الاثنين 9 محرّم 1446 هـ الموافق 15 يوليو 2024 م
رُصُّوا الصُّفوف وأرغموا الأُنوف
الأربعاء 4 محرّم 1446 هـ الموافق 10 يوليو 2024 م
عدد الزيارات : 265
رُصُّوا الصُّفوف وأرغموا الأُنوف
عناصر المادة
1- ضرورة الثَّبات، عند الأزمات
2- الحذر مِن الخيانة والنُّكوص
مقدمة:
الثّبات في الأمور خلقٌ مِن أخلاق الإسلام، نحتاج إليه أشدّ الاحتياج، لأنّ طريق العبادة و الطّاعة طويلٌ، لا بدّ له مِن ثباتٍ واستقرارٍ، كما أنّ طريق تحقيق الآمال بكريم النّضال طويلٌ أيضًا، ولذا أمر الله عباده الأخيار فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
وأخبر أنّه مَنَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بنعمة الثّبات؛ فقال: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} {[الإسراء: 74].
ومِن المواقف المشهودة الّتي تحتاج إلى الاعتصام بحبل الله المتين: موقف الجهاد ومقاومة الأعداء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45].
والثّبات في الجهاد قوّةٌ معنويّةٌ لها قيمتها، والخبيرون بأمور الجهاد والنّضال يقرّرون أنّ الثّبات هو السّبب القويّ للنّصر والفوز، فالجيوش تتقاتل وتتصارع، والأكثر منها صبرًا ودوامًا، هو الّذي يتغلّب ويفوز، وقد ربط القرآن برباطٍ وثيقٍ بين الثّبات الحسّيّ، والثّبات المعنويّ، حين يتوافر الإيمان واليقين لدى أهله {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].
ولقد أمر الله سبحانه المسلمين بالتّمسّك بالحقّ والهدى؛ فقال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].
وعلّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم مِن خلال مواقفه الثّابتة أنّه لا يمكن التّنازل عن المبدأ أبدًا؛ عندما رفض عروض قريشٍ المتنوّعة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1-2].
ثمّ حذّر الله جل جلاله المسلمين مِن الرّكون إلى الظّالمين {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113].
وشدّد في مخالفة الكفّار في كلّ المجالات، لتتجلّى البراءة منهم بشكلٍ واضحٍ، ومِن هنا يتبيّن أنّ الثّبات والوفاء بالعهد دِينٌ وأمانةٌ، وأنّ النّكوص على الأعقاب ونقض العهد غدرٌ وخيانةٌ. 
1- ضرورة الثَّبات، عند الأزمات
لا ينبغي أن يغيب عن أذهان المسلمين ثبات الرّسول الأمين على الحقّ المبين، في حين أنّ كفّار قريش تفنّنوا بالعُروض المغرية ليثنوه عن قضيّته الكبرى، ورسالته العظمى، ولكنّهم باؤوا بالفشل، ولقد ثبّت الله سبحانه قلب نبيّه صلى الله عليه وسلم بذِكر قصص الرّسل مِن قبله {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].
وكما دعا القرآن إلى ثبات القلوب، وثبات الأقدام في ميدان النّضال والجهاد، فقد دعا إلى ثبات الكلمة، والإتيان بها على وجهها صادقةً واضحةً، يدعو إليها الحقّ، ويوجّهها العدل والإنصاف، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ). مسند أحمد: 18830
ولا يثبت في المواقف الحرجة إلّا أهل اليقين و الإيمان {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
فالمؤمن حكيمٌ في قوله وفعله، لا يخادع ولا ينافق، ولا يخون ولا يتذبذب، ولا تعرف الرّعونة والطّيش إليه سبيلًا، ولقد حذّر القرآن مِن التّنكّر لخلق الثّبات {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21].
ولكن لا يخلو كلّ عصرٍ مِن المرجفين والمثبّطين، الّذين يظهرون عند اشتداد الأزمات، وتكاثر الكربات، ممّن وهنت قلوبهم، وضعفت عزائمهم، وخارت قواهم، يتّبعون أسلافهم الّذين قالوا للمؤمنين ليُدخلوا عليهم الرّعب: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
كما لا تخلو الأمّة مِن ثلّةٍ مؤمنةٍ ثابتةٍ على الحقّ، باعت أرواحها لربّها عز وجل، وربّها قد اشترى {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النّساء: 74].
ولقد مَنَّ الله على هذه الفئة بمناصرة المظلومين، ومقارعة الطّغاة والمجرمين، فأعلنوا قائلين: إمّا عيشةٌ بعزّةٍ وكرامةٍ، وإمّا مِيتةٌ وشهادةٌ، فكانوا حكماء أُمَنَاء أقوياء حقًّا، لم يخونوا الله ورسوله والمؤمنين، ولم يُعيدوا علاقتهم مع النّظام الفاجر وزبانيّته المجرمين، لئلّا يخسروا الدّنيا والآخرة، وذلك هو الخُسران المبين.
2- الحذر مِن الخيانة والنُّكوص
إنّ أداء الأمانة في نظر الإسلام والمسلمين ملاك الأخلاق الكريمة، وقوام الشّمائل النّبيلة، وشعبةٌ مِن شُعب الإيمان الكامل، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا قَالَ: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ). المعجم الأوسط للطّبرانيّ: 2606
والأمانة هي رعاية حقوق الله عز وجل، وحقوق العباد، ويترتّب عليها حفظ الأبدان والأرواح، وصيانة الأموال والأعراض، وهي ضروريّةٌ للمجتمع الإنسانيّ، لا فرق بين حاكمٍ ومحكومٍ، ولا بين موظّفٍ وتاجرٍ، ولا بين عاملٍ وزارعٍ، فَمَن أدّاها على وجهها الأكمل فقد استحقّ الرّضوان مِن الله سبحانه، والثّقة مِن النّاس جميعًا، وفاز بجنّةٍ عرضها السّماوات والأرض {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 8-11].
وإنّ الأمانة الّتي أمرنا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بأدائها تتضمّن: الأمانة الإلهيّة، وتتضمّن الأمانة الخاصّة بالإنسان نفسه، كما تتضمّن الأمانة العامّة بين العباد جميعًا، فالأمانة الإلهيّة هي الشّريعة السّمحة، و تشمل عبادة الله الأحد، وإظهار الولاء له وحده، والبراءة مِن الشّرك وأهله {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].
وأمّا الأمانة الخاصّة بالإنسان نفسه، فإنّها تكون بالحرص على أداء كلّ نعمةٍ فيما خُلقت له {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
بينما الأمانة العامّة تعني: حقوق النّاس مِن أرواحٍ وأموالٍ، وأعراضٍ وشهاداتٍ، وأداء الأمانة فيها يكون بأداء هذه الحقوق كاملةً، وعدم مسّها بسوءٍ، والأمانة بمعانيها الشّاملة تُنظّم الاستقامة في شؤون الحياة كلّها، مِن عقيدةٍ وفروضٍ، وأحكامٍ وحدودٍ، وآدابٍ وأخلاقٍ، وإصلاحٍ وتسامحٍ، وودائع وأموالٍ وأعراضٍ، وإنّ مِن الأمانة العامّة حفظ العهد الّذي قطعناه لله عز وجل على أنفسنا يوم أن قمنا في وجه الظّلم والطّغيان، رافضين الذّلّ والهوان، لا نعرف الخنوع ولا الاستسلام، وقدّم الرّجال الصّادقون لمواجهة النّظام المجرم أعزّ ما يملكون، مِن الأنفس والثّمرات، والأموال والتّجارات، وصبروا على القتل والتّهجير، والسّجن والتّدمير، وإنّ مِن الأمانة والوفاء لهم أن نبقى على الطّريق صامدين، لا ننكص على الأعقاب، ولا نرضى بالتّطبيع الدّنيء مع أهل الظّلم والإجرام، بل نستمرّ في ثورتنا المباركة حتّى نقطف ثمارها اليانعة، مِن نصر أهل الحقّ واليقين، وهلاك عصابة الطّغاة الظّالمين.
خاتمةٌ:
إنّ الثّبات على الأعمال بدون هوادةٍ ولا انقطاعٍ هو سرّ النّجاح، فلا يبلغ المرء مِن الأعمال أمنيّته إلّا بالثّبات، وما فشل في عمله إلّا مَن ضعفت عقيدته، وخارت عزيمته، وإنّ كبار النّفوس أشدّاء الشّكيمة، لا يزالون يكافحون الأعمال، مِن جميع وجوهها؛ بقلوبٍ ثابتةٍ، وعزائم صادقةٍ، فلا يلبثون أن يبلغوا مأربهم، ويفوزوا بمقصدهم، جزاء ما قدّموا مِن تضحياتٍ، وما تحمّلوا مِن متاعب، وتجشّموا مِن مصاعب، وهؤلاء هم الّذين قاموا بأداء الأمانة على وجهها الأكمل، تجاه ربّهم وأنفسهم ومجتمعهم، فلم يرضوا بإقامة علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ، أو تبادلٍ سياسيٍّ أو اقتصاديٍّ، مع مَن استباح عرضنا، وسفك دمنا، وقتل أطفالنا، وهدّم بيوتنا، فكان التّطبيع معه جريمةً كبرى، وخيانةً عظمى، وكيف لا! والله سبحانه ينهى عباده عن اتخاذ عدوه وعدونا أولياء نودهم، وهم قد كفروا بديننا، وأخرجونا مِن ديارنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} [الممتحنة: 1].
وإنّ ما نعاين مِن تخاذل الصّديق ومكر العدوّ يحتّم علينا أن نرصّ صفوفنا جيّدًا، ونصدر عن رأيٍ واحدٍ حكيمٍ، يضمن مصلحة ثورتنا، مستعينين في ذلك بالله متوكّلين عليه، راجين أن تكون هذه الأحداث بداية خيبةٍ لكلّ جبّارٍ عنيدٍ {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 12-15].
 
1 - مسند أحمد: 18830
2 - المعجم الأوسط للطّبرانيّ: 2606
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 114) 80%
غير فعال (صوتأ 27) 19%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 143