الجمعة 22 ذو الحجة 1440 هـ الموافق 23 أغسطس 2019 م
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم
الخميس 20 ربيع الآخر 1440 هـ الموافق 27 ديسمبر 2018 م
عدد الزيارات : 454
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم
عناصر المادة
1- أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأقومُها هدياً
2- معروفٌ لا يُسبق، وفضلٌ لا يُلحق
3- فمن أحبهم فبحبي أحبهم
4- فأبشر بما ليس فيه البشرى
1- أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأقومُها هدياً
قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [ الفتح: 29].
أيها المسلمون: الصحابة أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقُها علماً، وأقلُّها تكلُّفاً، وأقومُها هدياً، وأحسنُها حالاً؛ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "فحبُّهم سنةٌ، والدعاء لهم قربةٌ، والاقتداء بهم وسيلةٌ، والأخذ بآثارهم فضيلةٌ".
وهم صفوةُ خلق الله بعد النبيين عليهم السلام، روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: {قل الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى}، قال: "هم أصحاب محمد".
وروى سعيد بن منصور عن سفيان في قوله عز وجل: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}، قال: "هم أصحاب محمد".
وقال قتادة في قوله تعالى: {يتلونه حق تلاوته}، "هم أصحاب محمد، آمنوا بكتاب الله، وعملوا بما فيه".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه".
2- معروفٌ لا يُسبق، وفضلٌ لا يُلحق
وقد ورد في فضلهم آياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ، منها قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
وقال تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
ومما جاء في السنة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه). أخرجه البخاري 3470، ومسلم 2540
وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت وقت ضرورة وضيق حال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا كان جهادهم وسائر طاعاتهم، وقد قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [الحديد: 10].
وهذا كله مع ماكان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده، وفضيلةُ الصحبة لا يوازيها عمل، ولا تُنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال البيضاوي رحمه الله: "معنى الحديث، لا ينال أحدكم بإنفاقِ مثلِ أُحُدٍ ذهباً من الفضل والأجر ما ينال أحدُهم بإنفاق مدِّ طعامٍ أو نصيفه؛ وسببُ التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاث وصدق النية"
مع ماكانوا عليه من القلة وكثرة الحاجة والضرورة.
ومما جاء في فضلهم رضي الله عنهم: حديث اين مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). أخرجه البخاري 2530 ومسلم 4706
وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون لأنهم آمنوا به حين كفر الناس، وصدّقوه حين كذّبه الناس، وعزّروه ونصروه وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام.
ومما جاء في فضلهم ما رواه أبو بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النجومُ أَمَنَةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتي أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أني أمتي ما يوعدون). أخرجه مسلم 2531
وهو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة مِن طمس السنن، وظهور البدع، وفشوِّ الفجور في أقطار الأرض.
وها هو أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه يصف حال الصحابة، فعن أب أراكة قال: صليتُ خلف عليٍّ صلاة الفجر، فلما سلّم انفتل عن يمينه ثم مكث كأن عليه الكآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيدَ رمحٍ، قال: "لقد رأيت أصحاب محمد، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون ضُمراً شُعثاً غُبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، ويراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله، مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح، فهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم".
3- فمن أحبهم فبحبي أحبهم
ومن الوعيد الشديد فيمن آذى الصحابة الكرام ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم؛ ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه). أخرجه الترمذي 3862
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12709
ولقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام، وبينوا ذلك وردوا على كل من أراد انتقاصهم، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدكم عمره".
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا رأيتَ بالرجل يذكر أصحاب رسول الله بسوء فاتهمه على الإسلام".
وقال رحمه الله: "لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه".
وقال بشر بن الحارث رحمه الله: "من شتم أصحاب رسول الله فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين".
وذكر الحميدي رحمه الله تعالى: "أن من السنة الترحم على أصحاب محمد كلهم، فإن الله عز وجل قال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]، فلم نُؤمَرْ إلا بالاستغفار لهم، فمن سبّهم أو تنقّصهم، أو أحداً منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حقٌّ، أخبرنا ذلك غيرُ واحدٍ عن مالك بن أنس".
4- فأبشر بما ليس فيه البشرى
ولعله اليومَ نرى كثيراً من الكُتّاب والمتكلمين، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ممن تسلل إلى قلوبهم المرض، ينتقصون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تخفي صدورهم أكبر، فتارة يظهرون ذلك من باب أنهم بشرٌ غير معصومين، وإذا وجدوا مجالاً تجرأوا أكثر، وأظهر مما تخفيه صدورهم!
لقد وجدوا أن التقليل من شأن الصحابة الكرام عند الناس هو أخصرُ وأقصرُ الطرقِ للطعن في الدين، وإسقاط كثيرٍ من محكماته.
وكما قال الإمام أبو زُرعة رحمه الله: "إذا رأيتَ الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنةَ أصحابُ رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقة".
وقال الإمام محمد بن صُبيح بن السماك رحمه الله لمن انتقص الصحابة: "علمتَ أنّ اليهود لا يسبّون أصحاب موسى عليه السلام، وأنّ النصارى لا يسبّون أصحاب عيسى عليه السلام، فما بالك -ياجاهل- سببتَ أصحاب محمد!؟ وقد علمتُ من أوتيتَ، لم يشغلك ذنبُك، ولو شغلك ذنبك لخِفتَ ربَّكَ، ولقد كان في ذنبك شغلٌ عن المسيئين، فكيف لم يشغلك عن المحسنين!؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولتَ المسيئين، ورجوتَ لهم أرحم الراحمين، ولكنك من المسيئين، فمِن ثَمَّ عِبتَ الشهداء والصالحين، أيها العائب لأصحاب محمد، لو نمتَ ليلك وأفطرت نهارك لكان خيراً لك من قيام ليلك وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب رسول الله؛ فويحك، لا قيامَ ليلٍ، ولا صومَ نهارٍ، وأنت تتناول الأخيار! فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى؛ وبمَ تحتجُّ – يا جاهل- إلا بالجاهلين!؟ وشرُّ الخلف خلفٌ شَتَمَ السلفَ، لواحدٌ من السلف خيرٌ من ألفٍ من الخلف".
وفي الختام لا نقول إلا كما قال ربنا سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
1 - أخرجه البخاري 3470، ومسلم 2540
2 - أخرجه البخاري 2530 ومسلم 4706
3 - أخرجه مسلم 2531
4 - أخرجه الترمذي 3862
5 - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12709
دور الخطباء في سوريا ؟!
دور فعال ومؤثر (صوتأ 58) 68%
غير فعال (صوتأ 25) 29%
لا أدري (صوتأ 2) 2%
تاريخ البداية : 26 ديسمبر 2013 م عدد الأصوات الكلي : 85