1- ا�,,فرار إ�,,�? ا�,,ت�'�^�'�?اب�OE �,ب�,, إغ�,,ا�, ا�,,باب
2- ا�,,استغفار: صفة ا�,,أ�+ب�?اء �^ا�,,أخ�?ار
مقدمة:
إنّ من نِعم الله على عباده أن أكرمهم بمواسم الخيرات، ليزدادوا مِن الطّاعات، فتُضاعف لهم الحسنات، وتُمحى عنهم السّيئات، وإنّ مِن هذه المواسم العظيمة: شهر رمضان المبارك، الّذي أوشك أن يحطّ رحاله ببابنا، وإنّ الله جل جلاله إذا رآى عباده مستغرقين في الغفلات، ومنغمسين في الشّهوات، أرسل لهم ما يذكّرهم بالإنابة إليه، لتدركهم النّفحات، لا سيّما في شهر الرّحمات، وإذا كانت التّوبة مطلوبةً في كلّ الأوقات، فإنّها تتأكّد قبل قدوم شهر رمضان، ليصوم خير صيامٍ، ويقوم أفضل قيامٍ، فأين هم الّذين أسرفوا على أنفسهم؟ وقضوا الأيّام واللّيالي في العصيان؟ فها هو ربّنا سبحانه يناديهم بأعظم نداءٍ، وينسبهم إليه بوصف العبوديّة، الّتي هي أعلى مقامٍ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزّمر: 53-54].
وهل منّا مَن يسلم مِن الخطأ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ).
والتّوبة تهدم ما قبلها، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ).
ومهما كرّر العبد الذّنوب فإنّ عليه أن يتوب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ جل جلاله- قَالَ: (أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ سبحانه: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ عز وجل: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ جل جلاله: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ).
1- الفرار إلى التّوَّاب، قبل إغلاق الباب
لقد خلق الله سبحانه الإنسان فجمّله، وصوّره فأحسن صورته، ورزقه فأعطاه، ثمّ لسبيل الرّشاد هداه {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6-8].
ثمّ كان مِن فضل الله على عباده أن فتح لهم باب الرّجعة إن ضلّوا الطّريق، أو أزاغهم الشّيطان، ولا يزال هذا الباب مفتوحًا ما دامت الشّمس تطلع مِن مشرقها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}).
وجعل الوقت سانحًا للتّوبة ما لم يحضر أجل العبد، عن ابن عُمرَ رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللهَ يَقْبَل توبةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرغِرْ).
والتّوبة عبادةٌ وقربةٌ، قبل أن تكون استعتابًا ورجعةً، إذ بها تُنال محبّة الله جل جلاله {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
فإذا ما حقّق العبد التّوبة حصلت له المغفرة {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].
والفلاح معلّقٌ بالتّوبة {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النّور: 31].
ومهما عمل العبد مِن السّيّئات ثمّ تاب، تاب الله عليه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمْ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ الله عَلَيْكُمْ).
ثمّ إنّه يفرح بتوبتهم أشدّ الفرح، مع أنّه عز وجل لا تنفعه الطّاعة، ولا تضرّه المعصية، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ، فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟) قُلْنَا: شَدِيدًا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَا وَاللهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ).
وبالتّوبة تتبدّل السّيئات حسناتٍ {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70].
2- الاستغفار: صفة الأنبياء والأخيار
يظنّ كثيرٌ مِن النّاس أنّ التّوبة لا تكون إلّا للمسرفين على أنفسهم في العصيان، وأنّ المحافظ على الفرائض، المجتنب للنّواهي لا يحتاج إلى التّوبة والاستغفار، وهذا جهلٌ بيّنٌ، وظنٌّ سيّئٌ، إذ التّوبة مطلوبةٌ مِن العبد ولو كان أعبد النّاس وأزهدهم، وأتقاهم وأورعهم، ولو تأمّلنا القرآن الكريم لوجدنا أنّ الأنبياء طلبوا مِن ربّهم الغفران والرّضوان، فهذا آدم عليه السلام وزوجه طلبا مِن ربّهما المغفرة {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
ودعا نوحٌ عليه السلام ربّه {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28].
واستغفر موسى عليه السلام ربّه {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151].
ولمّا ترك إبراهيم عليه السلام زوجته وولده عند بيت الله المحرَّم قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41].
وكذلك داود عليه السلام بعدما قضى بين الخصمين {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24].
وطلب ولده سليمان مِن ربّه المغفرة والملك {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35].
وخاطب الله خاتم المرسلين {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمّد: 19].
فلزم الاستغفار في كلّ الأوقات، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً).
ولمّا نزلت سورة الفتح تأمره بالاستغفار، قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: (سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي).
فإذا كان هذا حال الأنبياء المقرّبين، والرّسل المكرّمين، الّذين عصمهم ربّ العالمين، فجديرٌ بنا -ونحن نخوض في بحور الخطايا والأوزار- أن نلزم الاستغفار في اللّيل والنّهار، لنلحق بركب الأطهار الأبرار.
خاتمةٌ:
ما أشدّ حاجة العبد إلى التّوبة في كلّ الأوقات، لأنّه يخطئ دائمًا، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ جل جلاله- أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ).
ومِن رحمة الله بعباده أنّه يقبل توبتهم في أيّ وقتٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللهَ عز وجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا).
ويدعو عباده إلى موائد الكرم، في كلّ ليلةٍ في الثّلث الأخير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللهُ عز وجل إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ).
فجديرٌ بالمسلم أن يتعرّض لرحمات الله، ويترك كلّ ما يغضب مولاه، ويحقّق شروط التّوبة الصّادقة، بالإقلاع عن الذّنب، والنّدم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى المعاصي، ثمّ يردّ الحقوق إلى أصحابها، وكلّ ذلك لا بدّ منه قبل قدوم شهر الجود والإحسان، لتشمله الرّحمات، وينال البركات، فيحظى برضى ربّ البريّات، فالتّوبة التّوبة قبل حضور الأجل، والحذر الحذر مِن التّسويف والتّأجيل، فالعمر قصيرٌ، والموت قريبٌ، ولا يقبل الإمهال {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100].