الخميس 6 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 13 ديسمبر 2018 م
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
الخميس 21 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 29 نوفمبر 2018 م
عدد الزيارات : 261
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
عناصر المادة
1- مجامع الفضائل
2- فبما رحمة من الله لنت لهم
3- سموٌ فوق سموٌ
1- مجامع الفضائل
قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
في هذه الآية يأمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أوامر:
أن يأخذ العفو، وأن يأمر بالمعروف، وأن يعرض عن الجاهلين، ثلاثة أوامر جمعت أمهات الفضائل والأخلاق.
قال جعفر الصادق رضي الله عنه: "أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه الآية". البخاري: 4367
وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم: 273، والحاكم: 2 / 613، وأحمد: 2 / 318، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووفاقه الذهبي
2- فبما رحمة من الله لنت لهم
وقد امتدح الله أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الآخرين وعدم الإغلاظ عليهم، وجعل ذلك سببا للالتفاف حوله، والإذعان لرأيه.
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..} [آل عمران: 159].
عندما خرج صلى الله عليه وسلم إلى قبيلة ثقيف طلباً للحماية مما ناله من أذى قومه، لم يجد عندهم من الإجابة ما تأمل، بل قابله ساداتها بقبيح القول والأذى، وقابله الأطفال برمي الحجارة عليه، فأصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن ومن التعب الشديد ما جعله يسقط على وجهه الشريف، ولم يفق إلا وجبريل رضي الله عنه قائماً عنده يخبره بأن الله بعث ملك الجبال برسالة يقول فيها: "إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين"، فأتى الجواب منه عليه السلام بالعفو عنهم قائلاً: (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا). أخرجه البخاري 4571 ومسلم 1795
ولما كُسِرت رُباعيته صلى الله عليه وسلم وشُجَ وجهه يوم أُحد، شَقَ ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله ادعُ على المشركين، فأجاب أصحابه قائلاً لهم: (إني لم أُبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة). أخرجه مسلم 4832
فأي شفقة وأي عفو وصفح وحلم من إنسان يُضاهي هذا الحلم إلا حلمه عليه السلام.
قال القاضي عياض رحمه الله: "انظر ما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر، والحلم؛ إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم، ورحمهم، ودعا، وشفع لهم، فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة، والرحمة بقوله: لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم، فقال: فإنهم لا يعلمون".
إن وجود هذا الصنف من الناس هو الاختبار الحقيقي لمعادن أخلاق الناس، فلو لم تقابل سفيهاً فكيف سيظهر حلمك!؟ وهل ورود مثل هذه الآية إلا في مثل هذا الصنف من الناس الذين بهم بحص الابتاء والاختبار!
والنبي عليه الصلاة والسلام لو لم يواجه مثل هؤلاء الأشخاص أين يظهر حلمه؟ وقد أظهر صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف حلمه، وجسد لنا القدوة في موطن يطيش فيه المرء وتغلبه طباعه العصبية.
ففي مثل هذا الموقف أنت أمام خيارين: إما أن تنتقم لنفسك، وإما أن تشفق عليه؛ ففي الأولى أنت تعين الشيطان عليه، وفي الثانية تعينه على شيطانه.
3- سموٌ فوق سموٌ
ثم يأتي بعد ذلك الأمر الثاني: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، وهذه مرتبة أسمى من التي قبلها، وهي مبنية عليها، فمن سمحت نفسه وطابت، فهي أهلٌ لأن تجود بالمعروف، وهذا لا يطيقه إلا من سمت نفسه، وتغلّبت على النوازع الغريزية التي تدعو إلى طباعٍ بهيميةٍ من الانتقام والطيش؛ خذ العفو وفي الوقت نفسه مُر بالعرف أي بالمعروف من كل قول طيب وفعل كريم.
فالدين إنما هو الخلق وحسن المعاملة والمصانعة للناس، وإنما جعلت العبادات إلا لأجل تزكية النفس وتهذيبها من طباع السوء.
ولأن التحلي بالفضائل والكمالات يحتاج إلى صيانة النفس عن الجاهلين اتقاء لجهلهم قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
والجهل هنا في الآية ليس هو الجهل ضد العلم؛ إنما هو من الجهل ضد الحلم؛ فالجاهل في نظر القرآن الكريم هو من عصى الله وغلب اتباع الهوى على الحق، حينما راودت النسوة يوسف عن نفسه قال: {وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33].
وموسى حينما أخبر قومه بأمر الله أن يذبحوا بقرة: {قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67].
{وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا.
وقد كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام إذا خرج من بيته يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل أو أَزل أو أُزل أو أَظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يجهل علي). أخرجه أحمد في مسنده برقم: 26747 والترمذي في الجامع: 5/490 وأبو داود برقم: 5094 عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، وابن ماجة برقم: 3884
وهذه الدعوات العظيمة المباركة التي كان يدعو بها عليه الصلاة والسلام مناسبة لحال كل من خرج من بيته ويحتاج إليها كل من خرج من بيته لماذا؟
لأنه سيواجه أجناسا من المتعاملين وأصناف من الأخلاق وأنواع من التعاملات، فيحتاج إلى حسن التجاء إلى الله سبحانه وتعالى بأن يعيذه من أن يَضل أو يُضل أو يَزل أو يُزل أو يَظلم أو يُظلم أو يجهل أو يُجهل عليه فيستعيذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك كله ويمضي هو في تعاملاته مع الناس في مثل هذه التوجيهات المباركة العظيمة في هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات والأحاديث التي تدعو إلى كوامل الآداب وجوامع الأخلاق.
وللنبي صلى الله عليه وسلم مشاهد كثيرة في حلمه على الناس وفي دفع السيئة منهم بالحلم منه صلى الله عليه وسلم فيقابل السيئة بالحسنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً). أخرجه البخاري: 2260
كذلك في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء".

أخرجه البخاري: 5738

وعن ابن عباس، عن عيينة بن حصن، أنه قال لعمر بن الخطاب: يا ابن الخطاب، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإن هذا من الجاهلين فقال ابن عباس: "فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله عز وجل". أخرجه البخاري: 4366
فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها، إذ يرفعها عن الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع.
ويروي عن الحسن أن رجلاً قال: "إن فلاناً قد اغتابك، فبعث إليه طبقاً من الرطب، وقال: بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام".
ورحم الله من قال :
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ      وآبى أن أكــون له مجيباً
يزيد سفاهةً وأزيــد حلماً      كعودٍ زاده الإحراق طيباً
وآخر يقول:
إذا نطق السفيه فلا تجبه      فخير من إجابته السكوتُ
إذا جاوبته فرجــت عنه      وإذا خليته كمـــداً يمــوتُ
1 - البخاري: 4367
2 - رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم: 273، والحاكم: 2 / 613، وأحمد: 2 / 318، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووفاقه الذهبي
3 - أخرجه البخاري 4571 ومسلم 1795
4 - أخرجه مسلم 4832
5 - أخرجه أحمد في مسنده برقم: 26747 والترمذي في الجامع: 5/490 وأبو داود برقم: 5094 عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، وابن ماجة برقم: 3884
6 - أخرجه البخاري: 2260
7 - أخرجه البخاري: 5738
8 - أخرجه البخاري: 4366
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 53) 66%
غير فعال (صوتأ 25) 31%
لا أدري (صوتأ 2) 3%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 80