1- القَوس الموتورة
2- محيطنا المساعِد
مقدمة:
ما يزال ربّنا جل جلاله يدعونا إليه؛ رغم انتهاء رمضان، إنّنا كادحون إلى ربنا حتّى نلاقيه {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6].
ما يزال ربّنا سبحانه يعرض علينا الرّحمة والمغفرة في آخر الليل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا عز وجل كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ).
لم يدعُنا ربّنا سبحانه أن نقوم بين يديه فقط في رمضان، بل أتاح لنا هذا الشّرف وأمرنا به طيلة العام، فهذه أبواب المساجد مفتوحةٌ لمن شاء أن يلج، وهذا المنادي ما يفتأ ينادي "حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح" وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنهضنا إلى المسجد؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ).
وهذا كلام الله عز وجل بين أيدينا ينادينا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وحديث رسول الله يستحثّنا صلى الله عليه وسلم أن نقرأه، عن عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الْم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ).
إذا كان كلّ هذا ما يزال قائمًا أمامنا يدعونا إلى الخير والعبادة، يدعونا إلى وظيفتنا المستمرّة قبل وأثناء وبعد رمضان، فعلام يُعرض المعرضون بعد رمضان؟ ولم تفتر الهمم بعد أن كانت تعانق القِمم؟ وكيف نعالج هذا الفتور؟
1- القَوس الموتورة
مِن طبع الإنسان ألّا يبقى على حالٍ واحدةٍ، إذ دوام الحال مِن المحال، فالهمم بطبعها تشتدّ وتفتر، ولمّا كانت النّصوص متضافرةً على أفضليّة العمل في رمضان عن سواه فمِن المتوقّع أن ينشط النّاس إلى العمل فيه أكثر مِن العمل قبله وبعده، فقراءة القرآن وقيام واللّيل وصلوات الجماعة وسوى ذلك مِن القربات مستقرٌّ لدى النّاس فضلها ومكانتها، ومستقرٌّ كذلك زيادة فضلها في رمضان، ما يحفّز النّاس على المداومة عليها فيه، فإذا انقضى الشّهر المبارك اجتمع على المؤمن أمران يفتّران مِن عزيمته تجاه العبادات، أولهما انتهاء زمن مضاعفة الأجور، وثانيها طبعه الّذي يميل إلى المراوحة والمناوبة بين الهمّة والفتور، بين التّذكّر والنّسيان، بين النّشاط والكسل، فنحن مِن جانبٍ نرى أنّ زمن مضاعفة الأجر انتهى، ومِن جانبٍ آخر تدفعنا أنفسنا للعودة إلى ما كنّا عليه قبل رمضان، بل ربّما كان الحال أسوأ لدى البعض، إذ لا يكتفي بالعودة إلى حاله قبل رمضان، بل نرى في العيد مِن مظاهر المجون والمعصية ما لم يكن قبلًا، وما تتعجّب أن يصدر مِن المؤمن الّذي كان قبل بضعة أيّام يُحرم وراء الإمام في صلاة القيام، ويدعو ويبكي ويبتهل، وحاله في هذا حال القوس؛ شددتَها إلى وراء مدةً مِن الزّمن وبقوّةٍ ثمّ أفلتّتها، فانظر كيف يكون اندفاعها، هل تكتفي بالعودة إلى مكانها الطبيعيّ فورًا؟ أم ستراها تنطلق إلى الأمام في ردّة فعلٍ متوقّعةٍ على دفعك إيّاها إلى الوراء؟ واجب المؤمن والحال هذه أن يوقِف نفسه عند حدود الله عز وجل، وعلينا أن نفهم أنفسنا وتقلّبها بين الأحوال، وأن نتوقّع ردّات فعلها حيال الإلزام وحبس النّفس على الطّاعة، فلا نيأس مِن مجاهدتها، بل نستمرّ في ذلك، فهذه وظيفة العمر، ولنتقبّل أنّها لن تظلّ على نفس الحال الّتي كانت عليه مِن الصّفاء والنّقاء المتحصّلَين في رمضان، عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ رضي الله عنه، وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ، نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الأَزْوَاجِ وَالضَّيْعَةِ وَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَكَذَلِكَ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقْنَا، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا لَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟) قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً).
نتقبّل أنّا لن ندوم على الحال الّتي كنّا عليها في رمضان، لكنّنا لا نقبل مِن أنفسنا بحالٍ مِن الأحوال أن تفتح باب المعاصي، ونلزمها حدًّا أدنى مِن العبادات والنّوافل لا نقبل منها أقلّ منه، مثل صلاة الجماعة في المسجد وصلاة الضّحى والسّنن الرّواتب وصلاة الوتر ووردٍ مِن القرآن يوميٍّ، والله الموفّق.
2- محيطنا المساعِد
وفي رمضان معانٍ أخرى ساعدتنا فيه على النّشاط إلى الطّاعة، مِن أبرزها: تأثير المحيط علينا، فالنّفس تنشط إلى العبادات الجماعيّة ما لا تنشطه إلى الفرديّة، وفي رمضان لا يصوم المؤمن بمفرده، بل يصوم ضمن مليار صائم، ولا يصلّي التّراويح منفردًا، بل يصليها في جماعة المصلّين، وهذا فيه مِن الحافز النّفسيّ ما لا يخفى، فكيف نصوم بعد رمضان ونقوم، وليس لنا سلطان إلزام النّاس أن تصوم بصيامنا وأن تقوم بقيامنا؟
نعالج هذا الجانب بتذكّر أهمّيّة العبادة الفرديّة، فالشريعة الغرّاء لم تأتِ بالعبادات الجماعيّة دائمًا، بل حثّتنا أن نجتمع حينًا، وأوجبت هذا الاجتماع -كما هو الحال في صلاة الجمعة والعيدين- لكنّ السّنن الرّواتب مثلًا وصلاة الضّحى لم تندب النّاس إلى الاجتماع عليها، بل ينفرد المؤمن عن إخوانه، ويقف بين يدي ربّه يناجيه ويناديه ويدعوه، ولم يُندب النّاس إلى أداء قيام اللّيل جماعاتٍ في المساجد بعد رمضان، فإن صلّوا جماعةً صحّ ذلك منهم، فقد اقتدى بعض الصّحابة رضي الله عنهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه، لكن لم يؤثَر اجتماعهم كما هو الحال في التّراويح، فنحن بين حالين كلاهما له أهمّيته في شرعنا، حال العبادات الجماعيّة وهذه تكون كثيرةً في رمضان، يصدح المؤذّن في البلدة الكبيرة المترامية الأطراف عند المغرب بقوله "الله أكبر" فتمتد آلاف الأيدي في نفس اللّحظة إلى أطباق التّمر، ويناجي الصّائمون ربّهم "اللهمّ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت"، هذا الحال الأوّل، والثّاني وهو العبادات الفردية الّتي تخلو بها مع ربّك جل جلاله، فلا يرقب أحدٌ دمعتك تنحدر على خدّك تتوسّل بها إلى ربّك أن يرفع عنك هموم دنياك وآخرتك، فتستحقّ بها أن تستظلّ بظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وتنفرد عن النّاس فتتصدّق لا يعلم بتصدّقك إلّاه، فتستظلّ بصدقتك؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).
ومِن العبادات الّتي نُدبنا أن نقوم إليها فرادى أو مثنى مثنى: عبادة التّفكّر {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46].
فالانفراد عن المجموع لدى التّأمل والتّفكّر أدعى لصفاء النّفس، و أقرب لتخلّصها مِن تأثير المجموع السّلبيّ إن وُجد، وهذا الانفراد مع الله عز وجل توطئةٌ لانفرادٍ لاحقٍ سيكون ولا بدّ {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95].
فإذا كان الحساب فرديًّا غدًا فطوّع نفسك أن إذا أحسن النّاس أحسنت، وإن أساؤوا أحسنت أيضًا، إذ لست بالإمّعة.
خاتمةٌ:
مِن أسباب شعور الحزن الخفيّ الّذي يصاحب بعض النّاس العابدين مع ساعات رمضان الأخيرة إدراكُهم أنّهم يودّعون صفاءً ونقاءً حصّلوه في رمضان، وأنّهم وإن اجتهدوا خارج رمضان فلن يتحصّل لهم ذلك الخشوع بعينه، فيأسفون أن يغادروا تلك الأجواء الرّوحانيّة الفريدة إلى أجواءٍ مادّيّةٍ صاخبةٍ في العيد، لكنّ المؤمن إذا أدرك أنّ فرح العيد عبادةٌ، كما أنّ نصب ليالي رمضان وجوع نهاراته عبادةٌ هان عليه هذا الانتقال، فالّذي نُدبنا أن نوطّن أنفسنا على الحال الشّديدة مِن جوع نهارٍ ونصب ليلٍ ندبنا أن نفرح يوم العيد، حتّى إذا مضت سويعات العيد انقلبنا إلى محاريبنا منفردين نسأل الله ونرجوه، فما زال ربّنا كريمًا معينًا سبحانه، يمدّ يده باللّيل ليتوب مسيء النّهار، ويمدّ يده بالنّهار ليتوب مسيء اللّيل، وما زال ينادينا في كلّ ليلةٍ يعرض علينا رحمته ومغفرته.
على أنّه رغم انتهاء رمضان فلم تنتهِ بعد العبادات الجماعيّة، فهذه صلاة الجماعة متكرّرةٌ متجدّدةٌ، فإذا اشتدّ أزرك بالجماعات يصومون ويصلّون في رمضان، فالتحق بركب المصلّين بعد رمضان، فإنّهم أيضًا جماعاتٌ مجتمعةٌ، وإذا كانت بيئتك الضّيّقة لا تحفد إلى المساجد إلّا في رمضان فإنّ بيئاتٍ أخرى أنفع لك لا تستطيع العيش دون أن ترد بيت الله وتتردد عليه، فهناك رجلٌ قلبه معلّقٌ بالمساجد إذا خرج منها حتّى يعود إليها، فاتّخذ مثله أخًا لك تحبّه في الله تجتمعان وتفترقان حبًّا في الله، وبذلك تستظلّ وتستحقّ الظّل مِن أكثر مِن وجهٍ.
لنقبل مِن أنفسنا نوع فتورٍ بعد رمضان، لكن لا نقبل منها بحالٍ المعصية، بل نلزمها بحدٍّ أدنى مِن الطّاعات، ونحرص أن يكون هذا الحدّ أعلى ممّا كنّا عليه قبل رمضان، ولنعرف أهمّيّة العبادات الفرديّة في شريعتنا، وإذا كانت بيئتنا لا تساعد على الطّاعة فلننغمس في بيئةٍ تساعد على ذلك.