1- صاعٌ مباركةٌ
2- طُهرة الصَّائم
مقدمة:
يتجهّز الضّيف الكريم للرّحيل، وقد استقبله المؤمنون قبل عدّة أسابيع وهم يستذكرون فضائله، ومزايا الصّيام فيه والقيام، فشمّروا لذا وجدّوا، وبذلوا واجتهدوا، مدركين تمامًا أنّ هذه الفرصة السّانحة إلى زوالٍ، والواجب الاستفادة منها أقصى استفادة، وهي إلى زوالٍ؛ لأنّها ظرف زمانٍ، والزّمن لا يفتأ يمضي، لا سبيل إلى إيقافه، إذ لو أتيح للنّاس -أرباب الدّنيا- إيقافه لأوقفوه وهم في ذروة قوّتهم وصحّتهم حتّى يستمتعوا بها ما أمكنهم، ولأوقفه أهل الله في لحظات قربهم مِن الله عز وجل، سجّدًا بين يديه في ليلة القدر، لكن هيهات هيهات، إنّه ماضٍ لا محالة، عجلةٌ دائرةٌ دون احتمال توقّفٍ، إلى أن يشاء الله سبحانه.
وبما أنّه ماضٍ على الطّرفين أهل الآخرة وأهل الدّنيا، فيا لسعادة الفريق الأوّل إذ يمضيه فيما يقرّبه مِن ربّه ويسعده في آخرته، فيرفعه في الجنّة درجاتٍ عليّةً، ويصير إلى حسابٍ يسيرٍ، بين يدي ربٍّ رحيمٍ كريمٍ جل جلاله، ويا لخسارة الفريق الآخر إذ يخسر رأس ماله -عمره- فيما لا طائل منه، ثمّ يصير إلى حسابٍ عسيرٍ، بين يدي ربٍّ عظيمٍ كبيرٍ سبحانه {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق: 6-15].
كادحون كادحون، فبمَ سنكدح في هذه الأيّام الّتي تختم الظّرف المبارك؟
1- صاعٌ مباركةٌ
وبما أنّ عجلة الزّمان تدور، فقد أوصلتنا هذه العجلة إلى محطّةٍ مهمّةٍ في هذا الشّهر الكريم، يجدر بنا أن نتذكّر طرفًا مِن أحكامها، فقد أزف زمان وجوبها، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ).
أي قبل خروج النّاس إلى صلاة العيد، وإذا كان هذا وقت الوجوب، أي إنّها تجب مع غروب شمس آخر يومٍ مِن رمضان، فإنّ لها زمنًا تصحّ فيه وإن لم تكن واجبةً بعد، فهي عبادةٌ تفارق الصّلاة مِن جانب أنّها قابلةٌ للتّقديم قبل زمان وجوبها بمدّةٍ ليست بالقصيرة، في حين أنّ أزمنة الصّلاة أضيق، فلا تصحّ صلاة الفجر -مثلًا- إلّا في ساعةٍ مِن اليوم.
مَن جاء إلى صلاة الجمعة هذه وقد أدّى زكاة فطره قبلها خلال الشّهر فليسأل الله عز وجل القبول، وليعرض فعله على ما سيأتيه مِن أحكامٍ تتعلّق بها، إذا كان ما سبق بيانًا لوقت وجوب زكاة الفطر ووقت صحّة الأداء فعلى مَن تجب؟ وكيف نخرجها؟ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ).
يبيّن الحديث السّابق أنّها واجبةٌ على جميع المسلمين، فكلّ مَن ملك قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه وجب عليه أن يعمد إلى ما رزقه الله، فيخرج منه يتصدّق، وليت شعري كم نسبة أولئك الّذين يملكون قوت يومهم وليلتهم مقارنةً بالّذين لا يملكون، إنّ هذا الضّابط يجعل زكاة الفطر واجبةً على سواد النّاس الأعظم، فلا يخرج عن حدّ الوجوب إلّا القليل، والمرء إذ يخرج زكاة الفطر عن نفسه يخرجها أيضًا عمّن يعول، مِن ابنٍ صغيرٍ وزوجةٍ وأمٍّ وسوى ذلك، وعن الجنين تستحبّ ولا تجب، وفي الحديث بيانٌ لكيفيّة إخراجها ولمقدارها، أمّا المقدار فصاعٌ، ولم يعد الصّاع اليوم مستعملًا كوحدةٍ لتقدير الأطعمة، ناب عنه الكيلوغرام واللّيتر، وبما أنّ الصّاع إناءٌ يقيس حجم الطّعام الموضوع فيه لا وزنه، فإنّك ما غيّرت المادّة الموضوعة فيه يتغيّر وزنها، فمَن رام تقدير الصّاع بالكيلو لكلّ الموادّ رام أمرًا عسيرًا لا يستقيم، والأدقّ أن نسأل عن صاع كلّ مادةٍ برأسها، وعلى العموم فالصّاع قريبٌ مِن اثنين كيلو غرام ونصف؛ فالأسرة الصّغيرة المكوّنة مِن أبٍ وأمٍّ وطفلين -لا يعول ربّها سواهم- إذا أخرج عشرة كيلو غرام من التّمر مثلًا فقد أدّى ما أوجب عليه، وإن شاء أخرج قيمة ذلك نقدًا، فقد تواترت فتاوى المشايخ المعاصرين والهيئات والمجامع العلميّة على قبول تقليد فتوى القائلين بصحّة إخراج قيمة زكاة الفطر نقدًا، فالتّمر والبرّ كانا في الزّمن المبارك أحيانًا أثمانًا يشتري بهما المرء ويبيع، وفي ذات الوقت لا يسوغ الإنكار على مَن أخرجها قوتًا، كيف وقد احتاط وعمل بما أجمع عليه العلماء؟
2- طُهرة الصَّائم
الأصل في الصّائم أن يصون صيامه عن اللّغو والرّفث والفسوق، فيسلم له الأجر، ولكنّ المؤمن يخرق ويرقّع، وممّا يرقّع ثوب الصّيام إذا خرقه لغوٌ أو رفثٌ زكاة الفطر؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ).
وفي الحديث بيان لمقصدٍ آخر مِن مقاصد زكاة الفطر، وهو إطعام المساكين، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَحُرٍّ وَمَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، قَالَ: وَكَانَ يُؤْتَى إِلَيْهِمْ بِالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ فَيَقْبَلُونَهُ مِنْهُمْ وَكُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقَسِّمُوهُ بَيْنَهُمْ، وَيَقُولُ: (اغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ).
ففي ذلك الزّمن المبارك ثمّة مسكينٌ ذو متربةٍ، أي التصق بالتّراب لشدّة جوعه، ومسكينٌ يطوف بالأبواب تردّه التّمرة والتّمرتان، قِس هذا بحال الكثير مِن المجتمعات الإسلاميّة اليوم تجدها في سعةٍ وغنًى، إلّا ما نجده في البلدان الّتي تحارب قوى الظّلم والطّغيان كغزّة وسواها، فالشّدة فيها ماثلةٌ أمام العين، وقد ارتضى الفقهاء نقل زكاة الفطر إلى البلد الأحوج، إذ مِن منطق زكاة الفطر ألّا يفرح بالعيد الغنيّ الواجد، ويحزن الفقير الفاقد، بل العيد فرحٌ عامٌّ لجميع المسلمين، ونحن كالجسد الواحد، فإذا اشتدّت الحاجة في بلدٍ مسلمٍ لنازلةٍ نزلت به أو حربٍ فالبلدان الأخرى تغني أهل البلد المحتاج عن السّؤال في هذا اليوم، ولا تقتصر المادّة الّتي نخرجها على التّمر، بل يسعنا أن نخرج كلّ متموّل مِن البقوليّات الّتي يدّخرها النّاس ومِن الحبوب، أمّا ما لم يكن قوتًا كالسّكر والشّاي فلا نخرجه كزكاةٍ، إذ هو ممّا يسع الفقير أن يستغني عنه، وليس قوتًا يصلح أن يُكتفى به على المائدة؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ"، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: "أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ".
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه: "وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ".
ففي هذا الحديث أصلان يُعتمد عليهما في أحكام زكاة الفطر، الأوّل مبدأ التّقييم وإخراج القيمة قال به معاوية رضي الله عنه، وهو وإن لم يَصر إلى النّقد وانتقل مِن قوتٍ إلى قوتٍ إلّا أنّه غيّر في المقياس الشّرعيّ فجعل صاعًا مِن تمرٍ يعدل قيمة نصف صاعٍ مِن الحنطة السّمراء، وفيه عدم قصر ما نخرجه على ما كان قوتًا بل ينظر في قوت كلّ زمانٍ.
خاتمةٌ:
أزف زمان العيد، وللعيد في شرعنا أحكامٌ وآدابٌ يحسن أن نتأدّب بها، وأوّلها ما سبق ذِكره؛ مِن وجوب إخراج زكاة الفطر قبل الصّلاة، ومنها أن نكبّر الله على ما هدانا إليه {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
ونغتسل ونتزيّن لصلاة العيد؛ فنلبس أحسن الثّياب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ).
ولم يكن في ذلك الزّمان للّون الأحمر ما له مِن دلالةٍ اليوم، ونأكل تمراتٍ قبل الغدوّ إلى المصلّى لنعلن انتهاء الصّوم، فالعبادات مقدّرةٌ في شرعنا، لا زيادةٌ ولا نقصان، ونذهب إلى المصلّى مِن طريقٍ ونرجع مِن آخر، ونصطحب النّساء إلى المصلّى؛ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: (لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا).
وعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ".
فهذا أدبٌ حسنٌ، ومِن آدابه: تبادل الدّعاء بالقبول، فقد كان الصّحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، ومِن آدابه الصّدقة؛ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) فسألت مع امرأةٍ أخرى عن التّصدّق على الزّوج، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ).
فهذه امرأةٌ تقدّم لزوجها يوم العيد ما يسمّيه النّاس اليوم "عيديّة" فما أسعدهما مِن زوجين!