الجمعة 5 رجب 1444 هـ الموافق 27 يناير 2023 م
مِن شِيَم الأخيار التَّضحية والإيثار
الأربعاء 25 جمادى الآخر 1444 هـ الموافق 18 يناير 2023 م
عدد الزيارات : 283
مِن شِيَم الأخيار التَّضحية والإيثار
عناصر المادة
1- الإيثار سهلٌ ممتنعٌ
2- الإيثار مِن أخلاق المختار
3- إيثارٌ منقطع النَّظير
مقدمة:
إنّ الإسلام هو دِين الأخلاق الكريمة، والشّمائل الطّيّبة الحسنة، ولقد دعا إلى التّحلّي بالفضائل، والتّخلّي عن الرّذائل، وحثّ على مكارم الأخلاق والصّفات الحميدة، وجعل الميزان الّذي ترجح به النّفوس الكريمة على النّفوس السّقيمة إنّما هو: الأخلاق والشِّيم الكريمة، فسموّ الإنسان في مدارج السّعادة، وارتقاؤه في مراتب الكمال، لا يكون إلّا إذا كان حَسَن الأخلاق، كريم الطّباع، رحيم القلب، ومِن أجل هذا حرص الإسلام على إقامة العلاقات الودّيّة بين الأفراد والجماعة المسلمة، وتدعيم الصِّلات الأخويّة، وإنّ أشدّ هذه الأخلاق ارتباطًا بحياة الفرد والجماعة إنّما هو: الإيثار.
لقد عَرّف الجرجانيّ الإيثار؛ فقال: "هو أن يقدّم المرء غيره على نفسه، في النّفع له والدّفع عنه، وهو النّهاية في الأخوّة". التّعريفات: 1/59
وإنّه لفضيلةٌ للنّفس، بها يَكفّ الإنسان عن حاجته الّتي تخصّه حتّى يبذله لمن يستحقّه، وإنّ خلق الإيثار لَيفوق خُلُق السّخاء والجود، حيث إنّ السّخيّ قد يُبقي لنفسه شيئًا، بينما المؤثر يفضّل غيره بكلّ ما عنده مع شدّة حاجته إليه، ولقد أثنى الله سبحانه على مَن تحلّى بهذا الخلق النّبيل، وبيّن أنّهم المفلحون في الدّنيا والآخرة؛ فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ ‌خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
قال ابن تيمية: "والإيثار مع الخصاصة أكمل مِن مجرّد التّصدّق مع المحبّة، فإنّه ليس كلّ متصدّقٍ محبًّا مؤثرًا، ولا كلّ متّصدّقٍ يكون به خصاصةٌ، بل قد يتصدّق بما يحبّ مع اكتفائه ببعضه، مع محبّةٍ لا تبلغ به الخصاصة". منهاج السّنّة النّبويّة: 7/129
فيالها مِن منقبةٍ عظيمةٍ، وخُلّةٍ كريمةٍ، ينال العبد بها أعلى الدّرجات، ويُحصّل بها رضى ربّ الأرض والسّماوات، وتحصل بانتشارها الكفاية الاقتصاديّة والمادّيّة في المجتمعات، وتشيع المحبّة بين الأفراد والجماعات، ولكن لا يتخلّق بها إلّا مَن طَهُر قلبه، وزكتْ نفسه، فهل مِن مشمِّر لها؟
أُسْدٌ ولكنْ يُؤثرونَ بزَادهمْ    والأُسْدُ ليس تدينُ بالإيثارِ
فالمالُ للرّجلِ الكريمِ ذرائعٌ    يَبغي بهنّ جلائلُ الأخطارِ
والنّاسُ شتّى في الخلالِ وغيرهمْ    مَنْ كان ذا فضلٍ وذا إيثارِ
1- الإيثار سهلٌ ممتنعٌ
المال شقيق الرّوح، والنّفس به بخيلةٌ، واليد به شحيحةٌ، فلقد جُبلت النّفوس على حبّه، وفُطرت على حبّ الرّاحة والميل إلى الشّهوات، كما جُبلت على البعد عن كلّ ما يصعب عليها أو يُنغّص ملذّاتها، ولمّا كان هذا النّوع مِن الإيثار لا يوافق ما جُبلت عليه النّفس مِن الرّاحة، كان عسيرًا عليها التّلبّس به، أو التّحلّي بمعناه، قال ابن القيّم : مبيّنًا صعوبة هذا النّوع من الإيثار وثقَله على النّفس: "ومؤنة هذا الإيثار شديدةٌ لغلبة الأغيار، وقوّة داعي العادة والطّبع، فالمحنة فيه عظيمةٌ، والمؤنة فيه شديدةٌ، والنّفس عنه ضعيفةٌ، ولا يتمّ فلاح العبد وسعادته إلّا به، وإنّه ليسيرٌ على مَن يسّره الله عليه". طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 1/450
ولكن وإن كان هذا النّوع مِن الإيثار شديدٌ على النّفس، صعبٌ على الرّوح إلّا أنّ ثمراته وما يجنيه الشّخص منه تفوق ثمرات أيّ نوعٍ مِن الأعمال، فنهايته فوزٌ محقَّقٌ، وفلاحٌ محتومٌ، قال ابن القيّم: "فحقيقٌ بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتَقى، وأن يُشمِّر إليه وإن عظُمت فيه المحنة، ويحمل فيه خطرًا يسيرًا لمُلْكٍ عظيمٍ وفوزٍ كبيرٍ، فإنّ ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيءٍ مِن الأعمال، ويسيرٌ منه يُرقّي العبد مالا يرقّي غيره إليه في المُدَدِ المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء". طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 1/450
 وإنّ الإيثار يتنوّع مِن حيث باعثه والدّاعي إليه، فقسمٌ يكون الباعث إليه الفطرة والغريزة، كالّذي عند الآباء والأمّهات، قال عبد الرّحمن الميدانيّ: "قد يكون الباعث للإيثار والدّاعي إليه: فطريٌّ في النّفوس، ينتج عنه حبٌّ شديدٌ عارمٌ، والحبّ مِن أقوى البواعث الذّاتية الدّافعة إلى التّضحية بالنّفس، وكلّ ما يتّصل بها مِن مصالح وحاجاتٍ مِن أجل سلامة المحبوب، أو تحقيق رضاه، أو جلب السّعادة أو المسرّة إليه". الأخلاق الإسلاميّة وأسسها: 2/435
عَنْ ‌عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (‌إِنَّ ‌اللهَ ‌قَدْ ‌أَوْجَبَ ‌لَهَا ‌بِهَا ‌الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ). صحيح مسلم: 2630
فهذا الإيثار بدافع الفطرة والحبّ، وهناك الإيثار الّذي يكون الدّافع له الإيمان وحبّ الخير للغير، على حساب النّفس وملذّاتها، وليس انفعالًا عاطفيًّا مجرّدًا، بل نابعًا مِن الإيمان بالله، فيؤثر العبد غيره مِن أجل رضى ربّه، وطمعًا في ثوابه، ناسبًا الفضل لخالقه، وهذا مِن أكمل صفات أهل الإيمان، الّتي ينال العبد بها أعلى الجِنان، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ‌عَلَى ‌حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8-9].
2- الإيثار مِن أخلاق المختار
لقد وصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأكمل الأخلاق وأرفعها؛ فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى ‌خُلُقٍ ‌عَظِيمٍ} [القلم: 4].
فأخذ المصطفى مِن كلّ الأخلاق أوفر النّصيب، وإنّ الإيثار أحد أخلاقه العالية، حيث آثر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بكلّ شيءٍ، يأتيه المال العظيم فلا يدع شيئًا لنفسه ولا لأهله، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بَعَثَ مَعَهُ بِخَمِيلَةٍ، وَوِسَادَةٍ، مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ ذَاتَ يَوْمٍ: وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدِ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ اللهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ، فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ، فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةُ؟) قَالَتْ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ: قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ، وَقَدْ جَاءَكَ اللهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (وَاللهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ، لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ» فَرَجَعَا). مسند أحمد: 838
ولقد كان يتألّم لآلام أصحابه، فيُطعِم جائعهم، ويواسي محرومهم، عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: آللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ‌إِنْ ‌كُنْتُ ‌لَأَعْتَمِدُ ‌بِكَبِدِي ‌عَلَى ‌الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: (أَبَا هِرٍّ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (الْحَقْ)، وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: (مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟) قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةٌ، قَالَ: (أَبَا هِرٍّ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي...) حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: (أَبَا هِرٍّ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (اقْعُدْ فَاشْرَبْ)، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: (اشْرَبْ)، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ، حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: (فَأَرِنِي)، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ. صحيح البخاريّ: 6452
بل لقد آثرهم بنفسه، عن عليٍّ رضي الله عنه قال: "كنّا إذا ‌احمرّ ‌البأس ‌ولقي ‌القومُ ‌القومَ اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون منَّا أحدٌ أدنى مِن القوم منه". مسند أحمد: 1346
ولم يقتصر إيثاره لأمّته على أمور الدّنيا؛ بل لقد آثرهم في أمور الآخرة أيضًا، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ ‌لِكُلِّ ‌نَبِيٍّ ‌دَعْوَةً قَدْ دَعَا بِهَا، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي اسْتَخْبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ). مسند أحمد: 12376
فهلا تعلّمنا هذا الخلق العظيم مِن رسولنا الكريم واقتدينا به، لنرحمَ بعضنا، ونُرضي ربّنا!
3- إيثارٌ منقطع النَّظير
لقد اختار الله لخير رُسُلِه خير الأصحاب، فبذلوا النّفوس والأموال في سبيل الله، فالمهاجرون تركوا ديارهم هجرةً لله، فنصرهم الأنصار وآووهم، وقاسموهم أموالهم وبيوتهم، وآنسوهم في الغربة، وشاركوهم في الهموم، وواسوهم في الأحزان، والأموال لها مكانتها في القلوب، يتقاطع النّاس مِن أجلها، وتُسفَك الدّماء في سبيلها، ولكنّ الإيمان الخالص، والعزم الصّادق على البذل والتّضحية، جعل الأنصار يُلحّون على رسول الله بأن يقسمها بينهم وبين إخوانهم المهاجرين ليضربوا بذلك الأمثلة الرّائعة الّتي قلّ نظيرها في تاريخ البشريّة في الإيثار، حيث قدّموا إخوانهم على أنفسهم وأهليهم وأولادهم مع شدّة حاجتهم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (‌مَنْ ‌يَضُمُّ ‌أَوْ ‌يُضِيفُ ‌هَذَا؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. صحيح البخاريّ: 3798
أخلاقٌ عاليةٌ، ونفوسٌ كريمةٌ، جعلت قويّهم يحنو على ضعيفهم، ويرحم قادرُهم عاجزَهم، ويُطعم شبعانُهم جائعَهم، بل يؤثر جائعهم أخاه بلقمته ولقمة أهله وعياله، ويبيت طاويًا مِن أجل أن يشبع أخوه، ولقد كان الإيثار خُلقًا عامًّا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتّى كثرت أخبارهم في ذلك، فهذا قيس بن سعد بن عبادة لمّا علم أنّ أمواله الّتي كانت له على إخوانه تمنعهم من زيارته قال: "أخزى الله مالًا يمنع الإخوان مِن الزّيارة" ثمّ أمر مناديًا ينادي: "مَن كان لقيسٍ عليه مالٌ فهو في حِلٍّ، فما أمسى حتّى كُسرت عتبة بابه لكثرة مَن عاده". مدارج السّالكين: 2/292
فأين الموسرون القادرون مِن هذه النّماذج العظيمة؟ وكلّنا يصغي إلى نداء النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذي يدعونا ويحثّنا فيه على العطف والمواساة، والإيثار والإنفاق، عَنْ ‌أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ) قَالَ: ‌فَذَكَرَ ‌مِنْ ‌أَصْنَافِ ‌الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. صحيح مسلم: 1728
فهلّا رأينا في مجتمعنا -في ظلّ هذه الظّروف الصّعبة الضّيّقة- مَن يحذو حذو الأنصار في مواساة المحتاجين، وإعانة المستضعفين، ورحمة المساكين، ألا يا ليتنا تنافسنا في هذه التّجارة الّتي لن تبور.
خاتمةٌ:
 لم يخلق الله الإنسان في هذه الدّنيا ليعيش لنفسه فحسب، وإنّما خُلق ليكون فردًا فعّالًا في المجتمع، يعيش مع إخوانه، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويشعر بشعورهم، ولا يجعل الأنانيّة وحبّ الذّات تُنسيه الأخوّة الإنسانيّة، فأكرِمْ بمجتمعٍ يسود فيه روح المحبّة والشّعور بالآخرين، ولقد شاء الله بحكمته أن يوسّع على بعض خلقه في الرّزق، ويقدر على آخرين، ابتلاءً واختبارًا، والسّعيد الموفَّق مَن عرف حقّ الله في هذا المال، وجعل مِن يده ممرًّا لعطاء الله، فأطعَم الجائع، وسقى الظّمآن، وواسى المحتاج، وآثر غيره على نفسه في سبيل رضى ربّه، وتخلّق بأخلاق الأنبياء والمرسلين، فحصل له أثرٌ مِن رحمة الله الّتي أودع جزءًا منها في قلوب الخلائق، حيث إنّ أرقّ النّاس أفئدةً أوفرهم نصيبًا مِن هذه الرّحمة، وأكثرهم إحساسًا بحياة الضّعفاء.
ما أحوج الأمّة -في وقت شظف العيش وقلّة ذات اليد- إلى إحياء خُلق الإيثار ونبذ الأثرة، وإحلال القناعة مكان الطّمع، والرّحمة بدل القسوة، فنستجيب لصراخ اليتيم، ونُنفّس كربة المكروب، ونُكرم الضّعيف والمسكين، مِن إكرام ربّ العالمين.
ألا ما أجمل أن تتربّى النّفوس على أخلاق الإسلام وصفات أهل الكمال؛ مِن المواساة والإيثار والقناعة والرّضا! وبذلك يشيع روح المودّة والإخاء، ويعيش النّاس في جوٍّ مِن المحبّة والصّفاء، ولا يبقى مكانٌ للشّحناء والبغضاء، وتُحَلّ كلّ المشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ويغدو النّاس جسدًا واحدًا، كما وصفهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنِ ‌النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي ‌تَوَادِّهِمْ ‌وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). صحيح مسلم: 2586
 
1 - التّعريفات: 1/59
2 - منهاج السّنّة النّبويّة: 7/129
3 - طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 1/450
4 - طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 1/450
5 - الأخلاق الإسلاميّة وأسسها: 2/435
6 - صحيح مسلم: 2630
7 - مسند أحمد: 838
8 - صحيح البخاريّ: 6452
9 - مسند أحمد: 1346
10 - مسند أحمد: 12376
11 - صحيح البخاريّ: 3798
12 - مدارج السّالكين: 2/292
13 - صحيح مسلم: 1728
14 - صحيح مسلم: 2586
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 111) 80%
غير فعال (صوتأ 26) 19%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 139