الخميس 5 شوّال 1446 هـ الموافق 3 أبريل 2025 م
اغتنام الأجور الوفيرة في ليالي رمضان الأخيرة
الخميس 20 رمضان 1446 هـ الموافق 20 مارس 2025 م
عدد الزيارات : 533
اغتنام الأجور الوفيرة في ليالي رمضان الأخيرة
عناصر المادة
1- مضاعفة الأَجر واعتكاف العَشر
2- ثمار الشَّهر في ليلة القَدر
مقدمة:
تمرّ أيّام شهر رمضان سريعًا كالبرق، وتنقضي لياليه على عجلٍ كأنّها حلمٌ، وتلك الأيّام واللّيالي ستكون شاهدةً للإنسان -بما عمل فيها- يوم يقوم النّاس لربّ العالمين {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].
وإنّ مِن عظيم كرم الله عز وجل وواسع فضله أن جعل مواسم الخيرات تتوالى على عباده، ليتزوّدوا منها بالطّاعات، فيحظوا برضى ربّ الأرض والسّماوات، فبالأمس القريب استقبلنا شهر الخيرات والرّحمات، ودخل النّاس في ميدان تنافسٍ في أعمال البرّ والقربات، فنالوا مِن عظيم التّجلّيات والنّفحات، كما خسر أناس آخرون إذ أعرضوا و غطّوا في نومٍ وسُباتٍ، وها نحن اليوم على أبواب محطّةٍ أخيرةٍ مِن محطّات شهر الجُود والإحسان، وهي أيّام العشر الأواخر منه، الّتي كان يحتفي بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيّما احتفاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: (كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلَ الْعَشْرُ ‌شَدَّ ‌مِئْزَرَهُ، وَأَحْيا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ). صحيح البخاريّ: 2024
فهي أعظم أيّام الشّهر فضلًا، وأرفعها قدرًا، وأكثرها خيرًا، تصفو فيها الأوقات للذيذ المناجاة، وتُسكب العبرات على ما كان مِن تقصيرٍ واقترافٍ للسّيّئات، وهكذا يكون ليل الصّالحين وقيامهم، عامرًا بقراءة القرآن وإقامة الصّلوات، ولزوم المناجاة وخالص الدّعوات.
إذا ما الّليل أظلم كابدوه    فيسفر عنهم وهم ركوعٌ
أطار الخوف نومهم فقاموا    وأهل الأمن في الدّنيا هجوعٌ
لهم تحت الظّلام وهم سجودٌ    أنينٌ منه تنفرج الضّلوعُ
فكم لربّنا سبحانه مِن عتيقٍ مِن النّار في ليالي العشر! وكم مِن نفحاتٍ يتجلّى بها على عباده في ليالٍ هي مِن أفضل ليالي العمر! الّتي تشتمل على ليلةٍ عظيمة القدر، عالية المكانة، شرّفها الله جل جلاله مِن بين اللّيالي وفضّلها، وسلّمها مِن العيوب فلا شرّ فيها، فهي أفضل أوقات الموسم، فمَن ضيّعها فهو محرومٌ، لأنّ الفرص إذا أُفلتت لا تنفع بعدها الحسرات، فكيف نغتنم تلك اللّيالي؟ وما سبيل إدراك ليلة القدر فيها؟
1- مضاعفة الأَجر واعتكاف العَشر
يحرص المنهمكون في الدّنيا على اغتنام مواسم الرّبح الوفير، فتراهم يتسابقون إلى الأسواق ويعرضون بضائعهم، طمعًا في مضاعفة الأرباح، فكذلك في أعمال الآخرة، فُرصٌ عظيمةٌ، ومجالاتٌ عديدةٌ، لتحقيق الفوز في أزمنةٍ مخصوصةٍ، وأعمالٍ مبرورةٍ، وما عشر رمضان الأخيرة إلّا فرصةٌ مِن فُرص الآخرة، مَن عرف قيمتها سارع إلى أعمال الخير فيها {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
ومَن شُغل عن هذه الأيّام بغير العمل الصّالح فقد خسر خسارةً فادحةً، وإنّ مِن كرم الله عز وجل أن جعل لنا في عشر رمضان جملةً مِن الأعمال الّتي يتقرّب بها العبد إلى مولاه زلفى، مِن صلاةٍ وقيامٍ ودعاءٍ، وذكرٍ وصدقةٍ وقرآنٍ، كما شرع فيها الاعتكاف الّذي يهدف إلى عكوف القلب على الله جل جلاله، وإنّ المؤمن لَيحتاج إلى الخلوة بربّه، والانقطاع عن الدّنيا، ليُحسِن العبادة، فكم في هذا الانقطاع في أيّامٍ معدوداتٍ مِن إصلاحٍ للقلوب، وتزكيةٍ للنّفوس! ورياضةٍ لها على طاعة الله، والأُنس به دُون خلقه، ولقد أمر الله سبحانه إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت للعاكفين {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. 
وأفضل الاعتكاف ما كان في العشر الأواخر مِن رمضان، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ الْأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ‌إِنَّ ‌الَّذِي ‌تَطْلُبُ ‌أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ‌إِنَّ ‌الَّذِي ‌تَطْلُبُ ‌أَمَامَكَ، قام النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا، صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ). صحيح البخاريّ: 780
فعُلِم أنّ اعتكافه كان لأجل تحرّي ليلة القدر، قال ابن عبد البرِّ رحمه الله: "المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصّلوات، وتلاوة القرآن، وذِكر الله، أو السّكوت ففيه سلامةٌ، ولا يخرج إلّا لضرورةٍ كالمرض البيّن". الاستذكار: 1/277
وقال ابن القيّم رحمه الله: "وشُرع لهم الاعتكاف الّذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله، وجمعيّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده، بحيث يصير ذِكره وحبّه والإقبال عليه، في محلّ هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ولمّا كان هذا المقصود إنّما يتمّ مع الصّوم، شُرع في أفضل أيّام الصّوم، وهو العشر الأخير مِن رمضان". زاد المعاد: 2/87
فمَن كان هذا حاله في اعتكافه، كان رمضانه خير رمضانٍ، وعشره خير عشرٍ.
2- ثمار الشَّهر في ليلة القَدر
إنّ مِن عظيم فضل الله عز وجل وواسع كرمه وعطائه، أن خصّ المؤمنين بليلةٍ واحدةٍ تمرّ مرّةً في العام، وقد عظّم الله جل جلاله أمرها، وسمّاها بليلة القدر، فهي ذات شأنٍ عظيمٍ، ومكانةٍ كبيرةٍ، حيث إنّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لَيحرصون على إدراكها في العشر الأواخر مِن رمضان، لأنّها اللّيلة المباركة الّتي نزل فيها القرآن، جملةً واحدةً مِن اللّوح المحفوظ، إلى بيت العزّة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل بعد ذلك مفرّقًا ومنجّمًا على قلب النّبيّ الأمين صلى الله عليه وسلم على حسب المناسبات والأحوال {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدّخان: 3-4].
فلمّا كانت ليلة القدر ظرفًا لنزول القرآن فيها، وكانت مخبّأةً في العشر الأخير مِن رمضان، فُضّلت أيّام العشر منه على سائر الشّهر كله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (‌الْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خامِسَةٍ تَبْقَى). صحيح البخاريّ: 2021
ولذا تعجّ مساجد المسلمين في هذه اللّيالي العظيمة في أوّل اللّيل وآخره بالمصلّين، راكعين ساجدين مبتهلين، يتلون كتاب ربّهم خاشعين متدبّرين، متّبعين هدي الرّسول الأمين، الّذي شرع لهم قيام رمضان جماعةً في المساجد، كما شرع قيام اللّيل طوال السّنة في البيوت، فتراهم حريصين على أن يدركوا ليلة القدر لينالوا عظيم الثّواب وجزيل العطاء {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1-3].
هي ليلة القدر الّتي شرُفت    على كلّ الشّهور وسائر الأعوام
مَن قامها يمحو الإله بفضله    عنه الذّنوب وسائر الآثام
تلك الّليلة الّتي تعظم فيها الهبات، وتنزل الرّحمات، وتُقال العثرات، وتُستجاب الدّعوات، ومِن كثرة تنزّل الملائكة فيها تضيق الأرض بهم، حتّى قيل: "سمّيت ليلة القدر مِن الضّيق، لضيق الأرض بالملائكة". التّفسير الكبير: 32/28
{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5].
قال الشّعبيّ رحمه الله: "هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتّى يطلع الفجر". تفسير ابن كثير: 4/843
وهي سلامٌ؛ لا يستطيع الشّيطان أن يعمل فيها سوءًا أو أذىً، فهذا شرفها وفضلها، فهنيئًا لمَن اغتنم.
خاتمةٌ:
ما أشدّ حاجتنا إلى اغتنام هذه الأوقات الفاضلة بأنواع الطّاعات والقربات، فما الحياة إلّا أنفاسٌ معدودةٌ، وآجالٌ محدودةٌ، والأيّام مطايا إلى هذه الآجال، وإذا لم تتحرّك القلوب إقبالًا على الله سبحانه في مثل هذه الأوقات المباركة، والمواسم العظيمة، فمتى عساها تتحرّك؟ فليس أعظم خسارةً مِن أن تمرّ هذه اللّيالي فنضيّعها ونفرّط ما فيها مِن خيرٍ وبركةٍ، ولو لم يكن في فضل ليلة القدر إلّا أنّ مَن قامها غفرت ذنوبه، لكان ذلك كافيًا لحثّ العباد على تحرّيها والتماسها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (‌مَنْ ‌قَامَ ‌لَيْلَةَ ‌الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). صحيح البخاريّ: 1802
فكيف وقد جُمعت لها فضائل أخرى؛ مِن اختصاصها بنزول خير كتابٍ على خير نبيٍّ عليه الصلاة والسلام، وتنزّل الملائكة والرّوح فيها، وأنّها خيرٌ مِن ألف شهرٍ، وفيها تُقدّر الأرزاق، وتُكتب الآجال، فلنجتهدْ في التماسها، عَنِ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: ‌مَنْ ‌يَقُمِ ‌الْحَوْلَ ‌يُصِبْ ‌لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. صحيح مسلمٍ: 762
ولنتضرّع إلى الله بالدّعاء فيها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ ‌لَيْلَةَ ‌الْقَدْرِ، ‌مَا ‌أَقُولُ ‌فِيهَا؟ قَالَ: (قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ). مسند أحمد: 26215
وهذا الدّعاء على إيجازه جامعٌ لخيري الدّنيا والآخرة، فالعافية في الدّنيا سعادةٌ، وفي الآخرة نجاةٌ، كما ندعو لإخواننا في غزّة المكلومة بأن يتقبّل الله شهداءها، ويشفي جرحاها، وينصرها على عدوّها، ولنعلمْ أنّ الأعمال بالخواتيم، فهل مِن مشمّر للطّاعات؟ وهل مِن مسابقٍ للخيرات قبل أن تُطوى صفحة هذا الشّهر؟ فيندم المفرّطون ولا ينفع وقتها النّدم، فالموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.
 
1 - صحيح البخاريّ: 2024
2 - صحيح البخاريّ: 780
3 - الاستذكار: 1/277
4 - زاد المعاد: 2/87
5 - صحيح البخاريّ: 2021
6 - التّفسير الكبير: 32/28
7 - تفسير ابن كثير: 4/843
8 - صحيح البخاريّ: 1802
9 - صحيح مسلمٍ: 762
10 - مسند أحمد: 26215
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 121) 81%
غير فعال (صوتأ 27) 18%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 150