1- بطش رب�'ِ�?
2- ا�,,ظ�'ُ�,,�... ا�,,�...�?�,,ِ�?
مقدمة:
قُرعت طبول الحرب في المنطقة زمانًا، ثمّ استحال قرعها حربًا دائرةً بين طرفين عدوّين لنا، لا يخفيان عداءهما، بل قد عملوا بمقتضى ذاك العداء دهرًا؛ فقصفوا وقتلوا ودمّروا وهجّروا وأحرقوا وأبادوا، ثمّ لمّا رأوا ضعفنا وانكفاءنا انشغل بعضهم ببعضٍ، وذلك شأن كثيرٍ مِن الخلطاء، يبغي بعضهم على بعضٍ، لا يريد أحدهم أن يعلو الآخر عليه علوًّا بيّنًا فينافسه النّفوذ والسيطرة في الإقليم {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24].
وهم إذ يصطرعون لا يغفلون عنّا، فتراهم يعلنون أن الدَّور القادم علينا بعد انتهاء حربهم تلك، لذا يظهر جليًّا أنّ سرعة حسم هذه المعركة لصالح أحدهما بصورةٍ فاقعةٍ سينعكس علينا بالضّرر القريب، وطول أمد المعركة بينهما قد يلحق ببلادنا ضررًا مِن حيث عدم الاستقرار واضطراب سوق المحروقات والنّفط، لكنّ هذه الأضرار -إذا تنبّه لها النّاس فلم يهلعوا- مغتفرةٌ في جنب خطر طيش الكفّة لصالح أحدهما سريعًا، ولا يعلم الغيب إلّا الله، فنسأله أن يهلكهما فلا يقويان على الإضرار بنا، وأن يتيح لنا بانشغالهما فرصةً سانحةً نتقوّى بها ونستعدّ لحروب قادماتٍ {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 59-61].
1- بطش ربِّك
لقد أمرنا دِيننا الحنيف بأن نعتقد أنّ الله بيده ملكوت كلّ شيءٍ، وهو يجير ولا يجار عليه، وأنّه عزيزٌ ذو انتقامٍ {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 12-16].
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [الزّمر: 36-37].
فقد اتّصف بالكبرياء والعظمة، والمُلك والجبروت، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: (يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- يَقُولُ: (يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ، وَأَرَضِيهِ بِيَدِهِ)، وَقَبَضَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا، وَيَبْسُطُهَا، ثُمَّ يَقُولُ: (أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟) قَالَ: وَيَتَمَايَلُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟
ومَن نازع الله في العظمة والكبرياء والجبروت فقد استوجب عذاب الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عز وجل: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ).
وقد دلّت شواهد التّاريخ وواقع البشر على هذه السّنّة الكونيّة القاضية بأنّه مَن نازع الله في ملكه وجبروته، أهلكه الله، وسلّط عليه مِن خلقه مَن لم يحتسب {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثّر: 31].
وقد يُخدع بعض النّاس الحمقى بقوّتهم، بوحيٍ مِن كِبرٍ في داخلهم، فيدفعهم إلى الطّغيان والفساد، وظلم العباد، وتدمير البلاد {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].
ومِن أعظم الفساد الّذي ينشأ عن العلّو والاستكبار: العلّو على الله وعلى شريعته، والعلّو على الخلق، والاستكبار عن قبول الحقّ، فكم قامت مِن حضارات، وانتشرت أممٌ، فشيّدت عمرانًا عظيمًا، وخلّفت تراثًا كثيرًا، ولكنّها استكبرت وظلمت، فأخذها الله أخذ عزيزٍ مقتدرٍ، فما بقي مِن عمرانهم وحضارتهم إلّا آثار تدلّ الأجيال المتعاقبة على شدّة بأسهم وقوتهم، وما كانت قوّتهم لتدفع عنهم عذاب الله تعالى {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [الطّور: 7-8].
2- الظُّلم المهلِك
لقد غدا الظّلم سنّةً مِن السّنن في هلاك الأجيال، وتقرّر سببًا مِن الأسباب في سقوط الحضارات، وإزالة الدّول والحكومات {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59].
ولو أنّهم أصلحوا لنجوا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].
ظلمت عاد وثمود، وقوم نوح وقوم لوط، وفرعون وهامان وقارون، فأين هم؟ وأين مماليكهم؟ وأين عمرانهم؟ أهلكهم الله بالغرق والخسف والرّيح والصّيحة {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].
ولم يستطع أحدٌ أن يحميهم مِن عذاب الله {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرّعد: 11].
وحضارات أخرى سلّط الله عليها جندًا لا يخافون الله فيها، فاستباحوا ديارها، وأبادوا خضراءها، وتلك سنّةٌ كونيّةٌ، وآية ربّانيّةٌ، جعلها الله لمَن يعتبر مِن البشر {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 100-102].
وكلّ ذلك بسبب الظّلم والطّغيان {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ *أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحجّ: 45-46].
كما ذكر القرآن أمّة سبأ، وأخبر عن بساتينها وخضرتها، وأشجارها وعمرانها، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها العذاب الشّديد {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ: 15-19].
وكلّ ذلك يدعو للتّأمّل والتّفكّر.
خاتمةٌ:
ما أكثر ما دعا النّاس في قنوتهم في رمضان وغيره أن يمنّ عليهم بتحرير الأسرى مِن سجون الظّلمة، وهم حال دعائهم يستبعدون ذلك، لما يرون مِن تجبّر النّظام البائد وعلوّه، ثمّ دارت الأيّام وانصدعت جدران السّجون وانفرجت عن حرّيّةٍ مجيدةٍ.. ما أكثر ما دعا النّاس على النّظام المجرم أن يهزمه الله وأن يلقي الرّعب في قلوب جنده، وهم إذ يدعون يقولون "متى نصر الله؟" فكان نصر الله قريب، وفرّوا يخلع قلوبهم رعبٌ ما ذاقوا مثله، وأمسى رؤوسهم طريدون في العواصم البعيدة.. كذلك دعا النّاس كثيرًا على الميليشيات الّتي جاءتنا مِن خارج الحدود، تؤزّها فتاوى مرجعيّاتٍ لا ترقب فينا إلًّا ولا ذمّةً، دعوا على تلك العصابات وعلى مرجعيّاتها، وكانت تلك المرجعيّات يومها تتحكّم في أربع عواصم عربيّةٍ، فكان النّاس يدعون ويؤمّنون ويرون ذلك بعيدًا، ثمّ ما لبثوا أن رأوا تلك العمائم ممرّغّةً ممزّقةً محرّقةً مخرّقةً، أذاقها الله ما أذاقت النّاس، فسبحان الملك الجبّار العزيز المنتقم القهّار، فلندعُ ولنَدعِ الأمر لمَن بيده الأمر.
الأصل أن يُعذّب الكفّار بأيدينا، فنفرح لذلك وتشفى صدورنا به {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التّوبة: 14-15].
أما وقد فاتنا ذلك فانشغل أعداؤنا ببعضهم فنحمد الله على انشغالهم، ونرجو لهم دوام الانشغال حتّى نتأهّب ليومٍ نكون فيه طرفًا في المعركة إن فُرضت علينا، يومها نري الله مِن أنفسنا خيرًا، فنقاتلهم بأيدينا فننتصر ويتمّ لنا شفاء الصّدر على وجهه المحمود.