السبت 17 ذو القعدة 1445 هـ الموافق 25 مايو 2024 م
خطبة عيد الفطر 1445هـ فرحتا الصائم
الأحد 28 رمضان 1445 هـ الموافق 7 أبريل 2024 م
عدد الزيارات : 632
خطبة عيد الفطر 1445هـ فرحتا الصائم
عناصر المادة
1- صوم الدُّوبامين
2- أسعد مِن الإمبراطور
مقدمة:
هل يمكن لعيد الفطر هذا أن يكون سعيدًا والمسلمون يعانون ما يعانون في شتّى بقاع العالم؟ فإذا أجال المسلم طرفه في أبناء أمّته رأى ما يفتّت القلب حزنًا على ما يعانون، وابدأ بغزّة إن شئت واختتم بها، فكفى بها مثالًا صارخًا لأقصى ما يمكن أن تتعرّض له الأمم مِن ظلمٍ وعدوانٍ وقهرٍ وخذلانٍ، ثمّ اجتهد بعدها أن تسعد.
الحقيقة أنّ قدرًا مِن السّعادة ممكنٌ في العيد، حتّى مع هذه الظّروف بالغة القسوة، وذلك أنّ السّعادة نسبيّةٌ، فالمسلم في غزّة البارحة اجتمع عليه الظلم مِن أقطاره، وجمع إليه طائعًا مختارًا أن يمتنع عن الطّعام والشّراب سحابة نهاره، فقد كان الحال ضيّقًا، لكنّ المسلم هناك زاد إلى ذلك الضّيق ما يتبرّم به كثيرون لو لم يكن طاعةً لله، أمّا في يوم العيد، فإنّه إذا شعر بالعطش في سحابة نهاره ابتدر كأس الماء يعبّه يتعبّد الله بعبّه، بعد أن كان البارحة يتعبّد بالامتناع عنه، إنّه يلحظ مع كأس الماء هذا نوع سعادةٍ لا يمكن لنفسه أن تخطئه، ولا بد أن تخالط قلبه إحدى فرحتين؛ أخبر عنهما الصّادق المصدوق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ). صحيح مسلمٍ: 1151
ويُحكى أن قد اشتكى يومًا فقيرٌ لحكيمٍ ضيق منزله، فأشار عليه أن يُدخل البقرة إلى المنزل، فتعجّب الفقير، لكنّه لزم نصيحة الحكيم، فازداد البيت ضيقًا، فعاد للحكيم يشكو، فقال الحكيم أخرج البقرة يتّسع، إذ الشّعور بالضّيق والسّعة نسبيّ، فالبيت ضيّق بالنّسبة إلى القصور الواسعة، وواسع إذا قارنّاه به وقد حُشرت به بقرةٌ سمينةٌ.
1- صوم الدُّوبامين
الدّوبامين بصورةٍ موجزةٍ هو إحدى الموادّ الّتي يفزرها الدّماغ فيشعر المرء بالرغبة والحافز إلى ما يمنحه نوع سعادةٍ، فهي تحفيزٌ له أن يقوم بما يشعره بالسّعادة، فيستكثر منه، وبالمثال يتضّح الأمر: فإذا رأى المرء الطّعام فإنّ الدّوبامين يقوم بدوره في إشعال الرّغبة في تناوله، ليشعر المرء بعد ذلك بلذّة الطّعام وسعادة تناوله، وإذا رأى المرء إشعارات وسائل التّواصل الاجتماعي فإنّ دور الدّوبامين أن يحفّزه إلى الدّخول والتّصفّح، وقراءة ما يقوله الأصدقاء، فيستمتع بذلك ويسعد، ولهذا اصطلح النّاس على هذه المادة "هرمون السّعادة".
وهذا أمرٌ جيّدٌ إذا كان وسيلةً لإبقاء المرء على قيد الحياة؛ بأن يقبل على ما يسدّ رمقه مِن الطّعام والشّراب، كما يكون وسيلةً للتّناسل وظهور الذّريّة الصّالحة مِن أبوين صالحين، فهو في هذا الإطار محمودٌ، إذ يبعث على السّعادة، ويؤدّي إلى النّتائج المحمودة، لكنّه عند التّحقيق لا يقتصر على ذلك، بل يدفع في كثيرٍ مِن الأحيان إلى سلوكٍ خاطئٍ لا تحمده الشّريعة، إذ الطّعام المتاح بين يديك وأنت مفطرٌ غير صائمٍ يغريك أن تستكثر منه، لكنّ الشّريعة حثّت على التّقلّل منه إلى الحدّ الأدنى، عن الْمِقْدَام بْن مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ، لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ). سنن ابن ماجه: 3349
فالدّوبامين هنا يؤزّ المرء أن يستكثر، فيدّخر شحوًما قد تلزمه أيّام شدّةٍ قادمةٍ، لكنّ الطّبّ التّجريبيّ والشّرع الغيبيّ يناديان بالمرء أن أقصر، وإلّا أهلكتك تلك الشّحوم.
وخطر الدّوبامين في أنّه يدفع إلى الإدمان على عاداتٍ غير محمودةٍ؛ كالشّراهة في الأكل والجماع، وإدمان وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وسواها، ممّا يحكم العقلاء بوجوب التّقلّل منه.
والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على    حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها    إنّ الطعام يقوّي شهوة النّهم
ومَن هذا الباب جاءت توصية الأطبّاء بفكرة صوم الدّوبامين، لأنّ المرء بعد مدّةٍ مِن اعتياد لذّةٍ يطلب المزيد والمزيد في تسلسلٍ مخيفٍ، ولا تبقى الكمّيّات الأولى كافيةً لإشعاره بالسّعادة، لذا ينصحونه بأن يرجع بالأمر إلى السّيرة الأولى؛ فيصبّر نفسه زمانًا على قليل الأكل بلا توابل، حتّى ربما أوصوه بالاقتصار على أكل الخضر المسلوقة بلا ملحٍ يومًا، حتّى إذا ما أباحوا له أن يأكله يومًا مملّحًا شعر بقيمة الملح وسعد به، بعد أن كان اعتاد ألّا يملأ عينه إلّا منوّع الطّعام ولذيذه، فلنسعد اليوم بكأس الماء في عطش النّهار بعد أن امتنعنا عنه شهرًا؛ طاعةً لله لا للطّبيب.
2- أسعد مِن الإمبراطور
عندما يتخيّل النّاس السّعداءَ في هذه الدّنيا فلن تتجاوز مخيّلاتهم عادةً حياة الأباطرة المترفين، إذ يجمع هؤلاء العناصر الّتي يظنّها النّاس مدار السّعادة ومادّتها، فلديهم المال الوفير، ولديهم السّلطة الّتي تعنو لها رقاب الأكابر والأصاغر، ولهم مِن المكانة الاجتماعيّة القدح المعلّى، وإذا أرادوا النّساء أخذوا الأجمل والأكمل، بما أوتوا من مالٍ وسلطةٍ، لكن ماذا عن الإمبراطور نفسه! هل هو سعيدٌ بهذا؟ إنّ الإنسان الّذي لا يملك عُشر معشار ما يملكه الإمبراطور لو انتقل إلى ذلك الملك والمال لربّما غمرته السّعادة العارمة الّتي لا يمكن أن توصف فعلًا، لأنّ السّعادة نسبيّةٌ، فهذا الفقير إذ يطير بخيالاته مِن واقعه البائس إلى حياة الأباطرة المترفين يشعر بالتّعاسة، ويظنّ أنّ أولئك في قمّة السّعادة، وذلك بسبب المقارنة الّتي يُجريها عقله، أمّا أولئك فهم لا يقارنون كما يقارنه هذا الفقير، بل يزِنون يومهم بأمسهم، وهم في كليهما أغنياء مترفون، فيسعون إلى مزيدٍ مِن التّرف والغِنى في حلقةٍ مفرغةٍ مفزعةٍ يشفق العاقل أن يقع فيها، ويشفق على مَن وقع فيها بدل أن يحسده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًا آخَرَ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ). صحيح مسلمٍ: 1048
ثمّ إنّ هذا الغنيّ المترف في سعيه الحثيث لامتلاك الوادي الثّاني سيتعب، فإن فاته بعض الرّبح الّذي كان يؤمّل سيحزن، وإن رأى أقرانه سبقوه في سعيهم إلى واديهم الثّاني لحقته غصّة المقارنة، إنّه لا يقارن نفسه بالفقير الّذي يرمقه مِن بعيدٍ، بل يقارن نفسه بما يحزنه ويتعبه، وهو بالإضافة إلى تعبه هذا وحزنه سيخاف مِن ألا يتمّ له سعيه في الحصول على الوادي الثّاني، فهل يجدر بالعاقل أن يحسد مَن ملك واديًا لكنّه بين تعبٍ وخوفٍ وحزنٍ!
هذا وإنّ في قصّة آخر أباطرة الصّين مطلع القرن الفائت لعبرةً للمعتبر، فقد نشأ منغمسًا في ضروب النّعيم وأصنافه، يأمر فيُطاع، ويطلب فيُجاب، والكلّ طوع إشارة بنانه، لكنّ الصّين كانت تتّجه على عكس ما انغمس فيه، فما أن بدأ شبابُه، حتّى بدأ نعيمه يتقلّص ويذوي مِن حوله، حتّى صار سجينًا يومًا ما لدى السّوفييت، فهل كان مِن سعادته أن يولد مِن سلالة الأباطرة؟ أم كان مِن دواعي شقائه؟ إذ إنّ هذا الانحدار يجعل كلّ لحظة متعةٍ استمتعها خنجرا مؤلمًا في ذاكرته، إذ يتذكّر ذلك سجينًا بيد العدوّ، وفي نظرةٍ مادّيّةٍ يمكن أن يُقال: لو أنّه بدأ حياته فقيرًا كادحًا يأمل الغنى ويُحصّل منه القليل القليل حتّى ينتصف به العمر في الطبقة المتوسّطة، ثمّ يختم عمره في الأغنياء محدودي الغنى لكان ذلك أدعى لشعوره بالسّعادة، إذ يقدّر ما يحصل عليه ويتمتّع به، ونحن كمسلمين لا ننطلق مِن هذه النّظرة المّاديّة، بل ننظر بعين الشّرع الّذي يربط دنيانا بآخرتنا، ويعدنا إذ نصوم بالفرحتين، فنفرح الأولى وعيننا على الثّانية.
خاتمةٌ:
في مسيرة الإنسان باحثًا عن السّعادة عليه ألّا يقلّل مِن قيمة المال إلى الحدّ الّذي يجعله محتاجًا إلى ما في أيدي النّاس، وألّا يرفع مِن قيمته حتّى يجعله مدار السّعادة، وقد جاء الشّرع بالحدّ الأدنى الّذي لا بدّ منه ليستقرّ المرء نفسيًّا، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا). سنن ابن ماجه: 4141
ولهذا شُرعت زكاة الفطر؛ لتحقّق جزءًا مِن هذا الحدّ الأدنى، ولا بأس على المؤمن أن يسعى في دنياه، فيضرب في الأسواق، ويكسب وينفق ويزكّي، وقد كان في الصّحابة أغنياء بالغو الغنى، لكن يُنعى على مَن جعل المال همّه وهمّته، وظنّ أنّه السّعادة، حتّى إذا ضافت شمس العمر للغروب أدرك أنّه إنّما كان يسعى وراء سرابٍ، فيا أيّها الرّاكض وراء المال تظنّه إكسير السّعادة وجرثومتها ومعينها توقّف! فأنت في الطّريق الخاطئ، تزوّد مِن المال ما يغنيك عن سؤال النّاس، ثمّ يمّم وجه تلقاء ربّك فهناك السّعادة، وردّد مع الخليل {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79].
إنّ السّعادة كلّ السّعادة أن تسعد بالله، والأُنس كلّ الأُنس أن تأنس بالله، أن تخلو به فتذكره فتفيض عينك، فتحرم على النّار إذ فاضت، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). سنن التّرمذيّ: 1639
وهذا الحديث يعود بنا إلى إمكانيّة سعادة المسلم في غزّة على ما به مِن ألمٍ، فقرين العين الباكية مِن خشية الله أختها الّتي باتت تحرس في سبيل الله.
وإنّ ممّا يمنح المرء السّعادة: أن يجلس إلى أحبابه في العيد؛ فيقضي معهم طيّب الأوقات، فلنحرص على صلة أرحامنا، نسعد ويبارك الله في أعمارنا وأرزاقنا.
 
1 - صحيح مسلمٍ: 1151
2 - سنن ابن ماجه: 3349
3 - صحيح مسلمٍ: 1048
4 - سنن ابن ماجه: 4141
5 - سنن التّرمذيّ: 1639
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 114) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 19%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 143