) قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِ اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ: إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ قَالَ: فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَهُوَ هُوَ؟ صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ) فَكَفَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جُبَّةٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ).
فإذا قرأت قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التّوبة: 119].
فهذا طرفٌ مِن ذِكر الصّادقين.
http://shamkhotaba.org