السبت 18 ذو الحجة 1441 هـ الموافق 8 أغسطس 2020 م
آهٍ.. أين أنت أيتها المنابر؟
الكاتب : ياسر العيتي
الجمعة 12 ذو القعدة 1441 هـ الموافق 3 يوليو 2020 م
عدد الزيارات : 326
آهٍ.. أين أنت أيتها المنابر؟
علماء الأمة هم قادتها الفكريين والروحيين والناس يكونون على شاكلة قادتهم، فإذا كان القائد خائفاً متردداً ضعيفاً كان الناس من خلفه خائفين مترددين ضعفاء وإذا كان القائد شجاعاً مقداماً قوياً كان الناس من خلفه شجعان مقدامين أقوياء.
أحد أصدقائي كان في مجلس يضم عالماً وخطيباً معروفاً، من بين المواضيع التي طُرحت في ذلك المجلس كان موضوع الرشوة وأخذ كل واحد من الجلساء -وفيهم تجار كبار- يتحدث كيف أن الأمور لا تمشي إلا بالرشوة ويتفاخر ببطولاته في دفع الرشاوى للحصول على ما يريد والعالم الفاضل يصغي إليهم مبتسماً من دون تعليق سوى أنه كان يردد في بعض الأحيان: "الله يصلح الأحوال!"، صديقي شاب واعٍ يدرك تماماً ما يعنيه انتشار الرشوة في المجتمع ويدرك الآثار الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا المرض الخبيث وهو لم يدفع رشوة لأحد في حياته ويعتقد أن الله ييسِّر له أموره أكثر من الذين يدفعون الرشاوى لأنه عاهد الله أن لا يدفع رشوة لأحد مهما كان الثمن، فوجئ صديقي بصمت ذلك العالم وسلبيته تجاه ما يسمعه من هؤلاء الراشين المتفاخرين فقال لهم ما معناه: "ألسنا مؤمنين بالله تعالى وبأن الأمر كله بيده فلماذا نكون جزءاً من آلة الفساد في هذا البلد؟ لماذا لا نتقي الله وهو سيكفينا ويقضي حوائجنا؟ وتحدث عن تجربته.."، التفت العالم إليه وقال بصوت خافت: "إذا كنت فعلاً تلتزم بهذا الأمر فبارك الله فيك!"، تمنيت من هذا العالم ومن غيره أن أسمع خطبة تحض الناس على مواجهة الفساد الذي زكمت رائحته أنوفنا جميعاً، تمنيت أن أسمع خطبة عن حقوق الإنسان التي كثيراً ما تُنتهك في بلادنا، تمنيت أن أسمع خطبة عن الحرية التي يسمع السوريون عنها ولا يعرفون طعمها، تمنيت أن أسمع خطبة عن المطالبة بالحقوق وعدم السكوت على الظلم ووجوب التضحية في سبيل ذلك، وكأني بعلمائنا وخطبائنا حريصون على إرضاء السلطة أكثر من حرصهم على إرضاء الله.
كنت أتحدث بهذه المعاني أمام أحدهم فقال لي: "أرأيت لو أن (فلاناً) -وسمى أحد الخطباء المشهورين- أُلقي به في السجن هل تعتقد أن الآلاف الذين يحضرون خطبته سيطالبون بإطلاق سراحه؟ والله سيذهبون إلى صلاة الجمعة في مسجد آخر وكأن شيئاً لم يكن! الناس جبناء يا أخي ولا يستحقون أن يضحي العلماء من أجلهم" قلت له "إن العلماء بتجنبهم الحديث عن كل ما قد يزعج أصحاب السلطة يربون الناس على السلبية والخوف ولو ربوهم على المطالبة بالحقوق والجرأة في قول الحق لما تجرأ أحد على المساس بهم".   
لقد حفل تاريخ الأمة بفقهاء وعلماء شجعان وقفوا في وجه الخطأ وتحدثوا بقناعاتهم ولم يخضعوا للتهديد كالإمام مالك والشافعي وابن تيمية وعبد الله بن مبارك وكثير غيرهم وأنا هنا لا أريد من العلماء أن يدعوا الناس إلى ثورة مسلحة أو أن يدعوا إلى إضرابات ومظاهرات أو أن يدعوا إلى شتم الحاكم ولعنه وإنما أتمنى أن أسمع العلماء يدعون الناس إلى أن يطالبوا بحقوقهم التي يكفلها لهم الدستور وأن لا يسمحوا لأحد بأن يعتدي عليهم وأن يكونوا صادقين مع ربهم وأنفسهم وحكامهم فيقولوا في وجه هؤلاء الحكام  نفس الكلام الذي يرددونه فيما بينهم! يجب أن تتم مواجهة الخطأ بالحكمة والموعظة الحسنة وعندما قال لي أحدهم: "بشرط أن يتم ذلك سرّاً بين العالم والحاكم لكي لا تحدث الفتنة" قلت له -وأنا أعلم أن كثيراً ممن يحملون هذا الفقه لا يواجهون أصحاب السلطة لا في السر ولا في العلن، بل ينافقون لهم في السر والعلن!- قلت له: إن مواجهة الحاكم بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تتم في السر والعلن معاً بل إن مجتمعنا أحوج إلى أن يرى هذه المواجهة في العلن لأن الحاكم في مجتمعنا أصبح كالإله الذي لا يتجرأ أحد على معارضته بل أُعطي منزلة تفوق منزلة الله تعالى، والدليل على ذلك أن أحداً إذا سب الله في مكان عام لا أحد يتعرض له أما إذا سب الرئيس... وأنا هنا لا أدعو إلى سب أحد لكنني سقت هذا المثال لأبين الحالة التي وصل إليها مجتمعنا، نعم إن مجتمعنا أحوج إلى أن يرى مواجهة الحاكم بالحكمة والموعظة الحسنة في العلن ليتعلم الناس أمرين: أولاً ليتعلموا الشجاعة في قول كلمة الحق فيتحطم وثن الخوف المنتصب في نفوسهم، ذلك الوثن الذي يحرص على بقائه من لا يريدون لرأسٍ  أن يرتفع في هذا المجتمع لكي تخلوا الساحة لهم يعيثون فيها فساداً، وثانياً ليتعلموا كيف تكون مواجهة الخطأ بالحكمة والموعظة الحسنة فينتشر هذا الأسلوب القرآني في الأمة.
أختم بالقول: عندما يُسجن عالم أو يُقتل لأنه قال كلمة الحق ستُنبت الأمة من بعده ببركة صدقه وشجاعته وتضحيته ألفَ عالم شجاع وبعدها لن يتجرأ أحد على الاعتداء عليها وسلبها حقوقها وحريتها، أما من يعتقد أن الأمة ستضيع إذا سُجن أو قُتل أو مُنع من التدريس أو الخطابة فنقول له إن هذا المنطق هو الذي ضيع هذه الأمة، الأمة لم تضع بعد غياب خير الخلق محمد عليه الصلاة والسلام فكيف ستضيع إن غاب عنها عالم أو خطيب أو منع من التدريس أو الخطابة مهما علا شأن هذا العالم أو الخطيب، الأمة شبعت كلاماً وتنظيراً وهي تريد اليوم رجالاً ومواقف وتضحيات، أما المساجد فما أحوجها اليوم إلى أن تمتلئ بآلاف الصادقين الذين يُربَّون على قول الحقيقة ومواجهة الظلم والظالمين، المساجد تحنُّ اليوم إلى رجال حقيقيين، رجال حقيقيين لا يحنون رأسهم إلا لله.
إن قلباً ذاق لله حبــــاً    ليس يرضى بحياة الرقيـــق
وعيوناً قد بكت من خشوعٍ    لا تغضُّ عن سليب الحقــوق
هكذا صاغ السجود حيـاتي    فاسجدي يا أمتي واستفيقــي
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 61) 69%
غير فعال (صوتأ 25) 28%
لا أدري (صوتأ 2) 2%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 88