الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق 23 سبتمبر 2020 م
يوم عرفة
الأربعاء 7 ذو الحجة 1435 هـ الموافق 1 أكتوبر 2014 م
عدد الزيارات : 2835

قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
عباد الله:
إن الله تبارك وتعالى العزيز الحكيم، يصطفي من البقاع والأماكن ما يشاء، ويختار من الأزمان والأوقات ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وإننا نعيش أياما فضلها الله سبحانه وتعالى، العمل فيها ليس كالعمل في غيرها.
ولئن كنا ممن لم يحظ بالحج وأداء المناسك فإن الله سبحانه وهو الكريم الرحمن، الحكيم المنان، واسع العطاء ومجزل الإحسان، قد شرع لنا من العبادات والأعمال الصالحة في هذه الأيام ما تقر به أعين المؤمنين، وتسلو به أفئدة المتقين.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر). قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)سنن الترمذي757

ومن رحمة الله سبحانه وسعة فضله أنه بعد أن خصَّ هذه الأيام بهذه المزايا العظيمة، وهذه الفضائل الكريمة، عاد فخص من ضمن هذه الأيام يوما عظيما، فزاد في مضاعفة الأجر فيه، وزاده شرفا ومكانة وبركة، هذا اليوم هو يوم عرفة.
فمن فضائل هذا اليوم:  ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال: أي آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً)، قال عمر: (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة).  فهذه الآية تدل على أن الله قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، فلا يُقبل من أحدٍ دينٌ سواه، ومن لم يمت على الإسلام فالجنة عليه حرام، والنار جزاؤه ومثواه؛ قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).(آل عمران83)
ومن فضائل يوم عرفة: أن عدو الله إبليس ما رئي في يوم أحقر ولا أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه من يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام. وما من يوم كيوم عرفة ترجى فيه مغفرة الذنوب ورحمة علام الغيوب، فهو يوم من أيام العتق من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟)  (صحيح مسلم) 
وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح عن بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: (يا بلال أنصت الناس) ثم قال: (إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله) 
أما سلفنا الصالح فلقد كان لهم في يوم عرفة مآثر لا تنسى ومواقف خالدة: فقد رُوي عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه رأى سائلاً يسأل يوم عرفة، فقال: يا عاجز! في هذا اليوم تسأل غير الله. وروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً –يعني سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا، فقال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق. وقال عبد الله بن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ فقال: الذي يظن أن الله لا يغفر له!
فيا لله على تلك المواقف المشرفة، والبقاع المطهرة، والأزمنة المباركة! وقد جعل الله لنا عوضاً هو العمل الصالح في هذا اليوم، ولا سيما صيامه، فهو يوم عظيم، فيه كمل الدين، وفيه يعتق الله ما شاء من عباده من النار، وفيه يدنو الله جل جلاله يباهي بعباده الملائكة، وصيامه يكفر سنتين، سنة قبله وأخرى مثلها بعده، بذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( صيامُ يومِ عَرفةَ إنّي أحْتسبُ على اللهِ أن يُكفّرَ السنَةَ التي بعدهُ ، والسنةَ التي قبلهُ ) ( سنن الترمذي).
فياله من فضل عظيم لا يفوته إلا المحروم، فصيام يوم واحد لا يكاد يتجاوز الثلاث عشرة ساعة يكفر الله به خطايا عامين كاملين، وهذا من رحمة الله تعالى بنا ولطفه، فالذنوب كثيرة، والتقصير حاصل، والتوبة والاستغفار يغفل عنهما الكثير منا. فتقربوا إلى الله في هذا اليوم، واجتهدوا في الدعاء لأنفسكم ولأهلكم ولإخوانكم ولأمتكم عسى الله أن يعجل بالفرج، ويجعل بعد العسر يسرا؛ فإنه يوم تستجاب فيه الدعوات، وتسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، ويتفضل فيه رب الأرض والسموات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خَيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يَومِ عَرفةَ، وخَيرُ ما قُلتُ أَنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبلي: لا إِلَهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحمدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ).(المنذري)

واليوم العاشر من هذه الأيام هو أول أيام عيد الأضحى، وهو يوم عظيم، وفضله جسيم. ومما يقرِّب إلى الله في يوم العيد: الحرص على صلاة العيد، وحضورُها مع المسلمين، قال تعالى: (فصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر) والمشهور في التفسير أن المراد بالصلاة صلاة العيد، وبالنحر نحر الأضحية. ويسن للذاهب لصلاة العيد أن يذهب من طريق، ويرجع من طريق آخر كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاحرص –يا عبد الله- على صلاة العيد، وإياك أن تكون من الذين يزين لهم الشيطان أعمالهم، فيفضلون النوم على هذه الشعيرة العظيمة. اتق الله في نفسك، وصل العيد، ولا تكن من الذين قال الله فيهم: (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ).(التوبة46) ولا تأكل شيئا قبل الصلاة حتى ترجع بعد الصلاة والخطبة، فتذبح الأضحية -إن كانت عندك- وتأكل منها كما هي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولتكثر من التكبير حتى يحضر الإمام.
نسأل الله عز وجل أن يتقبل من المضحين ضحاياهم، ومن الصائمين صيامهم، ومن الحجاج حجهم، ومن الداعين دعاءهم. أقول هذا القول وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
عباد الله، إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كان له مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة: منها أنه اجتماع اليومين الذين هما أفضل الأيام، ومنها أن الجمعة هو اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة وهذه الساعة كما في صحيح مسلم ما بين صلاة العصر إلى صلاة المغرب من يوم الجمعة وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع، ومنها أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة بعرفة فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه، ومنها أن الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة عيد لأهل عرفة فيجتمع العيدان. ومنها اجتماع الشاهد والمشهود فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُود):  الشاهدُ يومُ عرفةَ والمشهودُ يومُ الجمُعةِ (لطائف المعارف 488)
فإذا وقع يوم عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع الشاهد والمشهود. ومنها أن ذلك يوافق حجة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام كانت وقفته في عرفة في يوم الجمعة. أما ما يعتقده بعض الناس أن يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة فالحجة تعدل سبع حجات أو نحو هذا فهذا مما لا أصل له.

دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 61) 69%
غير فعال (صوتأ 25) 28%
لا أدري (صوتأ 2) 2%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 88