الخميس 6 ذو القعدة 1439 هـ الموافق 19 يوليو 2018 م
الشكر يجلب النعم ويدفع النقم
الخميس 7 شوّال 1439 هـ الموافق 21 يونيو 2018 م
عدد الزيارات : 579
الشكر يجلب النعم ويدفع النقم
عناصر المادة
1- فضيلة الشكر
2- الشكر سبيل النصر والنجاة من العذاب
3- كيف نشكر؟
4- أنواع الشكر
5- مظاهر الشكر العملية
مقدمة:
لقد مضت أيام رمضان، وأسأل الله الكريم أن يتقبل منكم الصيام والقيام، ويا لها من فرحة كبرى وسعادة عظمى أن أكرمنا الله بإكمال عدته والتكبير في عيده، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
ولكن إخوتي لئن انتهى شهر رمضان فإن حق الله باق لا ينقضي ولا ينتهي حتى الممات، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}، فالله هو رب رمضان ورب شوال ورب الدهور والأيام، وعليه فإن شهر رمضان ينبغي أن يتبع بالشكر والامتنان للرحيم الرحمن، وهذا ما أوصى الله به عباده عقب رمضان فقال في محكم القرآن: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. 
بهذه الوصية الربانية وهذه الكلمات القرآنية ختم الله آيات الصيام، وختم بها العديد من آيات الفرقان، فقد ذكر الشكر أكثر من سبعين مرة في القرآن الكريم، وهذا إشارة واضحة على عظيم هذه العبادة، وجليل قدرها وكبير أجرها، فأكثروا عباد الله من شكر الله فقد قال لكم آمراً ومذكراً: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، ورددوا بعد كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). 
فلك المحامد والمدائح كلها        بخواطري وجوارحي ولساني
ولك المحامد ربنا حمًدا كما       يرضيك لا يفنى على الأزمان
1- فضيلة الشكر
عباد الله: جعلني الله وإياكم من الشاكرين إن الشكر عبادة نادرة جميلة، عظيمة جليلة، عزيزة نبيلة، أجرها عند الله جزيل، وقرنها الله بالزيادة في محكم التنزيل فقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، مدح  الله بها إبراهيم الخليل: {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ}، وأمر بها الأنبياء والمرسلين ومنهم الكليم: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، وجعل الله الشكر قسيمي السبيل فقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، وجعل الشكر الغاية من الإيجاد والإمداد فقال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، ولعلكم تستغربون أن الله اشتق الشكر من اسم من أسمائه الحسنى: (الشكور)، {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}.
فيا الله ما أعظمها من عبادة وما أجلها من طاعة، اللهم اجعلنا ممن قلت فيهم: {وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}.
ألا فاشكر لربك كل وقت         على الآلاء والنعم الجسيمة
إذا كان الزمان زمان سوء            فيوم صالح منه غنيمة
عباد الله: نحن اليوم بحاجة ماسة لإحياء الشكر فيما بيننا، شكر الخالق وشكر المخلوق، كما قال الله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). 
فبالشكر تزيد أواصر المحبة والإخاء، وتنتهي العداوة والبغضاء، وبالشكر نصل لمرضاة رب الأرض والسماء قال الله تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}.
الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا       به الزيادة عند الله والناس
واعلموا إخوتي: أن من أعظم أنواع الظلم والجهالة كفران نعم الخالق ونكران إحسان المخلوق قال الله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}. 
وقد ذم الله الإنسان الجحود فقال: {إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}، والكنود هو ذاك الإنسان الذي يذكر النقم وينسى النعم وهذا من أشنع الظلم كما قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا الظَّالِمُ فِي فِعْلِهِ            وَالظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ
إِلَى مَتَى وَأَنْتَ وَحَتَّى مَتَى       تَشْكُو الْمُصِيبَاتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ
2- الشكر سبيل النصر والنجاة من العذاب
يا أهل الإسلام عامة ويا أهل الشام خاصة: علينا إن نكثر الشكر رغم كل الظروف القاسية والأزمات الخانقة، نعم علينا أن نديم الشكر على نعم الله رغم ما يحيطنا من كروب وينزل بنا من خطوب، وربما يسأل سائل لماذا نشكر والحال هذا؟ فأقول مجيباً للسائل ولغيره: اعلموا أخوتي أن النجاة من العذاب والوقاية من الهلاك والدافع للعقاب والجالب للأمان يكون بالشكر لله وللناس كما قال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}.
يتوقف العذاب ويذهب الوباء والبلاء، وتنتهي أنواع البأساءِ والضرّاء، وأنواع الهموم والأحزان، فإن أردنا زوال النقم والبلاء فعلينا بالشكر، وإن أردنا النصر والظفر على الأعداء فعلينا بالشكر، قال الله حاكيا عن نصر نبي الله لوط على قومه: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ}. 
فالشكر يا أهل الشام يغير حياتنا إلى الأسعد والأفضل والأجمل، يحول حياتنا من الفرقة إلى الجماعة، ومن الضيق إلى السعة، ومن الانكسار إلى الانتصار، فبالشكر نحقق كل الغايات في الدنيا، ونبلغ كل الدرجات في الجنة، قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. 
لهذا كان رسول الله يردد صباحاً ومساءً هذا الدعاء: (اللهُمَّ مَا أَصْبَحَ ما أمسى بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ) ويقول: (من قالها فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ).
فلو كان يستعلي عن الشكر ماجد      لعزة نفس أو علو مكان
لما أمر الله الحكيم بشكره        فقال اشكروا لي أيها الثقلان
3- كيف نشكر؟
ولعلنا: بعد أن علمنا أهمية الشكر وعظيم فوائده على العباد والبلاد، لعلكم تسألون كيف نصل لهذه المنزلة الرفيعة والمكانة العالية فأقول لكم بعد هذه القصة اليسيرة، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقول اللهم اجعلني من القليل؟؟ فقال عمر: ما هذا الدعاء؟؟!! فقال الرجل: أردت قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فقال عمر: كل الناس أعلم منك يا عمر. 
والسؤال المهم الآن أيها الأخوة: هل نحن من القليل الذاكر الشاكر أم من الكثير الغافل الناكر؟ لا شك ولا ريب أنكم من أهل الهمم العالية والعزائم القوية، تطلبون منزلة الشكر.
فإن شهد التاريخ أوساً وخزرجا       فأنتم أوس قادمون وخزرج
فما هو سبيل الوصول لنكون من عباد الله الشاكرين؟
أولاً: لا بد أن نعلم أن للشكر معان كثيرة منها الاعتراف بحق المنعم والثناء عليه بنعمه قليلها وكثيرها، من معاني الشكر الزيادة في العبادة، ومن معانيه أنه قيد للموجود وصيد للمفقود فبالشكر تدوم النعم وتزول النقم.
قال ابن القيم رحمه الله: "الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة".
ثانياً: اعلموا أن أبواب الشكر وأنواعه كثيرة ومنتشرة بعدد نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، فلكل نفس من أنفاسنا، ولكل طرفة من أعيننا، ولكل خفقة من خفقات قلوبنا لله علينا فيها نعمة ومنة: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةٌ         عَلَيَّ وَفِي أَمْثَالِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ وُقُوعُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ         وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ
إِذَا مَسَّ بِالسَّرَّاءِ عَمَّ سُرُورُهَا         وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهَا الْأَجْرُ
وَلَا مِنْهَـــا إِلَّا لَهُ فِيـــهِ مِنَّـــة          تَضِيقُ بِهَا الْأَوْهَامُ وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ
4- أنواع الشكر
لهذا حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، فأكتفي من أنواع الشكر بقلائده المكنونة وفرائده المصونة، وهي ثلاثة أنواع: بالقلب اعترافاً وقبولاً، وباللسان ثناءً وقولاً، وبالجوارح عملاً وفعلاً، على حد قول الشاعر:
أفَادَتْكُمُ النّعْمَاء منِّي ثَلاثةً         يدِي، ولَسَاني، وَالضَّمير المُحَجَّبَا
لعلنا بهذه الأنواع الثلاثة نصل لمنازل الشاكرين، وننال رضا رب العالمين ونحقق أمره تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ}.
أخوتي المؤمنون: 
النوع الأول: شكر الله على جلاله وجماله: فهو المستحق للشكر بكل أنواعه وأشكاله، وإن أظهره وأوجبه الإقرار له بالوحدانية والربوبية، والاعتراف له بالحاكمية والعبودية، فإن من تمام شكر الله أن لا يعبد غير الله، ولا يشكر سواه، ولا يرضى بحكم غير حكم الله، لهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وجعل ضد الشكر وعكسه ونقيضه الكفر فقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}، وهذا شكر القلب والجنان.
إليك وإلا لا تشد الركائب       ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالكلام مضيع        وعنك وإلا فالمحدث كاذب
النوع الثاني للشكر: شكر الله بالنطق واللسان: قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، فشكر الله على نعمه بعد الاعتراف بأنه المنعم هو الثناء على الله تعالى وحمده وشكره الدائم باللسان وهذا بابه واسع وأجره نافع فإن الله ليرضى على العبد إن أكل الأكلة فحمده وشرب الشربة فحمده، وإنه تعالى ليعطي على حمد باللسان والشكر باللسان، الأجر العظيم والثواب العميم، فكن دائماً لله حامداً دائماً لله شاكراً، وتذكر نعم الله عليه في بدنك وولدك وصحتك وعافيتك، وردد قول الله في القرآن على لسان سليمان وهو يشكر الله الملك الديان: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}. 
واصدح بقول القائل:
الحمدُ لله مَوْصُــــولا كمـــا وجبــا       فهو الذي برداء العِزّة احْتَجَبــا
والشُّكـــــرُ للهِ في بــــدْءٍ ومُخْتَتَــــم        فالله أكرَمُ من أعْطى ومَنْ وَهَبــا
أخي أنا وأنت نتقلب بنعم لا يعلم عدها ولا حصرها إلا الله، وغيرنا يتمنى لو كان عنده من النعم معشار ما عندنا، فتعالوا نردد قول حبيبنا  صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا)، وهلا نظرت أخي المؤمن إلى من هو أدنى منك في النعم، كما أوصاك الحبيب حتى تكون دائما لله شاكراً ولنعمه ذاكراً: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم، فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ)، وقال ناصحاً لأبي هريرة: (وكن قَنِعاً تكن أشكر الناس).
إذا كنـت فـي نعمـة فارعهـا      فـإن المعاصـي تزيـل النعـم
وداوم عليهــا بشكـر الإلــه      فشـكـر الإلـه يزيـل النقـم
واحذروا إخوتي من نكران النعم وكفرانها باللسان فقد جرت عادة كثير من الناس على استقلال نعم الله، وازدراء آلاء الله، فزالت عنهم وصاروا مضرب مثل في ذهاب النعم، وحلول النقم، قال الله متحدثاً عنهم: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}، فحافظوا على نعم الله بقبولها من الله، والثناء عليها قليلة كانت أو كثيرة، وليس في نعم الله قليل.
رُبَّ قومٍ قد غَدَوْا في نَعْمةٍ       زَمَناً والدهرُ رَيَّانٌ غَدَقْ
سَكَتَ الدهرُ زَمَاناً عنهمُ         ثم أبكاهُمْ دَماً حِينَ نَطَقْ!
النوع الثالث للشكر: الشكر بالجوارح والأركان: كما أمر الله به آل داود عليه السلام فقال: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}، هذا معناه أن تستخدم كل نعمة في طاعة المنعم، وأن تصرف كل عطية من الله في طاعة رب البرية، فإن كنت صحيحاً قوياً فكن مجاهداً في سبيل الله تكن شاكراً لله، وإن كان لك مال وثروة فأنفق منها للفقراء والمساكين تكن شاكراً الله، وإن كان لك علم ومعرفة فعلم العلم ولا تكتمه عن أحد من خلق الله تكن شاكراً لله، وإن كنت ذا جاه ومنزلة بين الناس فاشفع بها لقضاء حوائج عباد الله تكن شاكراً لله، وهكذا في كل نعمة قلت أو كثرت اجعلها لله وفي سبيل عباد الله تكن بحق شاكراً لأنعم الله، وهذا من معاني قول الله تعالى: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}. 
النَّاسُ بالنَّاس ِ ما دامَ الحـياءُ بــهمْ      والسـعدُ لا شــكَّ تاراتٌ وهـبَّاتُ
وأفضَلُ الناس ِما بين الوَرَى رَجُلٌ       تُقْضَى على يَدهِ للنَّاس ِحَـاجَــاتُ
لا تَمنعَـنَّ يدَ المعــروفِ عن أَحــَد ٍ       ما دُمـْتَ مُـقْتَدِرًا فالسَّــعْـدُ تاراتُ
واشْكُرْ فَضَائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جَعَلَتْ         إليكَ، لا لكَ، عِـنْدَ النَّاسِ ِحـاجَـاتُ
قد ماتَ قـومٌ ومَا مَاتَتْ مـكـارِمُهم        وعَاشَ قومٌ وهُم فِي النَّاس ِأمْواتُ
5- مظاهر الشكر العملية
واعلموا إخوتي: أن لهذا النوع من الشكر مظاهر عملية وشعائر تعبدية ومشاهد أخلاقية، أذكر بعضها لعلنا نكون من الشاكرين قلباً وقولاً وعملاً:
المظهر الأول: الصلاة الصلاة فهي عنوان شكر العبد لله وهذا ما كان يفعله رسول الله في ليله ونهاره يشكر الله بالصلاة والاتصال بالله، وها هي قصة رائعة من سيرته العطرة تظهر شكره لله بالصلاة يقول عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: (يا عائشة ذريني أتعبد لربي)، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذن بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكوراً؟) 
فمن ترك الصلاة فقد وقع من مصايد الشيطان وحبائل إبليس عندما قال: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}. 
بُني توضأ وقم للصلاة        وصل لربك تكسب رضاه
إذا رضي الله عن مسلم        ينال السعادة طوال الحياة
وسجود الشكر جزء عظيم من الصلاة شكراً لله وقد سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شكراً لله عند جلب النعم واندفاع النقم، فسجد صلى الله عليه وسلم شكراً لله عندما رأى مصرع أبي جهل اللعين، وسجد أبو بكر شكراً لله عند علم بمقتل مسيلمة الكذاب، وسجد علي بن أبي طالب عند شاهد مقتل ذو الثديين، وقريباً يا أهل الشام نسجد شكراً لله لمقتل طاغية العصر بشار الأشر بإذن الله وهذا وعيد الله للظالمين: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}.
ووعد الله للمؤمنين: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
سبحان من لو سجدنا بالعيون له       على شبا الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته       ولا العشير ولا عشراً من العشر
المظهر العملي الثاني للشكر: الصيام فقد ختم الله آيات الصيام بالشكر ليعلمنا أن الصيام لله شكر له على نعمه وهذا ما فعله نبي الله موسى، وأكده رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصحيح: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟) فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا؛ فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ)؛ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
وهنا أؤكد على سنة عظيمة بعد شهر الصبر وهي سنة صيام ست أيام من شوال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) وكأن هذه السنة النبوية شكر من العبد لمولاه أن أتم عليك صيام شهر رمضان.
صوموا عن الأقوال قبل فعالكم      الصوم فيه حواجز الأفعالا
إن ضاق صدري أو تحّسر خافقي      في الصوم أنهي العبء والأثقالا
المظهر الثالث والأخير للشكر: إنه شكر الإنسان للإنسان على صنيعه وإحسانه، وأولى الناس به الوالدين فقد قرن الله شكرهما بشكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}. 
إن نسيان فضل الوالدين عليك، ونكران إحسانهما لك، من أعظم العقوق وأقبح الذنوب، وإن شكر الناس على إحسانهم باب من أبواب شكر الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أشكر الناس لله عز وجل أشكرهم للناس). 
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يقول: (من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه). 
وهو هدي قرآني فريد قال الله حاكياً عن مكافأة المحسن بإحسانه: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}.
فشكر المحسن من محاسن الأخلاق والفعال، وجميل الطباع والخصال.
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه       لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عبد الله بن مبارك رحمه الله تعالى:
يد المعروف غنمٌ حيث كانت        تحمَّلها شكورٌ أو كفـور
ففي شكر الشَّكور لها جزاءٌ         وعند الله ما كفر الكفـور
إخوتي: وإنه من العيب والعار، ما وصل إليه حال بعض الناس مقابلة إحسان المحسن بالإساءة والنكران، وخصوصاً في اقتراض المال والديون، وهذا من أعجب العجب حتى صار شائع بين الناس، إذا أردت أن تخسر صديقك فأقرضه مالك، فتذهب الصداقة والمال معاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا وايم الله خلافاً تاماً لهدي سيد الشاكرين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، حين اقترض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي قبل حنين رد إليه القرض بعد الغزوة، وقال له: (بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد). 
ومن يُسدِ معروفًا إليك فكن له        شكورًا يكن معروفه غير ضائع
ولا تبخلن بالشكر والفرضَ فاجزِه       تكن خير مصنوعٍ إليه وصانع
فاللهم لك الشكر العظيم لذاتك شكراً وليس لأحد سواك، شكراً يوافي نعمك ويدفع نقمك ويكافئ مزيدك، أخي الحبيب اجعل الشكر برنامجك القولي والفعلي بينك وبين الله بطاعته وحمده، وبينك وبين عباد الله بالإحسان إليهم والثناء على جميل فعالهم، واعلم أخي: أن الله تعالى جعل الشكر منهج عباده المستقيمين على طاعته، والمحافظين على عبادته، وجعل الشاكرين من أصحاب جنته وأهل مودته ومحبته، فقال في سورة الأحقاف: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}. 
اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 52) 66%
غير فعال (صوتأ 25) 32%
لا أدري (صوتأ 2) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 79