مقدمة:
قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24].
فانظر إلى لقمة الخبز بين يديك، وفكِّر مِن أين جاءت.
أصل هذه اللّقمة حبّة قمحِ، كأنّها ميتةٌ، ندفنها في التّراب، فإذا أنبتها الله أخرجت بضع سنابل، في كلّ سنبلةٍ مئة حبّةٍ، فهذا النّظام مِن الإنبات يتيح للمرء أن يستهلك الكثير وأن يعوّضه، هذه البركة وهذا التّكاثر نعمةٌ بذاتها، لا يليق أن تُغفل.
ومِن النّعم الّتي يحسن الوقوف عندها أنّ نظام الإنبات نظامٌ بديعٌ، يُتاح وقفه للحبّة الضّعيفة أن تشقّ الأرض شقًّا، فتنقسم إلى قسمين بتدبيرٍ محكَمٍ: قسمٌ ينزل إلى أسفل فيكون جذرًا، تثبت به النّبتة وتمتصّ به الماء والأملاح، وقسمٌ ينطلق إلى أعلى، فتظهر فيه الأوراق والسّاق.
هذا التّصميم يهتدي فيه كلّ قسمٍ إلى ما يناسبه، فتبارك الله أحسن الخالقين، ولفهم هذا المعنى تعالوا نفترض العكس: ماذا لو مشت الجذور إلى أعلى، ومشت الأوراق إلى أسفل؟ ثمّ تأمّل في هذا الجذر الرّقيق الضّعيف، كيف يشقّ التّربة الصّلبة الّتي داستها الأقدام فرُصّت ذرّاتها وجعلتها متماسكةً كالحجر؟ إنّ الله أودع فيه سرًّا عجيبًا يشق به طريقه لينًا هينًا، فالضّعيف بالله يقوى، والمكسور بالله يُجبَر، والحبّة الّتي لا تملك حولًا ولا قوّةً، يشقّ جذرها الأرض الصّمّاء بقدرة مَن أودع فيه القدرة، فالحمد لله الذي أعطى كلّ شيءٍ خلقه ثمّ هدى.
1- في الآفاق
نرى الشّمس تشرق كلّ صباحٍ فلا نتفكّر في علاقتها بلقمة الخبز على مائدتنا، وقد نبّهنا الله إلى نعمة الشّمس وأقسم بها في غير موضعٍ، فتأمّلوا في هذا السّراج الوهّاج الّذي كان قِوامًا لحياتكم، الظّاهر لنا أنّ حبة القمح تحتاج إلى شعاع الشّمس حتّى تُنتج السّنابل المليئة، وتحتاج إلى الأملاح والماء الموجودين في التّراب، لولاها -بإذن الله- ما اخضرّ زرعٌ، ولا نضجت حبّةٌ، فهي عنصرٌ رئيسٌ في هذه الدّورة لا يمكن الاستغناء عنه.
لكن قف هنا وتفكّر: هاك حفنةً مِن أملاحٍ معدنيّةٍ وترابًا وماءً، ضعها في الشّمس، هل ستنبت؟ هل ستنتج لك الأملاح المعدنيّة قمحًا؟ بالتّأكيد لا.
أنت تحتاج إلى المصنع الأهمّ في هذه العمليّة: حبّة القمح نفسها. فهي الّتي تحمل المورّثات، الصّفات الوراثيّة الّتي تؤهّلها أن تُنتج لك حبّة القمح، هي الّتي ستُخرج لك الورقة الخضراء.
ووظيفة الورقة الخضراء أن تصطاد طاقة الشّمس، فتختزنها في حبّة القمح، أنت لمّا تأكل لقمة الخبز تحصل على طاقةٍ، مِن أين جاءت هذه الطّاقة؟ إنّما جاءت من الشّمس، كيف تحوّلت طاقة الشّمس إلى طاقةٍ مختزنةٍ في حبّة القمح؟ هذه هي وظيفة الأوراق الخضراء في هذا الكون، في هذا الكوكب.
فالورقة الخضراء مِن حبّة القمح وغيرها مصيدةٌ لطاقة الشّمس، لشعاع الشّمس، تصيده وتختزنه لك، فإن كانت الورقة الخضراء ورقة تفّاحٍ، فإنّها ستختزن لك طاقة الشّمس في حلاوة التّفاح، وإن كانت الورقة الخضراء ورقة نخيلٍ، فإنّها ستختزن لك طاقة الشّمس في حلاوة التّمر، وعلى هذا فقس، فهذا أمرٌ شائعٌ في كلّ ورقةٍ خضراء.
وكيف علمت الورقة الخضراء هذه أنّ شعاع الشّمس ها هنا ينبغي أن يُختزن في حبّة قمحٍ، وهناك ينبغي أن يُختزن في حبّة تمرٍ؟ هذا عائدٌ إلى الصّفات الوراثيّة الّتي تحملها نواة التّمر، والصّفات الوراثيّة الّتي تحملها حبّة القمح، فهما على صغرهما ودقّتهما، يحتويان الشّفرة الوراثيّة الّتي تؤهّل هذه أن تفعل ذا، وتؤهّل تلك أن تفعل ذاك.
ثمّ تأتي مرحلة فعل البشر: يحصدون، ويدرسون، ويذَرّون، ويطحنون، ثمّ يعجنون، ويشوون العجين بالنّار، فينتج رغيف الخبز.
نحن لا نملك شعاع الشّمس، ولا نملك ماء الأرض، ولا نملك أملاح التّربة، ولا نملك الورقة الخضراء ولا نظامها في اصطياد الطّاقة، ولا نملك الجذر ولا نظامه في امتصاص المفيد وترك غير المفيد، كلّ هذه الأنظمة لا نملكها، وإنما طرأت علينا، فوجدناها في حياتنا فانتفعنا منها، فالحمد لله، صبّ الماء صبًّا، ثمّ شقّ الأرض شقًّا، فأنبت فيها حبًّا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلًا وحدائق غلبًا وفاكهةً وأبًّا، متاعًا لكم ولأنعامكم.
2- في الأنفس
قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذّاريات: 20-21].
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصّلت: 53].
لا يحقّ لنا بعد أن عمِلَت هذه الأنظمة بصورةٍ متكاملةٍ متناغمةٍ متماسكةٍ أن نقول إنّنا نملك ما تنتجه، بل على الحقيقة لنقل: إنّ اللّيرات الّتي ندفعها هي مقابل التّعب الّذي بُذل حتّى وصلت حبّة القمح إلى المتجر على هيئة رغيف خبزٍ، وهذا الجهد الذي بُذل، إنما بُذل لأنّ باذليه أكلوا يومًا خبزًا فتقوّوا به، فتقوّوا بالخبز على البذل، والآن يبيعون ثمن الجهد الّذي إنّما نتج عن خبزٍ أكلوه سابقًا، فرزقهم الله به الطّاقة.
فلذلك نحن لا نملك الخبز، ولا نملك الجهد الذي بُذل في تحويل القمح إلى خبزٍ، فهو كلّه محض رزقٍ مِن الله، محض رزقٍ ليس لنا فيه يد، لذلك لنشكر الله على كلّ تفاصيله.
هل تنتهي النّعم بمجرّد وصول لقمة الخبز إلى فيك؟ لدينا المزيد مِن النعم تبدأ مع وصول لقمة الخبز إلى الفم، حيث يبدأ اللّعاب بترطيبها، واللّسان بتقليبها، والأسنان بتقطيعها. وهذه نعمٌ متكاملةٌ.
لو أردت أن تقوم بعمليّة المضغ بعقلٍ واعٍ، لاستغرق منك جهدًا وتفكيرًا: متى تحرّك الفكّ، بأيّ قوّةٍ تضغط، كيف تمنع اللّسان مِن أن يُجرح، متى تفرز اللّعاب، وبأيّ كمّيةٍ، لكنّ الله جعل المضغ منعكسًا لا إراديًّا، تقوم به دون أن تشعر به، ليس كالأفعال الّتي تحتاج منك تركيزًا وحضور ذهن، رغم أنّه معقّد بالغ التّعقيد، تتكامل فيه أنظمة الحسّ والحركة بصورةٍ لا يسهل تبسيطها على منبر الجمعة، لذلك هي نعمةٌ يحسن بالمرء أن يقف عندها فيحمد الله عليها حمدًا كثيرًا.
ومِن النّعم الّتي تكون في الفم ولا يشعر بها المرء، أنّ أول عمليات هضم نشاء القمح تكون في اللّعاب، حيث يحتوي على مادّةٍ كيميائيّةٍ تباشر عملها في تفكيك نشاء القمح إلى صورٍ أبسط منه.
إنّ النّشاء معقّدٌ لا يدخل إلى الدّوران الدّموي مِن السّبيل الهضمي بكامله، بل لا بدّ مِن أن يتمّ تقسيمه كيميائيًّا إلى سكريّاتٍ صغيرةٍ، وهي عمليّة طويلةٌ، لحظتها الأولى تبدأ عند التقاء اللّعاب مع جزيئات النشاء، فتبدأ بتفكيكها، فالحمد لله الذي أودع في لعابك معملًا كيميائيًّا يعمل بصمتٍ، وأنت لا تدري.
خاتمةٌ:
مِن النّعم الّتي تكون في الفم أنّ نظام الشّعور باللّذة يرافق المضغ والبلع، فهو أمرٌ يتمّ بالموازاة مع عملية مضغ اللّقمة وبلعها، وهذا أمر له فائدةٌ عظيمةٌ، مِن حيث أن يكرّر المرء الطّعام والرّغبة في الأكل، ولفهم هذا المعنى علينا أن نفترض العكس: ماذا لو كانت هذه العملية مقترنةً بالألم؟ يأكل المرء فيتألّم بدل أن يلتذّ، هذا سيجعلنا نفرّ مِن الطّعام، وإذا فعلنا ذلك فإنّ أجسامنا ستؤول إلى ضعفٍ ونحولٍ وهزالٍ، بدل أن تؤول إلى قوّةٍ واشتداد عودٍ.
أرأيت الطّفل يرى الدّواء مرًّا، هل يرغب في أخذه وتناوله؟ لو أنّه كان يجد حليب أمه بمرارة الدّواء، ويجد لقمة الخبز بعد أن تفطمه مؤلمةً إذ تدخل إلى فمه، كيف ستقنع الطّفل أن يأكل فيتقوّى ويكبر وينمو؟ أمّا لما اقترن المضغ والبلع باللّذة، فإنّ طفلك بعد أن تفطمه سيسعى جاهدًا إلى الحصول على الطّعام، سيبكي ويصرخ ويطلب منك أن تطعمه، حتّى يتخلّص مِن ألم الجوع مِن جهةٍ، وحتّى يتحصّل على لذّة السّكاكر والخبز الّذي ذاقه آنفًا، فاقتران المضغ والبلع باللّذة نظامٌ مهمٌّ جدًّا لنشوء أطفالنا ونموّهم، فلنحمد الله على هذا النّظام.
فانظر في لقمتك الواحدة، حيث اجتمعت آيات الآفاق وآيات الأنفس، أوّلها مِن الله وآخرها مِن الله، وظاهرها رزقٌ وباطنها رزقٌ، في الفم وحده: مضغٌ لا إراديٌّ، وإنزيماتٌ تعمل بصمتٍ، ولذّةٌ تبقيك حيًّا إلى حينٍ، فإذا أكلت فاحمد الله، فإنّ الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشّربة فيحمده عليها، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عمه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا).
http://shamkhotaba.org