الاثنين 9 محرّم 1446 هـ الموافق 15 يوليو 2024 م
إنَّها مُنْتِنَةٌ
الخميس 28 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 4 يوليو 2024 م
عدد الزيارات : 305
إنَّها مُنْتِنَةٌ
عناصر المادة
1- الظُّلم المرير
2- المخرَج المنتظَر
مقدمة:
وَضَعَ اللهُ سبحانه في قرآنه ميزانَ التّفاضل بين النّاس فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
وأكّد المعنى ذاتَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في خطبته الشّهيرة، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ)، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا)، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: (فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) قَالَ: وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ) قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ). مسند أحمد: 23489
وعَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ). صحيح البخاريّ: 30
1- الظُّلم المرير
أمرنا ربّبنا سبحانه بمكارم الأخلاق: {‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النّحل: 90].
 وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تبارك وتعالى أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا). صحيح مسلم: 2577
يا أبناء شعبنا السّوريّ، ويا إخوتنا الأتراك: لقد ساءتنا جميعًا الأحداث المؤلمة الأخيرة، والّتي بدأت باعتداءاتٍ آثمةٍ على أمن السّوريّين وممتلكاتهم، المقيمين في بعض الولايات الترّكيّة، لتنتقل بعدها إلى ردّات فعلٍ إلى الشّمال السّوريّ، ولا ينكر منصفٌ أنّ ما يتعرّض له أبناء شعبنا ظلمٌ وأيّ ظلمٍ! ويشتدّ الظّلم على النّفس عندما يكون من بعض إخوةٍ في الدّين والجوار والتّاريخ، ورحم الله القائل:
وظلمُ ذوي القربى أَشَدُّ مَضاضةً    على القلب مِنْ وقْعِ الحُسام المهنَّدِ
وفي الوقت نفسه لا ينكِر عاقلٌ أنّ هذه المواقف المسيئةَ لا تمثّل عموم الشّعب الترّكيّ العريق، فقد ظهرت صورٌ مشرقةٌ تبرز مظاهر الأخوّة والتّسامح بين الأشقّاء في خلال الأعوام الماضية، إلّا أنّه في وقت الأزمات تظهر الصّور السّلبيّة، وتغيب أو تُغيّب الصّور الإيجابيّة، وتعلو -وللأسف- أصوات المحرّضين، وتخفت أصوات الحكماء المحكمين، وواجب الوقت هو إعلاء صوت الحكمة والتعقّل، درءًا للفتنة الّتي ستكون آثارها كارثيّةً على الجميع، نسأل الله اللّطف والسّلامة.
 إنّ الكلمة مسؤوليّةٌ وأمانةٌ، ووقعها عند المحن كوقع السّيف أو أشدّ، فلنستذكر معًا قول ربّنا سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ ‌رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ ‌بِالْكَلِمَةِ ‌مِنْ ‌رِضْوَانِ ‌اللهِ ‌لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ). صحيح البخاريّ: 6478
2- المخرَج المنتظَر
لقد وضع القرآن الكريم قاعدةً عظيمةً، وكرّرها في أكثر مِن موضعٍ في كتابه الكريم: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ ‌وِزْرَ ‌أُخْرَى} [الأنعام: 164]. 
والخطاب هنا موجّهٌ للجميع، فلا يؤخذ أحدٌ بجريرة أحدٍ، ولا مكان للانتقام العشوائيّ، والدّماء معصومةٌ واستباحتها من أعظم الكبائر.
وإنّ ما جرى مؤخّرًا، ليس وليد اللّحظة، إنما هو نتاجٌ لعنصريّةٍ غذّاها الإعلام المسيس، وزرعتها أيادٍ آثمةٌ لزرع الفتنة وصولًا إلى تحقيق مآربهم، ولقد تمّ ذلك كلّه مع تقصيرٍ واضحٍ من جهاتٍ عدّةٍ، على رأسها المسؤولون الّذين تقع على عاتقهم مهمّة محاسبة المعتدين والمحرّضين، وإحقاق الحقّ وإقامة العدل، ثمّ تقع المسؤوليّة على عاتق المؤسّسات الأهليّة الترّكية والسّوريّة في باب الحقوق والواجبات، وإرساء قيمة العدالة، وحسن الجوار والتّسامح، وقبول الآخر ونبذ العنصريّة، ولقد أعطت السّنوات الأخيرة والأحداث المتلاحقة صورةً مشرّفةً للجمهورية الترّكيّة في العالمين الإسلاميّ والعربيّ، لأنّها تحتضن المظلومين، وتدافع عنهم، وتنصر قضاياهم، وهذه الصّورة أصبحت مستهدفةً بشكلٍ واضحٍ من أعداء الشّعبين السّوريّ والتّركيّ على حدٍّ سواءٍ.
وإذا أردنا أن نخرج بخطّة عملٍ مبدئيّةٍ للخروج من هذه المحنة، سيتوجّب أولًا: إطفاء الحريق ومنع اتّساع رقعته، لئلّا تصل الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه، وهذه مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ، وكلٌّ مِن موقعه، فالوقت للحكمة، وضبط الكلمة، وضبط الانفعالات، ومحاسبة المعتدين، ثمّ لا بدّ مِن تضافر الجهود جميعها؛ بقطع دابر هذه الفتنة، وتجفيف مستنقعاتها المنتنة.
إخوتي الكرام:
ما جرى مؤلمٌ أشدّ الألم، ولا شكّ أنّ القلب ليعتصر حزنًا، ونعلم أنّ كثيرًا مِن السّوريّين قد أنهكتهم الغربة، وامتلأت قلوبهم حزنًا لهوانهم على النّاس، ولكن اعلموا أنّ قيمة المؤمن البصير مستمدّةٌ من ثقته بربّه العظيم، ثمّ مِن أصالته وأصالة أمّته وتاريخه، وما سوى ذلك عابرٌ، ومهما تكن الأحداث مؤلمةً والظّروف قاسيةً، فإنّ المؤمن لا يفقد قيمته في ذاته، ولا تهتزّ ثقته بخالقه {وَاللَّهُ ‌غَالِبٌ ‌عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
خاتمةٌ:
تكبّر إبليس مدّعيًّا تفوّق عنصره على عنصر آدم، فامتنع عن السّجود؛ فهلك بعنصريّته {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 75-78].
وحصلت مشادّة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك هذه المنازعة، عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ -قَالَ سُفْيَانُ: مَرَّةً فِي جَيْشٍ- فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنَ المُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ المُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. صحيح البخاريّ: 4905
وإنّ مِن واجبنا اليوم أن نكرر ذات النّداء، فنقول: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ).
 
1 - مسند أحمد: 23489
2 - صحيح البخاريّ: 30
3 - صحيح مسلم: 2577
4 - صحيح البخاريّ: 6478
5 - صحيح البخاريّ: 4905
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 114) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 19%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 143