الجمعة 5 رجب 1444 هـ الموافق 27 يناير 2023 م
علي الطنطاوي -رحمه الله-
الأحد 2 رمضان 1435 هـ الموافق 29 يونيو 2014 م
عدد الزيارات : 7487
علي الطنطاوي -رحمه الله-

خطيب الخطباء الشيخ علي الطنطاوي-رحمه الله-

أول دراسة للجانب الخطابي في سيرة الشيخ علي الطنطاوي

 

مات مَن كان يلقبونه بالمحدِّث الأكبر في الشام  الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى، فسعتْ دمشقُ إلى الجامع الأمويّ، وسعينا مع الناس ..واكتظّ الجامعُ الأموي بالألوف بل بعشرات الألوف من الناس الذاهلين أو الباكين أوالمهللين المكبرين ، وارتفع من أعماق المسجد، من على منبره، صوتٌ قوي مؤثر، دون مكبّر، وصل إلى جميع المسامع، فسكن الناس بعض السكون، وأنصتوا لكلام الخطيب الذي تحدّث .. فنفذ إلى قلوب الناس ومشاعرهم، بصدقه وعلمه وبلاغته ، وجمال إلقائه وصفاء صوته وقوته ، وحرّكها كما يريد وسألتُمن هذا الخطيب ؟ قالوا:  إنه الشيخ علي الطنطاوي( عصام العطار-مجلة الرائد-العدد212جمادى الأولى 1420ه /1999)

 

مولد خطيب الخطباء الشيخ علي الطنطاوي  ونشأته :

ولد الشيخ الخطيب الأديب الفقيه سليل العلماء علي الطنطاوي في دمشق في 23 جمادى الأولى 1327 هـ (12 يونيو 1909) لأسرة عُرف أبناؤها بالعلم.

جمع في الدراسة بين طريقي التلقي على المشايخ و الدراسة في المدارس النظامية ؛ فقد تعلم في هذه المدارس إلى أن تخرج في الجامعة ، وكان يقرأ معها على المشايخ علوم العربية والعلوم الدينية على الأسلوب القديم. وقد عدّ من مشايخه الذين قرأ عليهم -في حاشيةٍ طويلةٍ في أول كتابه "تعريف عام بدين الإسلام"- طائفةً منهم يجاوزون الأربعين .

تلقى دراسته الابتدائية الأولى على العهد العثماني، فكان طالباً في المدرسة التجارية التي كان أبوه مديراً لها إلى سنة 1918، ثم في المدرسة السلطانية الثانية، وبعدها في المدرسة الجمقمقية، ثم في مدرسة حكومية أخرى إلى سنة 1923، حين دخل "مكتب عنبر" الذي كان الثانوية الكاملة الوحيدة في دمشق حينذاك، ومنه نال البكالوريا سنة 1928.

عاش الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله ) في هذه المدرسة ستاً من أغنى سني حياته لم ينسَ أثرها ولم تغِبْ عنه ذكراها إلى آخر أيامه، و ها هو يقول عنها: "لقد عشت في هذا المكتب ست سنين كانت أحفل سني حياتي بالعواطف وأغناها بالذكريات، وكانت لنفسي كأيام البناء في تاريخ الدار. لو عاشت الدار بعدها ألف سنة لكانت كلها تبعاً لهذه الأيام التي يُرسم فيها المخطط وتُحدد الغرف ويُرسى الأساس". (1)
بعد ذلك ذهب إلى مصر ودخل دار العلوم العليا، وكان أولَ طالب من الشام يؤم مصر للدراسة العالية، ولكنه لم يتم السنة الأولى وعاد إلى دمشق في السنة التالية (1929) فدرس الحقوق في جامعتها حتى نال شهادة الليسانس سنة 1933.

 توفي أبوه وعمره ست عشرة سنة، فكان عليه أن ينهض بأعباء أسرةٍ فيها أمٌّ وخمسة من الإخوة والأخوات هو أكبرهم. ومن أجل ذلك فكر في ترك الدراسة واتجه إلى التجارة، ولكن الله صرفه عن هذا الطريق وعاد إلى الدراسة ليكمل طريقه فيها. يقول: "لقد فقدت أبي وأنا في مطلع الشباب، واضطررت إلى أن أكتسب قبل سن الاكتساب، وتعلمت ودرست على ضيق الحال وقلّة الأسباب، وأكرمني الله فعلمني وكفاني، فما أحوجني أن أمدّ يدي يوماً إلى أحد ممّن خلق الله". (2)

 

بداية الشيخ الخطابية :

إن نشأة الشيخ في أسرة علم وتقلّبه بين أفذاذ من أعلام عصره جعل منه شخصية موسوعية، فهو فقيه وقاض وأديب؛ انعكس ذلك كله على شخصيته الخطابية، فما إن تراه يعتلي المنبر حتى يتفنّن في ألوان من الإبداع الخطابي بين الأدب والشعر والبلاغة  ودقائق الفقه وفرائد الثقافة؛ حتى صار له ملكة مُزجت بين الممارسة وهذه الموسوعية في العلم

كانت أول خطبة للشيخ وهو طالب في المدرسة وله من العمر اثنا عشر عاماً

  قال - رحمه الله- :" خطبتُ أوّل خطبة لي على دُرج مدرسة طارق بن زياد بدمشق سنة 1921.(الذكريات 2/67 وانظر 1/ 98 - 99)

ثم فتح الله عليه في فأبدع خطيباً وكاتباً .

ويظهر أثر موسوعيته وتمكنه في قدرته على الارتجال مع حفاظه على المستوى العالي من البراعة في الأسلوب وانتقاء المفردات والألفاظ

يقول محمد لطفي الصباغ:" وكانت الموهبة الفذة تساعده في إبلاغ الحق ونقله إلى الناس.وليس من السهل أن تتحدث إلى الناس بأسلوب بليغ في قمة البلاغة، ويكون حديثك مع ذلك مفهوماً يفهمه الناس جميعاً ويقبلون عليه .(3)

 يقول - رحمه الله - :" وكان عندي موهبة الخطابة على أكمل صورِها، يكفي أن أصعدَ المنبرَ وأواجهَ الناسَ حتّى يتدفّق عليّ سيلُ الكلام. والارتجالُ من أصعبِ الأشياءِ؛ فالخطيبُ يفكّرُ فيما يقول، وفي انتقاءِ الألفاظِ المعبّرة عنه، يعرضُها ليختار أحسنها، ويفكّر فيما قال قبلُ ليصله به، ولا يقطعه عنه، وفيما سيقوله بعد ليُسوّي له المعنى ويتخيّر له اللفظ" .(الذكريات 2/67)

ومع ذلك نجده يقرر هيبة المنبر وصعوبة ذلك، فيقول:" علي أنّي لا أكتُمُكم، بل أعترفُ لكم بأنّها تمرُّ بي الدقائق الأخيرة قبل أن أشرع بالخطبة ثقيلةً، وأنّي ربّما استشعرتُ الهيبةَ أحيانًا، فإذا بدأت الكلام ذهبَ هذا كلّه " (الذكريات 2/67)

ولتميزه في الخطابة كان يُقصد مجلسه، يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ :" وأذكر أننا عندما أردنا أن نقيم خطبة الجمعة في مسجد الجامعة السورية، وكنت أحد أعضاء لجنة المسجد، طلبنا من الأستاذ الطنطاوي إن يلقي خطبة الجمعة لأول مرة فيه فوافق، وكانت الجامعة خارج المدينة. فلما علم الناس أن الخطيب الشيخ علي الطنطاوي سارعوا إلى الحضور فامتلأ المسجد بالمصلين، وكنا ندعوه إلى الخطبة في المسجد أحياناً كثيرة، وكان – رحمه الله – يستجيب (خواطر من أستاذنا الطنطاوي-رابطة أدباء الشام)

في أحد الأيام كان على موعد لصلاة الجمعة في مسجد القصب في دمشق فقال له أصحابه: إن المسجد قد احتشد فيه جمهور من الموالين للفرنسيين واستعدوا له من أيام وأعدوا خطباءهم فرأينا أنهم لا يقوى لهم غيرك، فحاول الاعتذار فقطعوا عليه طريقه حين قالوا له إن هذا قرار الكتلة ((كان مقاومو الاحتلال ينضوون تحت لواء تنظيم يسمى الكتلة الوطنية وكان الطنطاوي عضوا فيها)) فذهب معهم وكان له صوت جهور، فقام على السّدة مما يلي ((باب العمارة)) ونادى: إليّ إليّ عباد الله، وكان نداء غير مألوف وقتها، ثم صار ذلك شعاراً له كلما خطب، فلما التفوا حوله بدأ ببيت شوقي:

وإذا أتونا بالصفوف كثيرة  *** جئنا بصف واحد لن يكسرا

وأشار إلى صفوفهم المرصوصة وسط المسجد، وإلى صف إخوانه القليل، ثم راح يتحدث على وترين لهما صدى في الناس هما الدين والاستقلال، فلاقت كلماته استحساناً في نفوس الحاضرين، وأفسدت على الآخرين أمرهم، وصرفت الناس عنهم. ولما خرج تبعه الجمهور وراءه، وكانت مظاهرة للوطن لا عليه. (4)

 

دور المنبر في الإصلاح في نظر الطنطاوي:

كان الشيخ علي الطنطاوي يدرك أهمية المنبر في الإصلاح المجتمعي وضرورة استعادة دوره بالخروج على النمط التقليدي السائد الذي أمات خطبة الجمعة وأذهب هيبتها من نفوس الناس.

يذكر –رحمه الله- حادثة يعرج منها على التأكيد على أهمية دور المنبر في إصلاح المجتمعات؛ يقول :" كان وفد من العلماء يزور واحدًا من كبار أولي الأمر من عهد قريب، يشكو إليه فساد الأخلاق، وانتشار المعاصي، وهذه المنكرات البادية، فقال لهم: "أنا أعجب من أمركم؛ عندكم هذه المنابر التي تستطيعون أن تصلحوا بها كل فاسد، وتقوِّموا كلَّ معوجٍّ، ثم تَشْكُون إليَّ ما تجدون! ".

وهي كلمة أجراها الله على لسانه لتقوم بها الحجة علينا مرتين: مرة لأنها كلمة حق، لا ينازع في صحتها منازع، ومرة لأنها جاءت موعظة منه هو لمن يتصدُّون لوعظ الناس! ولو كان عُشْر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العاملة المنظمة؛ لصنعت بها العجائب؛ فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئًا؟!

ويقول أيضاً :" كان للرسول - صلوات الله عليه - منبر واحد: درجات من الخشب، ليس فيها براعة النقش، ولا فيها روعة الفن، ليس عليها قُبَّة، ولا لها باب، دعا منها فلبَّت الدنيا واستجاب العالم، وترك بها على الأرض أعظم أثرٍ عرفه تاريخ الأرض، وعندنا اليوم مائة ألف منبر، مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب، كلها مزخرفٌ منقوشٌ، استنفد جَهْد أهل العمارة وعبقرية أهل الفن، وفيها المكبرات والإذاعات تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض؛ فيُسمع خطباؤها الملايين، ولا نرى لها مع ذلك أثرًا في إصلاحٍ ولا عملاً في نهضة؛ فما هو السر في تلك القوة، وفي هذا الضعف؟ تعالوا نفكر في ذلك جميعًا، نعرض أحوال هذه الخُطَب، ونفتِّش عن حالها، ولا يغضب مني أحدٌ، فما أريد الفضيحة ولا التشهير؛ إن أريد إلا الإصلاح، وأنا بعدُ واحدٌ من الخطباء، لستُ غريبًا عنهم ولا مبرَّأ من عيوبهم، وما يُقال فيهم يُقال مثله فيَّ أنا، ومن أجراكَ مجرى نفسه ما ظلمكَ"

 

-سمات منهجه الخطابي :

لابد قبل الدخول في منهج الشيخ الخطابي من تمهيد:

 عند التأمل في أحوال الخطباء المؤثرين والذين كان لهم أثر واضح في تحريك الناس وتوجيههم نجد هناك تكاملاً وتناغماً في شخصية هؤلاء الخطباء، تتجاوز مسألة التمكن في مهارات الإلقاء  أو البراعة في تركيب الكلام وتوظيف الأساليب، وإن كان هذا كله جزءاً من قصة النجاح لهؤلاء،لكن من الضروري أن ندرك أنّ واحدةً من هذه المهارات ليست وحدها -مهما بلغ التمكن منها –ليست هي سبب ذلك .

من هنا ندرك اختزال الخطابة في القدرة على التحكم في نبرة الصوت أو ترتيب الكلام وغير ذلك .

الخطابة تقوم على أربعة جوانب رئيسية متكاملة تصنع الخطيب الناجح، وهي :

شخصية الخطيب – مهارات الخطيب – الجانب المجتمعي لدى الخطيب- الجانب العلمي لدى الخطيب.

بعد هذا التمهيد نستطيع أن ندخل إلى شخصية الخطيب الشيخ علي الطنطاوي-رحمه الله-

الجانب الأول : الجانب الشخصي عند الشيخ الطنطاوي :

1)               روح المبادرة :فالشيخ لم يكن خطيباً تقليدياً، ولم يكن مجرد حافظ للأشعار يطرب الناس بها على المنابر بل كان يوظف بلاغته في المبادرة إلى طرح ما يكون سبيلاً للإصلاح مما كان يترك بصمة الشيخ علي الطنطاوي واضحة في مجتمعه؛ من ذلك ما ذكره رحمه الله في سعيه لإصلاح المنابر وتقويم خطبة الجمعة للنهضة بها وإحيائها وبعث الروح فيها: " وأزعجتُ بنقدي العنيف الأوقاف، إدارتها وأكثر خطباء مساجدها، فأغرتهم بي، وما كانوا في حاجة إلى إغراء، ففيما كتبت عنهم ما يكفيهم، فنزل عليّ البلاءُ من فوق المنابر، وصرتُ المثل المضروب للشابّ الأرعنِ الوقح، قليل الحياء، الذي يتطاول على العلماء ويتناول الخطباء " .

ومن مبادراته سعيُه إلى تشكيل اللجان الطلابية بعد رجوعه من مصر، حيث رأى -لمّا كان هناك لجاناً للطلبة لها مشاركة في العمل الشعبي والنضالي، فلما عاد إلى الشام دعا إلى تأليف لجان على تلك الصورة، فأُلّفت لجنةٌ للطلبة سُميت "اللجنة العليا لطلاب سوريا" وانتُخب رئيساً لها وقادها نحواً من  ثلاث سنين. وكانت لجنة الطلبة هذه بمثابة اللجنة التنفيذية للكتلة الوطنية التي كانت تقود النضال ضد الاستعمار الفرنسي للشام، وهي (أي اللجنة العليا للطلبة) التي كانت تنظم المظاهرات والإضرابات، وهي التي تولت إبطال الانتخابات المزورة سنة 1931.

ومن ذلك أيضاً مبادرته -لمّا كان قاضياً في دوما- وضع قانون كامل للأحوال الشخصية، فكُلِّف بذلك عام 1947 وأوفد إلى مصر مع عضو محكمة الاستئناف الأ‎‎‎‎ستاذ نهاد القاسم (الذي صار وزيراً للعدل أيام الوحدة) فأمضيا تلك السنة كلها هناك، حيث كُلف هو بدرس مشروعات القوانين الجديدة للمواريث والوصية وسواها كما كُلف زميله بدرس مشروع القانون المدني. وقد أعد هو مشروع قانون الأحوال الشخصية كله وصار هذا المشروع أساساً للقانون الحالي وأُشير إلى ذلك في مذكرته الإيضاحية. (5)

2)               الجرأة والتحدي:

يقول عبد القدوس أبو صالح:"ذلك أن خصلة الشجاعة والجرأة لم تفارق الطنطاوي في حياته كلها، وكانت هذه الشجاعة أجلى ما تكون أمام الحكام، حينما يرى جَوراً في الحكم، أو انحرافاً عن جادة الدين والخلق، ومواقفه في ذلك مشهودة ومشهورة أمام أديب الشيشكلي - الحاكم العسكري في سورية - وأمام الحسيني - قائد الشرطة فيها - وأمام السراج - رئيس المخابرات في أيام الوَحدة بين سورية ومصر - وأمام كمال الدين حسين - عضو قيادة الثورة ووزير المعارف في أيام الوحدة - ولنستمع إلى قوله في مقابلته له مع وفد من العلماء: "نحن ما جئنا من أجل الرواتب، ولكن جئنا مدافعين عن الدين وعن الأخلاق، ومطالبين بالإصلاح. هل تعلم سيادتكم أننا لسنا هنا أحراراً، كل واحد منا مراقب، يبعث إليه من يحصي عليه حركاته وسكناته، فكيف نعيش مطمئنين آمنين ألا تصيبنا جائحة؟! حتى أنت، إنَّ معك اثنين يراقبانك، ويرفعان عنك تقريراً بكل ما تقول أو تفعل، وهذا التقرير لا يرفع إلى سيادة الرئيس، بل إلى رب الرئيس ورب العالمين، يعلن على رؤوس الأشهاد يوم المعاد، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا وزارة ولا رياسة، فأرجو ألا تهيئ جواباً يرضينا الآن، بل تُعِد الجواب لرب العالمين يوم الحساب"

من ذلك ماحصل معه في محافظة دير الزور حيث كان فيها معلما سنة 1940، يقول –رحمه الله- :" يقول: "وجاءت عطلة نصف السنة، فقلت أقضيها في الشام (أي في دمشق). فأعددت عدة السفر ووضعنا أمتعتنا في السيارة وهممنا بالمسير، ثم رأينا بأنه لم يبقَ لموعد الصلاة إلا قليل -وكان اليوم يوم جمعة- فاقترحنا أن تقف السيارة بباب المسجد فنصلي ثم نمتطيها ونتوكل على الله. فلما دخلت المسجد جاءني الشيخ حسين السراج رحمه الله فقال: إن القوم يطلبون أن تلقي فيهم خطبة قبل أن تسافر. وكانت باريس قد سقطت في أيدي الألمان والاضطرابات قد عادت إلى الشام، فقلت له: أنت تعلم يا شيخ حسين أنني كالقنبلة التي لا يمسكها أن تنطلق إلا مسمار صغير، وأخاف أن تطغى بي الحماسة فأقول ما لا يناسب المقام، فإلى أي مدى يسمح لي الموقف بالكلام؟ فضحك وقال: قل ما تشاء، فالمجال أمامك فسيح. فألقيت خطبة من تلك الخطب النارية التي كان لها الأثر الكبير في نفوس الناس، لا أذكر منها إلا جملة واحدة قلت فيها: "لا تخافوا الفرنسيين فإن أفئدتهم هواء، وبطولتهم ادعاء. إن نارهم لا تحرق ورصاصهم لا يقتل، ولو كان فيهم خير ما وطئت عاصمتَهم نعالُ الألمان".

وكنت أحسب أن الناس في الدير مثل إخوانهم في دمشق؛ يخرجون بالمظاهرات يصيحون فيها ويهتفون، ولم أكن أعلم أنهم مثل أهل بغداد؛ مظاهراتهم إعصار فيه نار، وزلازل تدمر، وبراكين تنفجر. خرج الناس من المسجد يريدون أن يصلوا إلى الفرنسيين فيحطموهم، وجاء الشرطة والجند ليمسكوا بي لأن المستشار (الكولونيل العسكري) أمر بالقبض عليّ، ولكن هذه الأمواج من الناس الثائرين حالوا بيني وبينهم فقنعوا من الغنيمة بالإياب...

ومن ذلك من ذلك اتصاله رحمه الله بالسراج رئيس الحكومة ( حكومة الإقليم الشمالي في سوريا يومها    قال -رحمه الله- :" .. حتى اقتنعت يومًا بأنّ لقاءه ينفع المسلمين.. فذهبت إليه مع الشيخ فخري، وقلت له: إنّ لي حاجةً أعرضها قبل أن أبدأ الحديث، هي أنني اشتغلت في عمري بمهنتين: مهنة التعليم ومهنة القضاء، وكلا المهنتين بعيدٌ عن أساليب السياسيين وعن طرائق الدبلوماسيين، فطلبي أن تسمح لي أن أتكلّم على سجيّتي، وأن أقول ما في نفسي، ولك علي عهد الله الذي هو المطلع على قلبي على ان لا أقول إلا الحق. قال: تفضّل ..، وتكلمتُ وقلتُ له أكثر مما قلته في الخطبة على المنبر، بيّنتُ له ما يصنع موظّفو وزارة المعارف بالطلاّب والطالبات، وشرحت له ما نراه من الانحرافات، ونصحت له كما أمر الرسول طلبة العلم أن ينصحوا للحاكمين كما ينصحون لعامة المسلمين، وهو ساكت لا يتكلّم ولا يبدو على وجهه رضا ولا سخط، ولا استزادة من كلامي ولا ملل منه، حتى انقضت ثلاثة أرباع الساعة." (4)

 

3)               الذكاء وسرعة البديهة :

من ذلك ماذكره عبد القدوس صالح:" كان الشيخ على سجيته في تلك السهرة لا يتكلف، ولا يتورع أن يكون مثل شبيهه الجاحظ فيورد من النوادر ما يخطر على باله دون تحرج، وكان معنا صديق يميل إلى الرّصانة والشدة، فقال له: يا شيخ على: إنه لا يليق أن تذكر من النوادر ما لا يليق بمقامك. واستجاب الشيخ فوراً وقال له: أرجو أن تكون أميراً على. حتى إذا رأيتني أقول ما لا تراه لائقاً نبهتني فارعويت. وقبِل الزميل هذه الإمارة على الشيخ، فما مضت برهة من الوقت حتى خطرت على ذهن الطنطاوي إحدى تلك النوادر التي لا تعجب الزميل المتشدد، فقال الطنطاوي: بالإذن من الأمير سأقول هذه النادرة، ثم تكرر ذلك الاستئذان في تلك السهرة مرات ومرات، وعندئذ قال الزميل: اشهدوا أني استقلت من هذه الإمارة التي (تبهدلتُ) بها. (5)

ومنها ماذكره بعد حادثة دير الزور: " وبعد أيام من وصولي إلى دمشق استدعاني وزير المعارف، ودخلت عليه فاستقبلني مرحّباً وآنسني بالكلام، ثم قال لي: كأن هواء دير الزور لم يوافقك، فهل تحب أن تستريح أياماً؟ فقلت في نفسي: أتجاهل لأعرف ما الذي يريده. فقلت: لا، إن هواء دير الزور وافقني جداً وصحتي بحمد الله صحة حسنة. قال: أرى أن تستريح أياماً بعد هذا السفر الطويل. قلت: لا يا سيدي؛ لا أحتاج إلى راحة وسأرجع في نهاية العطلة النصفية. فقال وقد نزع عن وجهه القناع: بلا كلام فارغ... ما بدهم إياك (أي أن المستشار الفرنسي يرفض عودتي إلى الدير، فكان ذلك خيراً أراده الله لي). قلت: كيف أبقى هنا بلا عمل؟ قال: نمنحك إجازة مرضية. قلت: ولكني لست مريضاً. فضحك وقال: سنختار لك مرضاً ترضاه!".

ومنها قضية محكمة النبك المشهورة: فقد قابلَتْه في محكمة النبك قضية ضخمة جداً، إضبارتها تعدل في عدد صفحاتها -كما قال- جزأين من القاموس المحيط لا جزءاً واحداً، وكان كبار المحامين يأتون من دمشق للنظر فيها، فنظر فيها فبدا له أمرٌ لم يكن أحدٌ قد انتبه له. قال: "وأصبح الصباح وغدوت على المحكمة، وجاء المحامون الكبار... والمحامون أمام القاضي الجديد كالطلاب الكبار مع المعلم الجديد: تكون معركة خفية بين الفريقين؛ المحامون يريدون أن يعرفوا قوة هذا القاضي من ضعفه، وعلمه من جهله، وحزمه من لينه. ففاجأتهم بقرار: "سُئل الطرفان عن كلامهما الأخير"، وهذا القرار إنما يكون بعد استيفاء المرافعات في آخر الدعوى ليعلن بعده ختام المحاكمة ويصدر الحكم. فتعجبوا واعترضوا عليّ وتعالت أصواتهم، وحسبوا أني قاضٍ ضعيفٌ لا يدري ما يقول. ولكني أخذتهم بالحزم وأفهمتهم أن هذا قرار لا يجوز لهم الاعتراض عليه إلا بعد ختام الدعوى، فسكتوا على مضض ينتظرون ماذا سيكون مني، يتوقعون أن يسمعوا قراراً يتخذونه نكتة بينهم، يتندرون به على وزارة العدل التي تقيم في القضاء من لا يعرف أصول القضاء، فإذا القرار... وهكذا انتهت المحاكمة. ونظرت إليهم فإذا هم مثل الذي يصحو من حلم عجيب وقد تنبّهوا إلى أنهم كانوا يسيرون في طريق لا يوصل، ويضحكون من أنفسهم، ويهنئونني على هذا القرار. وذهبوا فحدثوا به في الأوساط القضائية في الشام، فكان -والحمد لله- خير ابتداء لعملي في القضاء".

ومنها تلك الطرفة التي تدل على بديهته، أن جاءني مرة وكنت في عنفوان الشباب أكتب – في أوائل كتابتي– في الرسالة (عام 1933م) ثلاثة من الغرباء عن البلد، لم يعجبني شكلهم، ولم يطربني قولهم، فوقفت على الباب أنظر إليهم فأرى الشكل يدل على أنهم غلاظ، وينظرون إليَّ فيرون فيَّ (ولداً) فقالوا: هذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟ قلت كارهاً: نعم.. فقالوا: الوالد هنا؟ قلت: لا.. قالوا: فأين نلقاه؟ قلت: في مقبرة الدحداح على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب، قالوا: يزور أمواته، قلت: لا، قالوا: إذن؟ قلت: هو الذي يزار.. فصرخ أحدهم في وجهي صرخة أرعبتني وقال: مات؟ كيف مات؟ قلت: جاء أجله فمات.. قالوا: عظم الله أجركم، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا خسارة الأدب، قلت:... إن والدي كان من أجلّ أهل العلم ولكن لم يكن أديباً.. قالوا: مسكين أنت لا تعرف أباك.

وانصرفوا، وأغلقت الباب وطفقت أضحك وحدي مثل المجانين، وحسبت المسألة قد انتهت، فما راعني العشية إلا الناس يتوافدون عليَّ فاستقبلتهم، فيجلسون صامتين إن كانوا لا يعرفون شخصي، ومن عرفني ضحك وقال: ما هذه النكتة السخيفة؟ قلت: أي نكتة؟ فأخرج أحدهم الجريدة وقال: هذه! هل تتجاهل؟ فأخذتها فإذا فيها نعي الكاتب.. الـ ... كذا وكذا.. علي الطنطاوي".

ومن المواقف الفريدة التي تدل على فرط ذكائه ومن طريف ما تعرض له في إحدى مساجلاته ما يرويه عن نفسه ((كنا يوما أمام مكتبة "عرفة" فجاء رجل لا يعرفه فاندس بيننا وحشر نفسه فينا،وجعل يتكلم كلاما عجيبا، أدركنا منه أنه يدعو إلى نحلة من النحل الباطلة، فتناوشوه بالرد القاسي والسخرية الموجعة، فأشرت إليهم إشارة لم يدركها: أن دعوه لي، فكفوا عنه وجعلت أكلمه وأدور معه وألف به، حتى وصلت إلى إفهامه أني بدأت أقتنع بما يقول،ولكن مثل هذه الدعوة لا بد فيها من حجة أبلغ من الكلام، فاستبشر وقال: ما هي؟ فحركت الإبهام على السبابة، وتلك إشارة إلى النقود. قال: حاضر، وأخرج ليرتين ذهبيتين يوم كانت الليرة الذهبية شيئاً عظيماً. مد يده بالليرتين فأخذتهما أمام الحاضرين جميعاً، وانصرف الرجل بعد أن عرفنا اسمه، فما كاد يبتعد حتى انفجرت الصدور بالضحك،وأقبلوا عليّ مازحين، فمن قائل شاركنا يا أخي، وقائل: اعمل بها وليمة، أو نزهة في بستان، قلت سترون ما أنا صانع، وذهبت فكتبت رسالة، تكلمت فيها عن الملل والنحل والمذاهب الإلحادية، وجعلت عنوانها "سيف الإسلام" وكتبت على غلافها "طبعت بنفقة فلان" باسم الرجل الذي دفع الليرتين، وبلغني أنه كاد يجن ولم يدر ماذا يفعل، ولم يستطع أن ينكر أمراً يشهد عليه سبعة من أدباء البلد، وقد بلغني أن جماعته قد طردته بعد أن عاقبته ( علي الطنطاوي- أحمد مراد علام-موقع رابطة أدباء الشام)

4) التقييم الذاتي : كان رحمه الله شديد المراقبة لنفسه، وكان هذا ضامناً لاستمرار الترقي في مدارج الكمال، وقد تجلى ذلك واضحاً من سمته حتى شهد بذلك كل من خالطه وصحبه فكان قدوة في نفسه قبل أن يكون موجهاً بلسانه، وكان يوصي بذلك الخطباء والدعاة،  فقال - رحمه الله - يوصي الخطباء :" إن أولى ما ينبغي أن يتحلَّى به الواعظ: أن يبدأ بنفسه فيعظها، وأن يخلص قوله لله وعمله، وأن يفرَغَ من شهوات نفسه؛ فلا تملكه شهوة الشهرة والجاه، ولا شهوة الغنى، ولا شهوة النساء، وأن يكون في فعله أوْعَظ منه في قوله

وقال أيضاً : " فلا يأمر الناس بالزهد ثم يخالفهم إلى ما زهَّدهم فيه، فيزاحم المتكالبين عليه!، ولا يتظاهر بالدين ابتغاء الدنيا وتوصُّلاً إليها؛ فيجمع من حوله العاملين على الكسب الحلال، والجادِّين في جمع المال من حِلِّه، ليأخذ من أموالهم ما يتعالى به عليهم، وليذوق لذائذ العيش من عطاياهم، وليسلبهم فوق ذلك حريتهم وعقولهم وكرامة أنفسهم عليهم، فيصرّفهم في مآربه، ويسيرهم حيثما شاء، ويذلهم بين يديه ليستكبر عليهم، ويجعل الدين وسيلةً إلى ذلك

5)   المسؤولية والجدية :

كان سمةً من سمات حياته أخذُه الأمور بكل جدية ومسئولية

قال –رحمه الله : "طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حِدّة بصري وملأت بها ساعات عمري، وصرّمت الليالي الطِّوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً من أدباء اليوم مَن لم يفتحها مرة لينظر فيها !.  وما كان لي أستاذ يبصرني طريقي ويأخذ بيدي

 ومن يؤكد على الجد في حياته –رحمه الله- أنه لما نُدب إلى سلك القضاء لم يسارع إلى استلام العمل، بل طلب من الوزارة أن تمهله شهراً: يقول:"لا لألعب فيه وأستمتع، ولا لأسافر وألهو، بل لأواظب في المحكمة الشرعية في دمشق حتى أعرف المعاملات كلها: من عقد النكاح، وحصر الإرث، وتنظيم الوصية، إلى الحكم في قضايا الإرث والوقف والزواج...". وبعد هذا الاستعداد وفقه الله فكان ابتداء عمله بالقضاء خير ابتداء

6)   تنظيمه لوقته :

ولعله تأثر في ذلك بجده أحمد بن علي بن مصطفى الذي كان إمام طابور متقاعدا في الجيش العثماني، حيث وصفه في ذكرياته:" أنه كان نظامياً حريصاً على الترتيب، كل شيء في حياته بحساب؛ المنام والقيام والطعام. فكان طعامه -مثلاً- في الساعة الثامنة الغروبية، "لا يتقدم عنها ولا يتأخر إلا إذا خرجت الأرض عن مدارها أو أسرعت في مسارها أو غابت الشمس قبل حين غيابها... وطالما كان يولم الولائم يدعو إليها كبار قادة الجيش أو وجهاء البلد، فإذا بلغت الساعة الثامنة باشر الأكل مع من حضر، وإن لم يحضر أحدٌ شرع يأكل وحده!".

كان يتفرغ للإجابة عن أسئلة المستفتين بالهاتف بين العصر والمغرب كل يوم. ولطالما أعلن في الإذاعة والرائي أن ذلك هو الوقت الذي يتلقى فيه الأسئلة، ولكن الهاتف كان يرنّ في كل ساعة من ليل أو نهار! فإذا جاء المغرب كان ينطلق إلى الحرم فيجلس في موضعٍ له هناك لا يفارقه بين العشاءين فيأتيه الناس ويسأله من شاء ما يشاء، فكان ذلك مجلساً مفتوحاً للعلم والفتوى. فإذا عاد من الحرم بعد العشاء فلا يستقبل أحداً (كما أنه لا يستقبل أحداً قبل العصر) ويعود إلى قراءته ومراجعاته وشؤون أهل بيته.وهكذا أمضى الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله )تلك السنوات، حتى إذا جاوز الثمانين بدأ جسمه الذي حمله في مسيرة حياته الطويلة الحافلة بالتعب، وما عاد يقوى على العمل، فآثر ترك الإذاعة والرائي.

وكان -قبل ذلك- قد لبث نحو خمس سنين ينشر ذكرياته في الصحف؛ حلقةً كل يوم خميس، فلما صار كذلك وقَفَ نشرَها (وكانت قد قاربت مئتين وخمسين حلقة) وودّع القرّاء فقال: "لقد عزمت على أن أطوي أوراقي، وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي، ولا أكاد ألقى أحداً من رفاقي وصحبي".ثم أغلق عليه باب بيته واعتزل الناس إلا قليلاً من المقربين يأتونه في معظم الليالي زائرين

 

الجانب الثاني : الجانب المهاري عند الشيخ الخطيب :

ونعني به مايتعلق ببراعة الأسلوب، ومما يتميز به الشيخ رحمه الله :

1)               عدم التكلف :

قال - رحمه الله - :". . وما يسميه القراء أسلوبي في الكتابة ويدعوه المستمعون طريقتي في الإلقاء شيء مَنَّ الله به عليّ لا أعرفه لنفسي، لا أعرف إلاّ أني أكتب حين أكتب وأتكلم حين أتكلم منطلقاً على سجيتي وطبعي، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمة دون كلمة ولا سلوك طريق دون طريق، ولا أتكلف في الإلقاء رنّةً في صوتي ولا تصنّعاً في مخارج حروفي "

وهذا مكّنه أن يعرض أخطر القضايا والأفكار بأسلوب يطرب له المثقف، ويرتاح له العامي، ويفهمه من نال أيسر قسط من التعليم 

يقول محمد لطفي الصباغ :" ومن أجل ذلك كان يحرص على استعمال العامي الفصيح، فكان يؤثر الكلمات التي يستعملها الناس في كلامهم وهي من الفصيح، يؤثرها على غيرها رغبة منه في إفهام الناس الدعوة وإبلاغهم إياها  .(طرائف من أستاذنا الطنطاوي-رابطة أدباء الشام)

يقول –رحمه الله- منكراً على الخطباء التكلف في الإلقاء والتشدق في اللفظ :" ومن عيوبها: هذا التكلُّف في الإلقاء، وهذا التشدُّق في اللفظ، وهذه اللهجة الغريبة، وخير الإلقاء ما كان طبيعيًّا لا تكلُّف فيه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كره المتشدِّقين وذمَّهم".

2)               مراعاة التدرج في الخطاب :

كان رحمه الله يدرك أحوال المخاطبين وضرورة أن يكون الخطاب مناسباً للإقناع بمضمونه، وفي ذلك يقول عند حديثه عن عيوب الخطبة: " .. ومن عيوبها أن الخطيب - أعني بعض منْ يخطب - يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس على قدر عقولهم، ولا يكلمهم على مقتضى أحوالهم، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة، بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محال "

3)               مناسبة الموضوع للواقع:

كانت خطبه-رحمه الله-تعالج واقع أمته وزمانه، مما يجعلها حية نابضة تسترعي انتباه الناس، فيعالج قضايا التربية والتعليم والسياسة .

يقول الشيخ مجاهد محمد الصواف الذي رافق الشيخ علي الطنطاوي منذ كان في العاشرة من عمره: من أبرز سماته –رحمه الله- هدوء الشيخ وفهمه لما يجري في العالم وارتباطه العميق بالدعوة إلى الله والتزامه في ذلك بالقرآن والسنة مما مكنه من طرح موضوعاته وما يهدف إليه من نشرالتوعية والدعوة بشكل يقبله الناس (4)

ومن ذلك خطبته السالفة الذكر في جامع دير الزور:" لا تخافوا الفرنسيين فإن أفئدتهم هواء، وبطولتهم ادعاء. إن نارهم لا تحرق ورصاصهم لا يقتل، ولو كان فيهم خير ما وطئت عاصمتَهم نعالُ الألمان".

ومنها قوله في خطبة الحرب:" ونحن لا نبغي عدوانًا، ولا نطلبُ باطلاً، إنّنا نطلبُ الحقّ وسنحاربُ إن لم نُعطَ الحق، نحارب لا بغيا ولا ظُلما، فلا ينصر الله ظالما، ولكن دفاعا عن أنفسنا، وعن الحق، وعن كرامة الإنسان، نحارب بشيوخٍ لهم حماسة الشباب، وشباب لهم حكمة الشيوخ، ونساء لهنّ رجولة الرجال، وصغار لهم عزائم الكبار، ولئن هلك منا فوجٌ لنأتيَنّ بأفواج، ولئن صبر العدوّ يومًا لنرميَنّه بأيّام، والمستقبل لنا، وهذي بوادر النصر وتباشيره قد ظهرت"

وفي خطبة أخرى أيضاً :" يا أيها العرب في كل أرض، ويا أيها المسلمون تحت كل نجم، يا أيها الرجال ويا أيتها النساء  ؛ لقد أزفت ساعة المعركة الفاصلة، فليحمل كل رجل منكم وكل امرأةٍ فيكم نصيبه منها، واعلموا أنّ الظفر لكم. يا أيّها المجاهدون في عُمان والجزائر والقرى الأماميّة، ويا أيّها العاملون على تحطيم آخر صنَمٍ للاستعمار في ديار العرب، اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون"

ويقول في ذلك موجهاً الخطباء :" وأن يكون منهج الخطيب: أن يعمل لإصلاح الأفراد أولاً، ثم يتكلم عن إصلاح الأُسَر والبيوت، ثم يبحث في الإصلاح العام، وأن يبدأ بما بدأ به الشَّرع؛ فيصحِّح التوحيد أولاً، ثم يأمر باجتناب المحرَّمات، ويعددها، ويجعل لكل منها خطبةً: من آفات اللسان (كالكذب والغيبة والنميمة)، إلى السرقة، والزنا، والغشّ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وأمثالها.ثم يأمر بالفرائض، ويجعل لكلٍّ منها خطبةً يبيِّن فيها أحكامها، لا بيان الفقيه الذي يعدِّد الشروط والأركان والسنن والمكروهات؛ بل بيان المُرْشِد الذي يبيِّن الأعمال، ويدل على طريق الإخلاص فيها، فيتكلم عن الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، وما إلى ذلك.وعلى السامعين أن يعلموا أن سماع الخطبة ليس للبركة فقط؛ بل للاتعاظ بها، والعمل بما يتعلَّمه منها، والعاقل منهم مَن استفاد من صحة القول ولو شكَّ في حال القائل، والحكمة ضالَّةُ المؤمن؛ يأخذها من حيث وجدها.

لذا كان ينكر على الخطباء حالة الاحتضار التي تشهدها الخطبة .

ومَن راجع خطبه مقتبل شبابه في دمشق شهد ذلك جلياً .

4)               حسن تنظيم الموضوع :

وقد كان يعدُّ من عيوب الخطبة تشعبَها في عدة مواضيع مما يؤدي إلى تشتيت السامع وضعف التركيز وانعدام الفائدة والأثر.

يقول –رحمه الله-:" ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين؛ بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء، وينتقل من موضوع إلى موضوع، فلا يوفِّي موضوعًا منها حقَّه من البحث، فإذا جاء الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى؛ فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة، وكلها لا ثمرة له، ولا يخرج السامع له بنتيجة عمليَّة، ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد - جلَّ أو دَقَّ، كَبُرَ أو صغر - فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره؛ لكان لخطبته معنى، ولأخذ السامع منها عبرة، وحصَّل منها فائدة.

5)               الإيجاز مع القدرة على استيعاب الموضوع:

وهذا مما كان ينكره على خطباء هذا العصر؛ يقول –رحمه الله- :" فمن عيوبها: هذا التطويل وهذا الإسهاب، حتى لتزيد الخطبة الواحدة - أحيانًا - إلى نصف ساعة، مع أنَّ السنَّة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصَّل؛ أي على صفحتين اثنتين فقط.وهذه خطب الرسول المأثورة، وخطب الصحابة، منها ما هو صفحة واحدة أو أقل من ذلك، ويا ليت دائرة الإفتاء أو الأوقاف تُلزم الخطباء بألا تزيد أطول خطبة يلقونها عن ربع ساعة.وأنا أخطب في مسجد جامعة دمشق؛ فلا تمرُّ ثُلُث ساعة، أو خمس وعشرون دقيقة على أذان الظهر - حتى تكون قد انتهت الخطبة والصلاة، ذلك لأننا تركنا هذه البدع التي تكون قبل الخطبة؛ فلا نقرأ ما يسمَّى (الصمديَّة)، ولا يجهر المؤذن بهذه الصلوات؛ بل نسمع أذان الظهر فنصلِّي السنَّة، ويصعد الخطيب المنبر فورًا.وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

 

الجانب المجتمعي لدى الطنطاوي:

كان الشيخ الطنطاوي بارعاً في القدرة على التعامل مع مجتمعه بمختلف مستوياته وطبقاته، كما كان يتميز بقدرته على التعامل مع مختلف  أنماط الناس بما يناسب كل نمط منهم.

فيقع خطابه موقعه فيما لو كان المخاطب مسؤولاً رفيعاً، أو شخصاً من عامة الناس، أو كان عالماً .

وهذا مما أعطاه حضوراً مؤثراً في مجتمعه، بل استطاع أن يحرك الناس ويؤثر فيهم ويقودهم؛ لذا كان مرجعاً في حل المشكلات بين الناس.

وهذا الجانب من أهم السمات المميزة للخطيب الناجح، فليس الخطيب الناجح خطيب المنبر فقط، وإنما الخطيب الذي يحسن خطاب الناس و القدرة على إقناعهم أو توجيههم أينما كان .

ولاعجب في ذلك فالشيخ كان قاضياً أكثر من ربع قرن، تمر عليه القضايا المتنوعة لأصناف كثيرة من البشر، فيرى الكريم واللئيم، والأمير والغفير، والشريف والوضيع، والذكي والبليد ...

الجانب العلمي والمعرفي لدى الطنطاوي :

كأنه قبضة من أرض الشام، عُجنت بنهري النيل والفرات، لوحتها شمس صحراء العرب، فانطلقت بإذن ربها نفساً عزيزة أبية، تنافح عن الدعوة وتذود عن حياض الدين. ذلكم هو العلامة الكبير، الفقيه النجيب، والأديب الأريب الشيخ «علي الطنطاوي»ولا تزال هذه الدراسة قابلة للتوسع في كثير  من جوانبها لكونها أول دراسة تَعرض شخصية الشيخ علي الطنطاوي كخطيب (علي الطنطاوي- أحمد مراد علام- موقع رابطة أدباء الشام)

ومن أحسن من وصف هذا الجانب الشيخ عائض القرني :" إذ قال: علي الطنطاوي، حضرت دائرة المعارف، وموسوعة الأدب، وجامعة الفنون، فصرت معه في عالم من المنقول والمعقول، والقديم والحديث، والعلم والأدب، والنثر والشعر، تقرؤه، فإذا الآية والحديث، والقصة والمثل، والبيت والحكاية، والنكتة والخاطرة، يضحكك ويبكيك، يطربك ويشجيك، يفرحك ويحزنك، فأنت معه بين بسمة ودمعة، ووصل وهجر، وسلم وحرب، يحدثك عن الأنبياء والعلماء، والحكماء والشعراء، والملوك والسوقة، والأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والملائكة والشياطين، يقص عليك أخبار مالك والشافعي، وابن تيمية وابن حزم، وابن سينا وابن رشد، والفارابي وابن خلدون، والمتنبي وأبي تمام، وفولتير وسارتر، وديكارت وكانت، وشكسبير تولستوي، وإقبال وطاغور، يرتحل بك من برج إيفل إلى تاج محل، ومن هضبة التبت إلى مقاصير الحمراء، ومن ضفاف دجلة إلى روافد الراين، يتحفك بتاريخ العرب ودهاء العجم، وصبر الأتراك، وصمود الأكراد، وسخرية الفرنسيين، وبرود الإنجليز، يجمع لك في مجلس واحد عدل نور الدين، وشجاعة صلاح الدين، وهمة نابليون، وأبهة الناصر في الزهراء، وحنكة معاوية في دمشق، وملك هارون ببغداد، يهدأ فإذا هو رخاء حيث أصاب ويزبد ويرعد، فإذا هو قاصف من الريح، وعاتٍ من الموج، تعيش معه وعظ الحسن البصري، وزهد الثوري، وبديهة إياس، وموسوعية الشعبي، وسخرية برناردشو، وجاذبية غوته، وتصوير هيجو، ينقلك بقوة براعته، وأسر إبداعه من عالمك الصغير إلى عالمه الكبير، ومن أفقك الضيق إلى أفقه الواسع، ومهما حاولت أن تتماسك أمام أسره وسحره فهيهات، سوف تستسلم لسلطان بيانه، وتعلن الطاعة لنور برهانه؛ لأن حديثه يكاد يضيء من بريق نوره -ولو لم تمسسه نار- ذاكرته، وسوف تعترف بتميزه وعمقه وموسوعيته وأصالته" . (الشيخ علي الطنطاوي كما عرفته-عائض القرني)

رحم الله الشيخ علي الطنطاوي وأجزل مثوبته وجعله في عليين

مراجع الترجمة :

-         الذكريات / الشيخ علي الطنطاوي

-         هتاف المجد/  الشيخ علي الطنطاوي

-         سيرة الشيخ علي الطنطاوي / مجاهد مأمون ديرانية

-         أنا وعلي الطنطاوي/ عصام العطار

-         الشيخ علي الطنطاوي كما عرفته / عبد القدوس أبو صالح

-         علي الطنطاوي/ د.خالد النجار

-         الشيخ علي الطنطاوي كما عرفته/عائض القرني

-         علي الطنطاوي- أحمد مراد علام- موقع رابطة أدباء الشام

-         خواطر من أستاذنا الطنطاوي/ محمد لطفي الصباغ- موقع رابطة أدباء الشام

-         خطباء مثال للنضج في المنهج الخطابي: سماحة الشيخ علي الطنطاوي / رشيد بن إبراهيم أبو عافية –موقع ملتقى الخطباء


كتبه: ياسر محمد خير المقداد

مدينة غازي عينتاب-حرسها الله-

25 شعبان 1435 الموافق 23يونيو 2014

 

==========================
1- (يُنظر : الذكريات :1/103-130-149—174 ) و (سيرة الشيخ علي الطنطاوي لمجاهد ديرانية-مجلة الأدب الإسلامي المجلد التاسع-عدد34و35 ص 132 عام 1423 )
2- (يُنظر : الذكريات 8/26 و سيرة الشيخ علي الطنطاوي لمجاهد ديرانية-مجلة الأدب الإسلامي المجلد التاسع-عدد34و35 عام 1423 )
3- ( خواطر من أستاذنا الطنطاوي- رابطة أدباء الشام)
4- (الشيخ علي الطنطاوي/ أحمد مراد علام- موقع رابطة أدباء الشام)
5- (ينظر : سيرة الشيخ علي الطنطاوي لمجاهد ديرانية-مجلة الأدب الإسلامي المجلد التاسع-عدد34و35 عام 1423 )
 

رديف يوسف المقداد | سوريا 30/06/2014
دراسة رائعة  رحم الله الشيخ علي الطنطاوي  جزاك الله خيرا  الشيخ ياسر 
معن عبد القادر | سوريا 07/10/2014
رائعة، وماتعة. شرعت فيها فلم أتركها حتى أنهيتها, من الباحث؟
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 111) 80%
غير فعال (صوتأ 26) 19%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 139