الخميس 5 شوّال 1446 هـ الموافق 3 أبريل 2025 م
خطبة عيد الفِطر 1446هـ
السبت 29 رمضان 1446 هـ الموافق 29 مارس 2025 م
عدد الزيارات : 557
خطبة عيد الفِطر 1446هـ
عناصر المادة
1- يومٌ فريدٌ، وعيدٌ سعيدٌ
2- العيد ذِكرٌ وشكرٌ
مقدمة:
إنّ يومنا هذا يوم عيدٍ وسرورٍ لمَن صحّت نيّته، وقُبل صيامه وقيامه، يوم عفوٍ وإحسانٍ لمَن صبر وصفح، وغفر وأصلح، ففي هذا اليوم المبارك يتجلّى المولى جل جلاله على عباده المخلصين، بمزيد الخير والإنعام، ينظر فيه إلى أهل الصّدق والوفاء مِن الأتقياء الأصفياء، الّذين طابت نفوسهم، وخلصت نيّاتهم لله ولعباد الله، فيبشّرهم بجنّته ودار كرامته {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرّعد: 22-23].
وإذا نظر الله سبحانه إلى عبدٍ نضّر فؤاده، وجعله في عيدٍ روحيٍّ، وسموٍّ إنسانيٍّ، لا يتذوّقه إلّا مَن سمت نفسه بالتّقوى الّتي حصّلها بالصّيام، والمعرفة اليقينيّة الّتي نالها بشرف القيام، فهذا هو العيد الحقيقيّ للأتقياء الأبرار، فالتّقوى نِعْم الزّاد والعدّة ليوم المعاد {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].
وإنّ الأمّة اليوم لَتستنشق عبير النّصر مرّةً أخرى، ولَتستشعر نشوة السّعادة والفرح بأوّل عيدٍ يمرّ على بلدنا -سوريّا الحبيبة- بعد الإكرام الربّانيّ العظيم، بسقوط الطّاغية الّذي أذاق شعبنا الظّلم المرير، والعذاب الوبيل، حتّى أذن الله سبحانه للأمّة بالفتح المبين، والنّصر الكبير، واليوم يكرمها ربّها بعيدٍ فريدٍ لم يمرّ عليها مثله منذ عقودٍ مِن الزّمن، ولكن تبقى في القلب غصّةٌ كبرى وجرحٌ عميقٌ، تجاه إخواننا المقهورين في فلسطين المكلومة، وأبنائها الجرحى، الّذين يتعرّضون للإبادة مِن اليهود الغاصبين، فمتى يُقرّ الله سبحانه أعيننا برؤية إخواننا الفلسطينيّين منصورين، وبلادهم مطهرّة مِن رجس الأنجاس الغاصبين؟ فعسى أن يكون قريبًا، وهذا أملنا بالله القويّ العزيز.
1- يومٌ فريدٌ، وعيدٌ سعيدٌ
بعد موسمٍ إيمانيٍّ حافلٍ بالجدّ والاجتهاد في شهر رمضان المبارك، والتّقرب بشتّى الطاعات والأعمال لصاحب الجود والإحسان، وبعد منّة ذي الجلال والإكرام على أهل الشّام بالنّصر المبين، يأتي يوم العيد للمسلمين، لا كالأعياد الماضية، فحُقّ للمسلمين أن يفرحوا بنعمة خالقهم العظيم {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
وحُقّ لهم أن يلبسوا أحسن الثّياب، ويخرجوا للمصلّى تلهج ألسنتهم بالتّكبير، ويتزاور فيه أهل الأرحام والأصدقاء، ويتصالح فيه مَن كان بينهم حقدٌ وعداءٌ، فتُنسى الشّحناء، وتُمحى البغضاء، وهذا هو المعنى الحقيقيّ للعيد، حين يعود المسلمون إلى الله جل جلاله، ويرجعون إلى كتابه الكريم، فَيَصلون ما بينهم وبين الله، وما بينهم وبين عباد الله، ويعمر قلبهم الإيمان، ويكون سلوكهم فيما يرضي الرّحمن.
ما عيدكَ الفخمُ إلّا يوم يُغفرُ لك    لا أن تَجرَّ به مُستكبرًا حُلَلَك
كمْ مِنْ جديدِ ثيابٍ دِينه خَلَق    تكادُ تلعنه الأقطار حيث سلك
إنّ يوم العيد يوم فرحٍ وسرورٍ، وبذلٍ وعطاءٍ، وتصافحٍ ونقاءٍ، فمَن أحبّ أن يُرحم فليَرحم، ومَن أحبّ أن يُغفر له فليَغفر، ولا خير فيمَن لا يألف ولا يَؤلف، وإنّ هذا اليوم لمِن أشرف الأيّام، أوجب الله فيه الفِطر، وحرّم فيه الصّوم، فهو يوم ذِكرٍ وشكرانٍ، ومغفرةٍ مِن الله ورضوانٍ، فالعيد شُرع ليجدّد فيه المسلمون عهد الصّفاء والإخاء، فلا يليق فيه الخصام والانقسام، والغلّ والبغضاء، ولا الحسد والإيذاء، ولقد كان سلفنا الصّالح يتصافحون يوم العيد، ويُحيّي بعضهم بعضًا، ويتبادلون التّهاني في سرورٍ وانشراحٍ، وكانوا في دِينهم أقوياء، لا يميلون مع باطل الأهواء، ولا يستبيحون الرّذائل والأعمال النّكراء، وبهذا يكون العيد جميلًا بطاعة ربّ الأرض والسّماء، فإظهار الفرح بالعيد شعيرةٌ مِن شعائر الله عز وجل الّتي يُؤجر عليها المؤمن إن استحضر النّيّة فيها {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحجّ: 32].
فالعيد لمَن عظّم خالقه، والتزم أوامره، ولا عيد لمَن تمتّع بالشّهوات، ولبس الجديد وقلبه مظلمٌ معلّقٌ بالباطل والزّور، والبهتان والفجور، ولا عيد لظالمٍ خائنٍ غشّاشٍ، كذّابٍ مغتابٍ نمّامٍ، يسعى بين النّاس بالأذى والفساد، ولا لمتكاسلٍ مرتابٍ، لا يعمل لأمّته ولا لدِينه، ولا لنفسه أو بلاده، بل ليس العيد لمَن قطع أرحامه وعقّ والديه، فحُرم نعمة الرّضا والرّحمة في هذا اليوم المبارك السّعيد، وإلّا فكيف يفرح بالعيد مَن هذه أوصافه وتلك آثامه؟!
2- العيد ذِكرٌ وشكرٌ
يزداد المؤمن في صبيحة هذا اليوم الأغرّ إقبالًا على ربّه سبحانه، ذاكرًا مكبّرًا، داعيًا شاكرًا، مثنيًا على مولاه حامدًا، على ما مَنَّ عليه مِن توفيقٍ للطّاعات والقُربات في شهر الخيرات والبركات {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
والشّكر نعمةٌ تحتاج إلى شكرٍ.
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً    عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلّا بفضله    وإن طالت الأيّام واتّصل العُمْر
وشُكر الله جل جلاله يكون بتحقيق العبوديّة والإخلاص له، فذلك سببٌ لحِفظ النّعم، وزيادتها في الدّنيا {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
كما أنّه سببٌ للفوز في الآخرة {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145].
وإنّ الشّكر خُلق الأنبياء والمرسلين، فحين ورث سليمان عليه السلام الملك وأوتي الحُكم قال: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النّمل: 40].
وكثيرًا ما كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن يجعله شاكرًا، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ) فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ‌ذِكْرِكَ، ‌وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ). سنن أبي داود: 1522
وما كان الصّيام والقيام وسائر الأعمال إلّا بتوفيقٍ مِن الملك العلّام، ولولاه ما صمنا ولا صلّينا، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ جِلْدَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ: (اللهُمَّ ‌لَوْلَا ‌أَنْتَ ‌مَا ‌اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا). مسند أحمد: 18684
ولو تأمّلنا حالنا هذا العيد، ثمّ نظرنا إلى أحوال العالَم مِن حولنا، لعلمنا أنّ الله سبحانه قد أنعم علينا بنعمٍ عظيمةٍ، ودَرَأ عنّا محنًا كبيرةً، وحفِظَنا في وطننا ودِيننا، وأنفسنا وأموالنا، حيث خلّصنا مِن كَلَب عدوٍّ احتلّ ديارنا، وأفسد عمراننا، وانتهك حرماتنا، ولكن في غزّة وغيرها من بلاد المسلمين الجريحة عِبَرٌ للمعتبرين، قتلٌ وترويعٌ، وجوعٌ وشدّةٌ، وبلاءٌ وكربةٌ، صام أهلها جوعى، وأفطروا جوعى، فعن ماذا يصومون؟ وعلى ماذا يفطرون؟! وسيحضرهم العيد وهم لا يجدون ما يأكلون، ونحن نرفل في أنواع النّعيم، والخير الكثير، الّذي يستوجب منّا شكر الله عز وجل، وتقديم ما نستطيع لإخواننا المقهورين، الّذين لم يتذوّقوا طعم العيش الكريم منذ أن وطئت أرضَهم أقدامُ الصّهاينة المحتلّين.
خاتمة:
 ما أجمل أن يفرح المؤمنون بفضل الله جل جلاله ويشكروا نعماءه! ويظلّوا محافظين على بنيانهم، ويشيّدوا فوقه ما يستطيعون، فمَن كان في رمضان منيبًا إلى ربّه، تائبًا مِن ذنبه، خائفًا مِن نقمة الله سبحانه وعذابه، مهذًّبا نقيًّا، متواضعًا تقيًّا، جديرٌ به أن يكون في العيد وبعده كذلك، فلا يهدم ما بنى، ولا يقوّض ما شيّد، ولا ينضمّ لحزب الشّيطان؛ بعد أن كان مِن حزب الرّحمن، فمَن نكص على عقبيه لم يكن مِن المؤمنين الصّادقين، ولا مِن العقلاء المتبصّرين، و ينبغي -ونحن نفرح بعيدنا- أن نتذكّر الفرحة الكبرى يوم يقال للطّائعين {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقّة: 24].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لِلصَّائِمِ ‌فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما: إذا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ). صحيح البخاريّ: 1904
كما يجب علينا في الوقت الّذي نفرح فيه بعيدنا، أن نتذكّر ما حلّ بإخواننا في غزّة مِن مآسٍ نزلت، وأحزانٍ مرّت؛ ولا زالت، مع يقيننا بأنّ بعد المحن منحًا، وبعد الضّيق فرجًا.
لا تيأسوا ليل الشّقاء سينجلي    والفجر سوف يزفّ صوت البلبل
وستحمل الدّنيا مشاعل نصرنا    في كفّها وتدكّ كلّ مضلّل
ولقد كان السّلف يفرحون بعيدهم، وهم المجاهدون الّذين لم يقعدوا يومًا عن الجهاد، وربّما كان فيهم مَن ودّع أخاه أو قريبه للتّوّ، أو أصيب في معركةٍ قريبةٍ، إلّا أنّ بارقة الأمل لم تفارق قلوبهم، لتبشّرهم بغدٍ مشرقٍ، فلتتصافحْ قلوبنا، ولتتصافَ نفوسنا، ولنجدّدْ ميثاق الأخوّة الإسلاميّة فيما بيننا، ولنجمعْ بين فرح القلوب وبين تفريج الكروب، فنكون مفاتيح للخير، نُدخل السّرور على قلوب المسلمين، ونقدّم العون للمحتاجين، ونصل أرحامنا، ونزور جيراننا، وتلهج ألستنا بالدّعاء لإخواننا في فلسطين، بأن تدخل الفرحة بيوتهم، وتعمّ البهجة أُسرهم، وينصرهم الله على عدوّهم، وبهذا الشّعور الإيماني تستقرّ الأمّة، ويندحر عدوّها، ويدوم عزّها، ويبقى مجدها.
 
1 - سنن أبي داود: 1522
2 - مسند أحمد: 18684
3 - صحيح البخاريّ: 1904
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 121) 81%
غير فعال (صوتأ 27) 18%
لا أدري (صوتأ 2) 1%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 150