الجمعة 20 رجب 1447 هـ الموافق 9 يناير 2026 م
إنَّ الله مع الصَّابرين
الأربعاء 18 رجب 1447 هـ الموافق 7 يناير 2026 م
عدد الزيارات : 128
عناصر المادة
1- حقيقة الصَّبر
2- مصابرةٌ ومرابطةٌ
مقدمة:
لقد دعا الإسلام إلى الأخلاق الفاضلة، ونهى عن الأخلاق الذّميمة، وجعل الصّبر الأساس الأكبر لكلّ خُلقٍ جميلٍ، ويشمل الصّبر على الطّاعات، والكفّ عن المنكرات، والرّضا بالأقدار والابتلاءات، ولذا تكرّر ذِكره في القرآن الكريم، قال الإمام أحمد رحمه الله: "ذكر الله جل جلاله الصّبر في القرآن في تسعين موضعًا". عدة الصّابرين لابن القيّم: ص113
أمر الله سبحانه به {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النّحل: 127].
ونهى عمّا يضاده {وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35].
وأخبر عن مضاعفة أجر الصّابرين {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزّمر: 10].
وجعله سببًا للإمامة في الدِّين {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السّجدة: 24].
وجاءت السّنّة لتؤكّد عليه، عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ ناسًا مِنَ الأَنْصارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فقالَ: (وَمَنْ ‌يَتَصَبَّرْ ‌يُصَبِّرْهُ ‌اللهُ، وما أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ). صحيح البخاريّ: 1469
قال شمس الحقّ العظيم أباديّ رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ ‌يَتَصَبَّرْأي: يطلب توفيق الصّبر مِن الله، ويتكلّف في تحمّل مشاقّه، أو مَن يتصبّر عن التّطلّع إلى ما في أيدي النّاس فلا يشكو حاله لغير ربّه، يسهل عليه الصّبر الجامع لمكارم الصّفات والحالات". يُنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود: 5/59
والصّبر عند الصّدمة الأولى، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: (اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ ‌الصَّدْمَةِ ‌الْأُولَى). صحيح البخاريّ: 1223
فما هو الصّبر ؟ وكيف نتخلّق به؟
1- حقيقة الصَّبر
إذا ضاقت الكروب، واستحكمت الضّوائق، وطال ليلها، فالصّبر وحده هو الّذي يشعّ للمؤمن النّور العاصم مِن الحيرة، والهداية الواقية مِن اليأس، قال الجرجانيّ رحمه الله: "الصّبر: ترك الشّكوى مِن ألم البلوى لغير الله لا إلى الله". التّعريفات: ص131
والصّبر فضيلةٌ يحتاج إليها المسلم في دِينه ودنياه، حيث يحبس المسلم نفسه عن محارم الله، ويُلزمها طاعته وتقواه، ثمّ يمنعها مِن الشّكوى لغير مولاه، فيوطّن نفسه على احتمال المكاره دون ضجرٍ، ويواجه الأعباء مهما ثقلت، بقلبٍ لم تعلق به ريبةٌ، ولقد أكّد الله عز وجل أنّ ابتلاء النّاس لا محيص عنه، حتّى يأخذوا أهبتهم للنّوازل {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
ولا شكّ أنّ لقاء الأحداث ببصيرةٍ مستنيرةٍ، واستعدادٍ كاملٍ، أجدى للإنسان، وأدعى إلى إحكام شؤونه {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].
وإنّ الصّبر يعتمد على حقيقتين: فأمّا الأُولى: فإنّها تتعلّق بطبيعة الحياة الدّنيا، حيث إنّ الله جل جلاله لم يجعلها دار جزاءٍ وقرارٍ، بل جعلها دار تمحيصٍ واختبارٍ، وحياة الإنسان مليئةٌ بالاختبار المتّصل الحلقات، يخرج مِن امتحانٍ ليدخل في امتحانٍ آخر، ولا يفوز إلّا الصّابرون الرّاضون، وأمّا الحقيقة الثّانية: فتتعلّق بطبيعة الإيمان، فهو صلةٌ بين الخالق والمخلوق، ولا بدّ أن تخضع هذه الصّلة لامتحانٍ آخر يكشف حقيقتها، فالمؤمن محتاجٌ للصّبر في كلّ أحواله {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3].
ففي هذا الابتلاء عبرةٌ وعظةٌ، وفي المحَنِ حكمةٌ ساميةٌ ، لا يدركها إلّا مَن دقّ فهمه، وسمت فطنته، فهي تُثير ما كمن في القلوب مِن حبٍّ ورحمةٍ، فكم مِن محنةٍ ألّفت بين القلوب المتنافرة، ومحّصت ما في قرارة النّفوس، فأثبتت الحبّ الصّادق، ومِن عظيم كرم الله أن جعل في كلّ لحظةٍ مِن لحظات الابتلاء مع الصّبر عظيم الأجر، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ ‌مِنْ ‌وَصَبٍ، ‌وَلَا ‌نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ). صحيح مسلمٍ: 2573
فمَن رضي وصبر جعل الله له نورًا يمشي به بين النّاس، وضياءً يضيء له في الظّلمات.
2- مصابرةٌ ومرابطةٌ
كما أمر الله سبحانه المسلمين بالصّبر على تكاليف الدّين، والثّبات عليه، فإنّه أرشدهم إلى الصّبر في البأساء والضّراء وحين البأس، فللجهاد مشقّاته، وللحرب أعباؤها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200].
أي: صابروا أعداء الله في الجهاد، وغالبوهم في الصّبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقلّ منهم صبرًا وثباتًا {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6].
قال صاحب الظّلال رحمه الله: "فكأنّما هو رهانٌ وسباقٌ بينهم وبين أعدائهم، يُدعون فيه إلى مقابلة الصّبر بالصّبر، والدّفع بالدّفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار، ثمّ تكون لهم عاقبة الشّوط، بأن يكونوا أثبت وأصبر مِن الأعداء، وإذا كان الباطل يُصرّ ويَصبر ويمضي في الطّريق، فما أجدر الحقّ أن يكون أشدّ إصرارًا، وأعظم صبرًا على المضيّ في الطّريق". الظّلال: 1/552
وقد أمر الله عباده بالمرابطة {وَرَابِطُوا}، قال ابن عطية رحمه الله: "الرّبط: الملازمة في سبيل الله، أصلها مِن رباط الخيل، ثمّ سمّي كلّ ملازمٍ لثغرٍ مِن ثغور المسلمين مرابطًا". القرطبيّ: 4/323
وأقيموا في الثّغور بالعدّة الملائمة والعتاد، مترصّدين مستعدّين للغزو، وقد رغّب الله عباده في كلا الأمرين: الصّبر والرّباط، لأنّهما سببان قويّان لحفظ هيبة الأمّة في صدور أعدائها، ولاستجلاب النّصر مِن عند الله {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 239].
فالجهاد يحتاج إلى صبرٍ كبيرٍ، ومعالجةٍ للنّفس على تحمّل الأذى والمشاقّ، سواءً كان الأذى مِن قبل العدوّ؛ قتلًا وأسرًا وجرحًا، أو مِن قبل النّاس؛ ذمًّا وإيذاءّ، أو أذًى مِن نوعٍ آخر؛ كالبرد والحرّ والجوع، ثمّ تكون العاقبة للصّابرين {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
فلزوم الصّبر على الشّدائد مفتاح النّصر {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].
كما يشمل الرّباط يقظة الأمّة أيّام سِلْمها، وأخذِ الحيطة والحذر، مخافة أن ينقضّ عليها عدوّها انقضاض الصّاعقة المباغتة، وهم عنه غافلون {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النّساء: 102].
فهل تكون يقظةٌ تامّةٌ مِن دُون صبرٍ؟! 
خاتمةٌ:
لقد صبر أولو العزم مِن الرّسل على مشاقّ الدّعوة إلى الله، فأبلَوا بلاءً حسنًا، فهذا نوحٌ عليه السلام {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14].
ويُلقى إبراهيم في النّار {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69].
وموسى يصبر على أذى فرعون وجبروته، ويكيد بنو إسرائيل ليقتلوا عيسى ويصلبوه، وأمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أكثر ما لاقاه في سبيل نشر هذا الدّين فصبر {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
وهكذا بقيّة الرّسل الكرام، فالواجب الاقتداء بهم، والصّبر على أقدار الله المؤلمة، وهي كثيرةٌ ومتنوعةٌ، ولعلّ مِن أهمّها في أيّامنا هذه الصّبر على ضيق العيش، وقلّة ذات اليد، وشدّة البرد، فمَن صبر ظفر، فلقد صبر الصّحابة الكرام، عَنْ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا ؤصي الله عنه يَقُولُ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ‌يَحْفِرُونَ ‌فِي ‌غَدَاةٍ ‌بَارِدَةٍ). صحيح البخاريّ: 2834
كما صبروا على شدّة الجوع، عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: (جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ ‌عَصَّبَ بَطْنَهُ ‌بِعِصَابَةٍ، قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ عَلَى حَجَرٍ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ). صحيح مسلمٍ: 2040
وهكذا يتطلّب طريق الجنّة الطّويل الشّاقّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتِ ‌الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ). صحيح مسلمٍ: 2823
فلنتواصَ بالحقّ والصّبر، ولنأخذ الحيطة والحذر، ولنعلم أنّ الصّابر تحيط به العناية {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
ومَن كان الله معه عاشَ عيش السّعداء، ولو أحاط به البلاء.
 
1 - عدة الصّابرين لابن القيّم: ص113
2 - صحيح البخاريّ: 1469
3 - يُنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود: 5/59
4 - صحيح البخاريّ: 1223
5 - التّعريفات: ص131
6 - صحيح مسلمٍ: 2573
7 - الظّلال: 1/552
8 - القرطبيّ: 4/323
9 - صحيح البخاريّ: 2834
10 - صحيح مسلمٍ: 2040
11 - صحيح مسلمٍ: 2823
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 125) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 17%
لا أدري (صوتأ 4) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 156